سُورَةُ حم الدُّخَانِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : رَهْوًا طَرِيقًا يَابِسًا ، وَيُقَالُ رَهْوًا سَاكِنًا . عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ . فَاعْتُلُوهُ : ادْفَعُوهُ . وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ . وَيُقَالُ أَنْ تَرْجُمُونِ الْقَتْلُ . ورهوا : ساكنا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَالْمُهْلِ أَسْوَدُ كَمُهْلِ الزَّيْتِ . وَقَالَ غَيْرُهُ تُبَّعٍ مُلُوكُ الْيَمَنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ حم الدُّخَانِ . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَقَطَتْ ( سُورَةُ ) وَ ( الْبَسْمَلَةُ ) لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : رَهْوًا طَرِيقًا يَابِسًا ، وَيُقَالُ رَهْوًا سَاكِنًا ) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِلَفْظِهِ وَزَادَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ضُرِبَ يَقُولُ لَا تَأْمُرْهُ أَنْ يَرْجِعَ بَلِ اتْرُكْهُ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُ . وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ رَهْوًا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ عُطِفَ مُوسَى لِيَضْرِبَ الْبَحْرَ لِيَلْتَئِمَ وَخَافَ أَنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فَقِيلَ لَهُ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا يَقُولُ : كَمَا هُوَ طَرِيقًا يَابِسًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ وَأَمَّا الْقَوْلُ الْآخَرُ فَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ : فِي قَوْلِهِ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا أَيْ سَاكِنًا ، يُقَالُ : جَاءَتِ الْخَيْلُ رَهْوًا أَيْ : سَاكِنَةً ، وَأَرِهْ عَلَى نَفْسِكَ أَيِ ارْفُقْ بِهَا ، وَيُقَالُ عَيْشٌ رَاهٍ . وَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ هُنَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَإِثْبَاتُهُ هُوَ الصَّوَابُ . قَوْلُهُ : عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ عَلَى مَنْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ أَيْضًا ، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ فَضَّلْنَاهُمْ عَلَى مَنْ هُمْ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ أَيْ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِمْ . قَوْلُهُ : وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا عِينًا يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : أَنْكَحْنَاهُمُ الْحُورَ الَّتِي يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ ، بَيَانُ مُخِّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ ثِيَابِهِنَّ ، وَيَرَى النَّاظِرُ وَجْهَهُ فِي كَبِدِ إِحْدَاهُنَّ كَالْمِرْآةِ مِنْ رِقَّةِ الْجِلْدِ وَصَفَاءِ اللَّوْنِ . قَوْلُهُ : فَاعْتِلُوهُ ادْفَعُوهُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ : خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ قَالَ : ادْفَعُوهُ . قَوْلُهُ : ( وَيُقَالُ أَنْ تَرْجُمُونَ : الْقَتْلُ ) سَقَطَ وَيُقَالُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَصَارَ كَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ مُجَاهِدٍ ، وَقَدْ حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ وَلَمْ يُسَمِّ مَنْ قَالَهُ ، وَأَوْرَدَ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ بِمَعْنَى الشَّتْمِ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَرْجُمُونِ قَالَ : بِالْحِجَارَةِ ، وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ حَمْلَ الرَّجْمَ هُنَا عَلَى جَمِيعِ مَعَانِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَرَهْوًا : سَاكِنًا ) كَذَا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ : ابْنُ عَبَّاسٍ كَالْمُهْلِ أَسْوَدَ كَمُهْلِ الزَّيْتِ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عَطِيَّةَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْمُهْلِ ، قَالَ : شَيْءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ . وَقَالَ اللَّيْثُ : الْمُهْلُ ضَرْبٌ مِنَ الْقَطِرَانِ ، إِلَّا أَنَّهُ رَقِيقٌ شَبِيهٌ بِالزَّيْتِ يَضْرِبُ إِلَى الصُّفْرَةِ وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ : الْمَهْلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ هُوَ الصَّدِيدُ وَمَا يَسِيلُ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَبِالضَّمِّ هُوَ عَكَرُ الزَّيْتِ ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَتَحَاتُّ عَنِ الْجَمْرِ مِنَ الرَّمَادِ . وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ خَبَثُ الْجَوَاهِرِ الذَّهَبِ وَغَيْرِهِ . وَقِيلَ فِي تَفْسِيرِ الْمُهْلِ أَقْوَالٌ أُخْرَى : فَعِنْدَ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هُوَ الَّذِي انْتَهَى حَرُّهُ ، وَقِيلَ الرَّصَاصُ الْمُذَابُ أَوِ الْحَدِيدُ أَوِ الْفِضَّةُ ، وَقِيلَ السُّمُّ ، وَقِيلَ خُشَارُ الزَّيْتِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى كَالْمُهْلِ قَالَ : كَعَكَرِ الزَّيْتِ إِذَا قَرَّبَهُ إِلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : تُبَّعٍ مُلُوكُ الْيَمَنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ صَاحِبَهُ ، وَالظِّلُّ يُسَمَّى تُبَّعًا لِأَنَّهُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ وَزَادَ : وَمَوْضِعُ تُبَّعٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضِعُ الْخَلِيفَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَهُمْ مُلُوكُ الْعَرَبِ الْأَعَاظِمِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ تُبَّعٌ رَجُلًا صَالِحًا . قَالَ مَعْمَرٌ : وَأَخْبَرَنِي تَمِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يَقُولُ : إِنَّهُ كَسَا الْبَيْتَ ، وَنَهَى عَنْ سَبِّهِ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ سَبِّ أَسْعَدَ وَهُوَ تُبَّعٌ . قَالَ وَهْبٌ : وَكَانَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ . وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَفَعَهُ : لَا تَسُبُّوا تُبَّعًا فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ وَإِسْنَادُهُ أَصْلَحُ مِنْ إِسْنَادِ سَهْلٍ . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : لَا أَدْرِي تُبَّعًا كَانَ لَعِينًا أَمْ لَا وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْحَاكِمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْلِمَ بِحَالِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَعْلَمُهَا ، فَلِذَلِكَ نَهَى عَنْ سَبِّهِ خَشْيَةَ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى سَبِّهِ مَنْ سَمِعَ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ حم الدُّخَانِ · ص 433 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ · ص 434 1 - بَاب : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ فَارْتَقِبْ : فَانْتَظِرْ 4820 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَضَى خَمْسٌ : الدُّخَانُ وَالرُّومُ وَالْقَمَرُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ فَارْتَقِبْ فَانْتَظِرْ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ وَقَالَ قَتَادَةُ فَارْتَقِبْ فَانْتَظِرْ وَقَدْ وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ شَيْبَانَ ، عَنْ قَتَادَةَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ) هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ بِالتَّصْغِيرِ أَبُو الضُّحَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْأَبْوَابِ الَّتِي بَعْدَهُ ، وَقَدْ تَرْجَمَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ثَلَاثَ تَرَاجِمَ بَعْدَ هَذَا وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ الْفُرْقَانِ مُخْتَصَرًا وَفِي تَفْسِيرِ الرُّومِ وَتَفْسِيرِ ص مُطَوَّلًا ، وَيَحْيَى الرَّاوِي فِيهِ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَفِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ عَنْ وَكِيعٍ هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبَلْخِيِّ ، وَقَوْلُهُ فِي الطَّرِيقِ الْأُولَى حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَالْمَيْتَةُ وَفِي الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ وَالْجُلُودَ وَفِي رِوَايَةٍ فِيهَا حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَقَعَ فِي جُمْهُورِ الرِّوَايَاتِ الْمَيْتَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالتَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ ، وَضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِنُونٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَهَمْزَةٍ وَهُوَ الْجِلْدُ أَوَّلَ مَا يُدْبَغُ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة حم الدخان · ص 161 ( سورة حم الدخان ) أي هذا في تفسير بعض سورة حم الدخان ، وفي بعض النسخ الدخان بدون لفظ حم ، وفي أكثر النسخ سورة حم الدخان ، قال مقاتل : مكية كلها ، وقال أبو العباس : لا خلاف في ذلك ، وهي ألف وأربعمائة وواحد وثلاون حرفا ، وثلاثمائة وست وأربعون كلمة ، وتسع وخمسون آية ، وروى الترمذي مرفوعا من حديث أبي هريرة : من قرأ حم الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك ، وقال : غريب ، وعنه : من قرأ الدخان في ليلة الجمعة غفر له . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . ( وقال مجاهد : رهوا طريقا يابسا ، ويقال : رهوا ساكنا ) . أي قال مجاهد في قوله تعالى : وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ وفسر رهوا بقوله طريقا يابسا ، وعن ابن عباس شعبا ، وعنه هو أن يترك كما كان ، وعن ربيع سهلا ، وعن الضحاك دميا ، ويقال : طريقا يابسا هو قول أبي عبيدة . ( على علم على العالمين ، على من بين ظهريه ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ وفسره بقوله على من بين ظهريه ، أي على أهل عصره ، وهو أيضا قول مجاهد ، قوله : وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ يعني موسى وبني إسرائيل ، قوله : على العالمين ، يعني عالمي زمانهم . ( فاعتلوه ادفعوه ) . أشار به إلى قوله تعالى : خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ وفسر فاعتلوه بقوله : ادفعوه ، وفي التفسير : سوقوه إلى النار ، يقال : عتله يعتله عتلا إذا ساقه بالعنف والدفع والجذب ، والضمير في خذوه يرجع إلى الأثيم ، قوله : " إلى سواء الجحيم " أي وسط الجحيم . ( وزوجناهم بحور عين أنكحناهم حورا عينا يحار فيها الطرف ) . هذا ظاهر ، وروى الفريابي من طريق مجاهد بلفظ : أنكحناهم الحور العين التي يحار فيها الطرف ، يبان مخ سوقهن من وراء ثيابهن ، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللؤلؤ ، وعن مجاهد : يرى الناظر وجهه في كعب إحداهن كالمرآة ، وفي حرف ابن مسعود بعيس عين وهن البيض ، ومنه قيل للإبل : البيض ، عيس بكسر العين واحده بعير أعيس ، وناقة عيساء ، والحور جمع أحور ، والعين بالكسر جمع العيناء وهي العظيمة العينين . ( ترجمون القتل ) . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وفسر الرجم الذي يدل عليه قوله " ترجمون بالقتل " ، وكذا قاله قتادة ، وعن ابن عباس : ترجمون : تشتمون ، ويقولون : إنه ساحر ، ووقع عند غير أبي ذر ، ويقال : أن ترجمون القتل . ( ورهوا ساكنا ) . هذا مكرر ، وقد مضى عن قريب ، ووقع هذا أيضا لغير أبي ذر . ( وقال ابن عباس : كالمهل أسود كمهل الزيت ) . أي قال ابن عباس في قوله تعالى : إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ رواه جويبر في تفسيره عن الضحاك عنه ، وعن الأزهري : من المهل الرصاص المذاب أو الصفر أو الفضة ، وكل ما أذيب من هذه الأشياء فهو مهل ، وقيل : المهل دردي الزيت ، وقيل : المهل الصديد الذي يسيل من جلود أهل النار ، وقال الليث : المهل ضرب من القطران إلا أنه رقيق يضرب إلى الصفرة ، وهو دسم تدهن به الإبل في الشتاء ، وقيل : السم ، وعن الأصمعي : بفتح الميم الصديد وما يسيل من الميت ، وقيل : عكر الزيت ، والمهل أيضا كل شيء يتحات عن الخبزة من الرماد وغيره ، وقيل : المهل إذا ذهب الجمر إلا بقايا منه في الرماد تبينها إذا حركها ، والرماد حار من أجل تلك البقية ، وقيل : هو خشارة الزيت ، وفي ( المحكم ) قيل : هو خبث الجواهر ، يعني الذهب والفضة والرصاص والحديد ، وفي تفسير عبد عن ابن جبير : المهل : الذي انتهى حره . ( وقال غيره : التبع ملوك اليمن ، كل واحد منهم يسمى تبعا ؛ لأنه يتبع صاحبه ، والظل يسمى تبعا لأنه يتبع الشمس ) . أي قال غير ابن عباس في قوله تعالى : أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وفسر التبع بقوله ملوك اليمن ، وهذا لأن كل من ملك اليمن يسمى تبعا ، كما أن كل من ملك فارسا يسمى كسرى ، وكل من ملك الروم يسمى قيصرا ، وكل من ملك الحبشة يسمى النجاشي ، وكل من ملك الترك يسمى خاقان .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين · ص 162 ( باب فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) أي هذا باب في قوله - عز وجل - : فَارْتَقِبْ أي انتظر يا محمد كما يجيء الآن قوله : بِدُخَانٍ مُبِينٍ ظاهر . ( قال قتادة : فارتقب فانتظر ) . أي قال قتادة في تفسير قوله تعالى : فَارْتَقِبْ فانتظر يا محمد ، ويقال ذلك في المكروه ، والمعنى انتظر عذابهم ، فحذف مفعول فارتقب لدلالة ما ذكر بعده عليه ، وهو قوله هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ وقيل : يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ مفعول فارتقب ، يقال : رقبته فارتقبته نحو نظرته فانتظرته . 316 - ( حدثنا عبدان عن أبي حمزة ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن عبد الله قال : مضى خمس : الدخان ، والروم ، والقمر ، والبطشة ، واللزام ) . مطابقته للترجمة في قوله الدخان ، وعبدان هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي ، وأبو حمزة بالحاء المهملة وبالزاي محمد ابن الميمون السكري ، والأعمش سليمان ، ومسلم هو ابن صبيح أبو الضحى ، ومسروق بن الأجدع ، وعبد الله بن مسعود . والحديث قد مضى في تفسير سورة الفرقان ، وذكر فيه خمسة أشياء الدخان يجيء قبل قيام الساعة فيدخل في أسماع الكفار والمنافقين حتى يكون كالرأس الحنيذ ، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام ، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه النار ولم يأت بعد وهو آت والروم فيما قال تعالى : الم غُلِبَتِ الرُّومُ والقمر فيما قال تعالى : وَانْشَقَّ الْقَمَرُ والبطشة فيما قال تعالى : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى أي القتل يوم بدر ، واللزام فيما قال تعالى : فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ، أي أسرى يوم بدر أيضا ، وقيل : هو القتل .