55 - سُورَةُ الرَّحْمَنِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بِحُسْبَانٍ : كَحُسْبَانِ الرَّحَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ : يُرِيدُ لِسَانَ الْمِيزَانِ . الْعَصْفِ بَقْلُ الزَّرْعِ إِذَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَذَلِكَ الْعَصْفُ ، وَالرَّيْحَانُ : رِزْقُهُ . وَالْحَبُّ : الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ . وَالرَّيْحَانُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الرِّزْقُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : والْعَصْفِ : يُرِيدُ الْمَأْكُولُ مِنَ الْحَبِّ ، وَالرَّيْحَانِ : النَّضِيجِ الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : الْعَصْفُ : وَرَقُ الْحِنْطَةِ . وَقَالَ الضَّحَاكُ : الْعَصْفُ : التِّبْنُ . وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ : الْعَصْفُ : أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ تُسَمِّيهِ النَّبَطُ هَبُورًا . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْعَصْفُ : وَرَقُ الْحِنْطَةِ ، وَالرَّيْحَانُ : الرِّزْقُ ، وَالْمَارِجُ : اللَّهَبُ الْأَصْفَرُ وَالْأَخْضَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إِذَا أُوقِدَتْ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ لِلشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ مَشْرِقٌ ، وَمَشْرِقٌ فِي الصَّيْفِ . وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ مَغْرِبُهَا فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ . لَا يَبْغِيَانِ : لَا يَخْتَلِطَانِ . الْمُنْشَآتُ : مَا رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السُّفُنِ ، فَأَمَّا مَا لَمْ يُرْفَعْ قِلْعُهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَآتٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَالْفَخَّارِ : كَمَا يُصْنَعُ الْفَخَّارُ . الشُّوَاظُ : لَهَبٌ مِنْ نَارٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : وَنُحَاسٍ : النُّحَاسُ الصُّفْرُ يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ يُعَذَّبُونَ بِهِ . خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَتْرُكُهَا . مُدْهَامَّتَانِ سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ . صَلْصَالٍ : طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ ، وَيُقَالُ : مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ ، يُقَالُ : صَلْصَالٌ كَمَا يُقَالُ صَرَّ الْبَابُ عِنْدَ الْإِغْلَاقِ ، وَصَرْصَرَ مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ : يَعْنِي كَبَبْتُهُ . فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ قَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ بِالْفَاكِهَةِ ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَإِنَّهَا تَعُدُّهُمَا فَاكِهَةً ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فَأَمَرَهُمْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى كُلِّ الصَّلَوَاتِ ، ثُمَّ أَعَادَ الْعَصْرَ تَشْدِيدًا لَهَا كَمَا أُعِيدَ النَّخْلُ وَالرُّمَّانُ ، وَمِثْلُهَا : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ قَالَ : وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَقَدْ ذَكَّرَهُمْ فِي أَوَّلِ قَوْلِهِ : مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَقَالَ غَيْرُهُ : أَفْنَانٍ : أَغْصَانٍ . وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ مَا يُجْتَنَى قَرِيبٌ . وَقَالَ الْحَسَنُ : فَبِأَيِّ آلَاءِ : نِعَمِهِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ : يَعْنِي الْجِنَّ وَالْإِنْسَ . وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ يَغْفِرُ ذَنْبًا ، وَيَكْشِفُ كَرْبًا ، وَيَرْفَعُ قَوْمًا وَيَضَعُ آخَرِينَ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَرْزَخٌ : حَاجِزٌ . الْأَنَامُ : الْخَلْقُ . نَضَّاخَتَانِ : فَيَّاضَتَانِ . ذُو الْجَلَالِ : ذُو الْعَظَمَةِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَارِجٌ : خَالِصٌ مِنَ النَّارِ ، ويُقَالُ : مَرَجَ الْأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ ، إِذَا خَلَّاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، مَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ . مَرِيجٍ : مُلْتَبِسٍ . مَرَجَ : اخْتَلَطَ الْبَحْرَانِ مِنْ مَرَجْتَ دَابَّتَكَ : تَرَكْتَهَا . سَنَفْرُغُ لَكُمْ سَنُحَاسِبُكُمْ ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، يُقَالُ : لَأَتَفْرَّغَنَّ لَكَ ، وَمَا بِهِ شُغْلٌ ، يَقُولُ : لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّتِكَ . قَوْلُهُ : ( سُورَةُ الرَّحْمَنِ ) كَذَا لَهُمْ ، زَادَ أَبُو ذَرٍّ الْبَسْمَلَةَ ، وَالْأَكْثَرُ عَدُّوا الرَّحْمَنُ آيَةً ، وَقَالُوا : هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ ، وَقِيلَ : تَمَامُ الْآيَةِ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ، وَهُوَ الْخَبَرُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : بِحُسْبَانٍ كَحُسْبَانِ الرَّحَى ) ثَبَتَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بِأَبْسَطَ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ يُرِيدُ لِسَانَ الْمِيزَانِ ) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَهَذَا كَلَامُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ ، وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُغِيرَةِ قَالَ : رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلًا يَزِنُ قَدْ أَرْجَحَ ، فَقَالَ : أَقِمِ اللِّسَانَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ قَالَ : اللِّسَانَ . قَوْلُهُ : الْعَصْفِ بَقْلُ الزَّرْعِ إِذَا قُطِعَ مِنْهُ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ فَذَلِكَ الْعَصْفُ ، وَالرَّيْحَانُ رِزْقُهُ ، وَالْحَبُّ : الَّذِي يُؤْكَلُ مِنْهُ ، وَالرَّيْحَانُ : فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الرِّزْقُ ) هُوَ كَلَامُ الْفَرَّاءِ أَيْضًا لَكِنْ مُلَخَّصًا ، وَلَفْظُهُ : الْعَصْفُ فِيمَا ذَكَرُوا : بَقْلُ الزَّرْعِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : خَرَجْنَا نَعْصِفُ الزَّرْعَ إِذَا قَطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ ، وَالْبَاقِي مِثْلُهُ ، لَكِنْ قَالَ : وَالرَّيْحَانُ رِزْقُهُ وَهُوَ الْحَبُّ .. إِلَخْ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : قَالَ : وَيَقُولُونَ : خَرَجْنَا نَطْلُبُ رَيْحَانَ اللَّهِ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْعَصْفُ : وَرَقُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ الَّذِي قَطَعُوا رُءُوسَهُ فَهُوَ يُسَمَّى الْعَصْفُ إِذَا يَبِسَ . وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْعَصْفُ أَوَّلُ مَا يُخْرِجُ الزَّرْعُ بَقْلًا . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْعَصْفُ يُرِيدُ الْمَأْكُولَ مِنَ الْحَبِّ ، وَالرَّيْحَانُ : النَّضِيجُ الَّذِي لَمْ يُؤْكَلْ ) هُوَ بَقِيَّةُ كَلَامِ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ . وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ : الْعَصْفُ : الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الرَّيْحَانُ : حِينَ يَسْتَوِي الزَّرْعُ عَلَى سُوقِهِ وَلَمْ يُسَنْبِلْ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : الْعَصْفُ وَرَقُ الْحِنْطَةِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْعَصْفُ وَرَقُ الْحِنْطَةِ ، وَالرَّيْحَانُ الرِّزْقُ . وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ مُفَرِّقًا ، قَالَ : الْعَصْفُ : وَرَقُ الْحِنْطَةِ ، وَالرَّيْحَانُ : الرِّزْقُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الْعَصْفُ التِّبْنُ ) وَصَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ : الْعَصْفُ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ ، تُسَمِّيهِ النَّبَطُ هَبُورًا ) وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ بِهَذَا ، وَأَبُو مَالِكٍ هُوَ الْغِفَارِيُّ كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ ، قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَا يُعْرَفُ اسْمُهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : اسْمُهُ غَزْوَانُ بِمُعْجَمَتَيْنِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ . وَالنَّبَطُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ هُمْ أَهْلُ الْفِلَاحَةِ مِنَ الْأَعَاجِمِ ؛ وَكَانَتْ أَمَاكِنُهُمْ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ وَالْبَطَائِحِ ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ عَلَى أَهْلِ الْفِلَاحَةِ ، وَلَهُمْ فِيهَا مَعَارِفُ اخْتُصُّوا بِهَا ، وَقَدْ جَمَعَ أَحْمَدُ بْنُ وَحْشِيَّةَ فِي كِتَابِ الْفِلَاحَةِ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءَ عَجِيبَةً . وَقَوْلُهُ هَبُورًا بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا رَاءٌ هُوَ دُقَاقُ الزَّرْعِ بِالنَّبَطِيَّةِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قَالَ : هُوَ الْهَبُورُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأَ الْجُمْهُورُ وَالرَّيْحَانُ بِالضَّمِّ عَطْفًا عَلَى الْحَبِّ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ بِالْخَفْضِ عَطْفًا عَلَى الْعَصْفِ ، وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ وَالْحَبُّ ذَا الْعَصْفِ بَعْدَ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَلِفٌ ، قَالَ : وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا قَرَأَ بِهَا ، وَأَثْبَتَ غَيْرُهُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ ، بَلِ الْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ نَصْبُ الثَّلَاثَةِ : الْحَبَّ وَذَا الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانَ ، فَقِيلَ : عَطْفٌ عَلَى الْأَرْضِ ، لِأَنَّ مَعْنَى وَضَعَهَا : جَعَلَهَا ، فَالتَّقْدِيرُ : وَجَعَلَ الْحَبَّ .. إِلَخْ أَوْ نَصَبَهُ بِخَلَقَ مُضْمَرَةً ، قَالَ الْفَرَّاءُ : وَنَظِيرُ مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَا وَقَعَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْجَارَ ذَا الْقُرْبَى وَالْجَارَ الْجُنُبِ قَالَ : وَلَمْ يَقْرَأْ بِهَا أَيْضًا أَحَدٌ . انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ نَفَى الْمَشْهُورَ ، وَإِلَّا فَقَدْ قُرِئَ بِهَا أَيْضًا فِي الشَّوَاذِّ . قَوْلُهُ : ( وَالْمَارِجُ : اللَّهَبُ الْأَصْفَرُ وَالْأَخْصَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إِذَا أُوقِدَتْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَسَيَأْتِي لَهُ تَفْسِيرٌ آخَرُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ مُجَاهِدٍ : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ إِلَخْ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي ظَبْيَانَ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لِلشَّمْسِ مَطْلَعٌ فِي الشِّتَاءِ وَمَغْرِبٌ ، وَمَطْلَعٌ فِي الصَّيْفِ وَمَغْرِبٌ . وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ ، وَزَادَ قَوْلُهُ : وَرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ : لَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَشْرِقٌ وَمَغْرِبٌ ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْمَشْرِقَيْنِ : مَشْرِقُ الْفَجْرِ وَمَشْرِقُ الشَّفَقِ ، وَالْمَغْرِبَيْنِ : مَغْرِبُ الشَّمْسِ وَمَغْرِبُ الشَّفَقِ . قَوْلُهُ : لا يَبْغِيَانِ لَا يَخْتَلِطَانِ . وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَيْنَهُمَا مِنَ الْبُعْدِ مَا لَا يَبْغِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ ، وَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ عَلَى هَذَا : يَلْتَقِيَانِ ، أَيْ أَنْ يَلْتَقِيَا ، وَحَذْفُ أَنْ سَائِغٌ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ ، وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرَيْنِ بَحْرُ فَارِسَ وَبَحْرُ الرُّومِ ؛ لِأَنَّ مَسَافَةَ مَا بَيْنَهُمَا مُمْتَدَّةٌ ، وَالْحُلْوُ - وَهُوَ بَحْرُ النِّيلِ أَوِ الْفُرَاتِ مَثَلًا - يَصُبُّ فِي الْمِلْحُ ، فَكَيْفَ يَسُوغُ نَفْيُ اخْتِلَاطِهِمَا أَوْ يُقَالُ بَيْنَهُمَا بُعْدٌ ؟ لَكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ يَرُدُّ عَلَى هَذَا ، فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفٌ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُنَا : قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ، فَإِنَّ اللُّؤْلُؤَ يَخْرُجُ مِنْ بَحْرِ فَارِسَ وَالْمَرْجَانُ يَخْرُجُ مِنْ بَحْرِ الرُّومِ ، وَأَمَّا النِّيلُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا . وَأَجَابَ مَنْ قَالَ : الْمُرَادُ مِنَ الْآيَتَيْنِ مُتَّحِدٌ ، وَالْبَحْرَانِ هُنَا الْعَذْبُ وَالْمِلْحُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ مِنْهُمَا أَيْ مِنْ أَحَدِهِمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ وَحَذْفُ الْمُضَافِ سَائِغٌ ، وَقِيلَ : بَلْ قَوْلُهُ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا يَخْرُجَانِ مِنَ الْمِلْحِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْهِ الْعَذْبُ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْغَوَّاصِينَ ، فَكَأَنَّهُمَا لَمَّا الْتَقَيَا وَصَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ قِيلَ يَخْرُجُ مِنْهُمَا . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْمَرْجَانِ فَقِيلَ : هُوَ الْمَعْرُوفُ بَيْنَ النَّاسِ الْآنَ ، وَقِيلَ : اللُّؤْلُؤُ كِبَارُ الْجَوْهَرِ وَالْمَرْجَانُ صِغَارُهُ ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ . وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ بَحْرُ فَارِسَ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ اللُّؤْلُؤُ ، وَالصَّدَفُ يَأْوِي إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَنْصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ الْعَذْبِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : الْمُنْشَآتُ مَا رُفِعَ قِلْعُهُ مِنَ السُّفُنِ ، فَأَمَّا مَا لَمْ يُرْفَعْ قِلْعُهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَآتٍ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِهِ ، لَكِنْ قَالَ : مُنْشَأَةٌ بِالْإِفْرَادِ ، وَالْقِلْعُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا ، وَمُنْشَآتٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فِي قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ اسْمُ مَفْعُولٍ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ عَنْهُ بِكَسْرِهَا أَيِ الْمُنْشَأَةُ هِيَ لِلسَّيْرِ ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَيْهَا مَجَازِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : كَالْفَخَّارِ كَمَا يُصْنَعُ الْفَخَّارُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( الشُّوَاظُ لَهَبٌ مِنْ نَارٍ ) تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ وَكَذَا تَفْسِيرُ النُّحَاسِ . قَوْلُهُ : خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَتْرُكُهَا ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ : إِذَا هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ يَذْكُرُ مَقَامَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَيَتْرُكَهَا . قَوْلُهُ : ( مُدْهَامَّتَانِ : سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( صَلْصَالٍ : طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ .. إِلَخْ ) تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ بَدْءِ الْخَلْقِ ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا . قَوْلُهُ : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ قَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ الرُّمَّانُ وَالنَّخْلُ بِالْفَاكِهَةِ ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَإِنَّهَا تَعُدُّهُمَا فَاكِهَةً كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى إِلَخْ ) قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ : الْبَعْضُ الْمَذْكُورُ هُوَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قِيلَ : أَرَادَ بِهِ أَبَا حَنِيفَةَ . قُلْتُ : بَلْ نَقَلَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ كَلَامِ الْفَرَّاءِ مُلَخَّصًا وَلَفْظُهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ : لَيْسَ الرُّمَّانُ وَلَا النَّخْلُ مِنَ الْفَاكِهَةِ ، قَالَ : وَقَدْ ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذْهَبًا . قُلْتُ : فَنَسَبَهُ الْفَرَّاءُ لِبَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَشَارَ إِلَى تَوْجِيهِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُ ذَلِكَ فَاكِهَةً ، وَإِنَّمَا ذُكِرَا بَعْدَ الْفَاكِهَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ إِلَخْ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ كَمَا فِي الْمِثَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا . وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَهُ هُنَا فَاكِهَةٌ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا سِيقَتْ فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ فَتَعُمُّ ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْعَامِّ هُنَا مَا كَانَ شَامِلًا لِمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ . وَقَدْ وَهِمَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْبُخَارِيِّ فَنَسَبَ الْبُخَارِيَّ لِلْوَهْمِ ، وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ كَلَامَ إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ . وَقَدْ وَقَعَ لِصَاحِبِ الْكَشَّافِ نَحْوَ مَا وَقَعَ لِلْفَرَّاءِ وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْفَنِّ الْبَلَاغِيِّ ، فَقَالَ : فَإِنْ قُلْتَ لِمَ عَطَفَ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ عَلَى الْفَاكِهَةِ وَهُمَا مِنْهَا ؟ قُلْتُ : اخْتِصَاصًا وَبَيَانًا لِفَضْلِهِمَا كَأَنَّهُمَا - لَمَّا كَانَ لَهُمَا مِنَ الْمَزِيَّةِ - جِنْسَانِ آخَرَانِ كَقَوْلِهِ : وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ بَعْدَ الْمَلَائِكَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : أَفْنَانٍ أَغْصَانٍ ، وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ مَا يُجْتَنَى قَرِيبٌ ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ : فَبِأَيِّ آلَاءِ : نِعَمِهِ ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَهْلٍ السَّرَّاجِ ، عَنِ الْحَسَنِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ قَتَادَةُ : رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يَعْنِي الْجِنَّ وَالْإِنْسَ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ يَغْفِرُ ذَنْبًا وَيَكْشِفُ كَرْبًا وَيَرْفَعُ قَوْمًا وَيَضَعُ آخَرِينَ ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّارِيخِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الصَّحِيحِ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا ، وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا ، وَلِلْمَرْفُوعِ شَاهِدٌ آخَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ ، وَآخَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُنِيبٍ ، أَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، وَالْبَزَّارُ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : بَرْزَخٌ حَاجِزٌ ، الْأَنَامُ الْخَلْقُ ، نَضَّاخَتَانِ فَيَّاضَتَانِ ) تَقَدَّمَ كُلُّهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : ( ذُو الْجَلَالِ : الْعَظَمَةِ ) هُوَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَيَأْتِي فِي التَّوْحِيدِ ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ ذُو الْجَلَالِ الْأُولَى بِالْوَاوِ صِفَةً لِلْوَجْهِ ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذِي الْجَلَالِ بِالْيَاءِ صِفَةً لِلرَّبِّ ، وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ إِلَّا ابْنَ عَامِرٍ فَقَرَأَهَا أَيْضًا بِالْوَاوِ وَهِيَ فِي مُصْحَفِ الشَّامِ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ غَيْرُهُ : مَارِجٍ خَالِصٍ مِنَ النَّارِ ، يُقَالُ : مَرَجَ الْأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ ؛ إِذَا خَلَّاهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .. إِلَخْ ) سَقَطَ قَوْلُهُ مَرِيجٍ : مُخْتَلِطٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَوْلُهُ مَرَجَ اخْتَلَطَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ اخْتَلَطَ الْبَحْرَانِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي صِفَةِ النَّارِ مِنْ بَدْءِ الْخَلْقِ . قَوْلُهُ : سَنَفْرُغُ لَكُمْ سَنُحَاسِبُكُمْ ، لَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ ) هُوَ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : هُوَ وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ وَلَيْسَ بِاللَّهِ شُغْلٌ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، يُقَالُ : لَأَتَفَرَّغَنَ لَكَ ، وَمَا بِهِ شُغْلٌ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَآخُذَنَّكَ عَلَى غِرَّةٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريسُورَةُ الرَّحْمَنِ · ص 487 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ · ص 490 1 - بَاب وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ 4878 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا ، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِهِ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ . سَقَطَ بَابُ قَوْلِهِ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ : الْمُرَادُ بِالدُّونِ هُنَا الْقُرْبُ ، أَيْ وَقُرْبُهُمَا جَنَّتَانِ أَيْ : هُمَا أَدْنَى إِلَى الْعَرْشِ وَأَقْرَبُ ، وَزَعَمَ أَنَّهُمَا أَفْضَلُ مِنَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى دُونِهِمَا بِقُرْبِهِمَا ، وَلَيْسَ فِيهِ تَفْضِيلٌ . وَذَهَبَ الْحَلِيمِيُّ إِلَى أَنَّ الْأُولَيَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ اللَّتَيْنِ بَعْدَهُمَا ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ وَمِنْ فِضَّةٍ لِلتَّابِعِينَ . وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ : مِنْ ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ وَمِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ . قَوْلُهُ ( الْعَمِّيِّ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ، وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا نُونٌ هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ . قَوْلُهُ : ( جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ ) وَفِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ : جِنَانُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ .. إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ .. إِلَخْ ) يَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الْقَوْمِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : كَائِنِينَ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب قول الله عز وجل وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون · ص 334 28 - باب قول الله عز وجل : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال ابن عباس : شكركم . قال آدم بن أبي إياس في تفسيره : نا هشيم ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي : شكركم ، أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال : هو قولهم : مطرنا بنوء كذا وكذا . قال ابن عباس : وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم به كافرا ، يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا . ثم خرج في سبب نزولها من رواية الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . وقد خرجه مسلم في صحيحه من رواية عكرمة بن عمار ، حدثني أبو زميل ، حدثني ابن عباس ، قال : مطر الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أصبح من الناس شاكر ، ومنهم كافر ، قالوا : هذه رحمة وضعها الله ، وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا ، فنزلت هذه الآية فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ حتى بلغ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ وروى عبد الأعلى الثعلبي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قال : شكركم ، تقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ، ونجم كذا وكذا . خرجه الإمام أحمد ، والترمذي وقال : حسن غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث إسرائيل ، عن عبد الأعلى . ورواه سفيان عن عبد الأعلى - نحوه - ولم يرفعه . ثم خرجه من طريق سفيان موقوفا على علي . وكان سفيان ينكر على من رفعه . وعبد الأعلى هذا ضعفه الأكثرون . ووثقه ابن معين . وخرج القاضي إسماعيل في كتابه أحكام القرآن كلام ابن عباس بالإسناد المتقدم ، عن سعيد بن جبير ، أن ابن عباس كان يقرؤها : وتجعلون شكركم تقولون : على ما أنزلت من الغيث والرحمة ، تقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا ، قال : فكان ذلك كفرا منهم لما أنعم الله عليهم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريسورة الرحمن · ص 211 بسم الله الرحمن الرحيم . سورة الرحمن أي هذا في تفسير بعض سورة الرحمن علم القرآن ، قال أبو العباس : أجمعوا على أنها مكية إلا ما روى همام عن قتادة أنها مدنية ، قال : وكيف تكون مدنية ، وإنما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم بسوق عكاظ ، فسمعته الجن وأول شيء سمعت قريش من القرآن جهرا سورة الرحمن ، قرأها ابن مسعود عند الحجر ، فضربوه حتى أثروا في وجهه ، وفي رواية سعيد عن قتادة : إنها مكية ، وقال السخاوي : نزلت قبل هَلْ أَتَى وبعد سورة الرعد ، وهي ألف وستمائة وستة وثلاثون حرفا ، وثلاثمائة وإحدى وخمسون كلمة ، وثمان وسبعون آية ، نزلت حين قالوا : وما الرحمن ، وكذا وقعت السورة بدون البسملة عندهم ، وزاد أبو ذر البسملة ، والرحمن آية عند الأكثرين ، وارتفاعه على أنه مبتدأ محذوف الخبر ، أو بالعكس . وقيل : الخبر علم القرآن ، وهو تمام الآية . وقال مجاهد : بحسبان كحسبان الرحى أي قال مجاهد في قوله تعالى : والشمس والقمر بحسبان كحسبان الرحى ، معناه يدوران في مثل قطب الرحى ، والحسبان قد يكون مصدر حسبت حسابا وحسبانا مثل الغفران والكفران والرجحان والنقصان والبرهان ، وقد يكون جمع حساب كالشهبان والركبان والقضبان والرهبان ، والتقدير : الشمس والقمر يجريان بحسبان ، وتعليق مجاهد رواه عبد بن حميد عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه ، ولفظ أبي يحيى عنه قال : يدوران في مثل قطب الرحى كما ذكرناه ، وعن الضحاك بعدد يجريان . وقيل : بحساب ومنازل لا يعدونها ، وكذا روي عن ابن عباس وقتادة ، وعن ابن زيد وابن كيسان بهما تحسب الأوقات والأعمار والآجال ، وعن السدي بأجل كآجال الناس ، فإذا جاء أجلهما هلكا ، وعن يمان يجريان بأجل الدنيا وقضائها وفنائها . وقال غيره : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ يريد لسان الميزان أي وقال غير مجاهد في تفسير قوله عز وجل : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ يريد لسان الميزان ، روي هكذا عن أبي الدرداء ، فإنه قال : أقيموا لسان الميزان بالقسط ، أي بالعدل ، وعن ابن عيينة الإقامة باليد والقسط بالقلب ، وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ أي لا تطففوا في المكيل والموزون . والعصف بقل الزرع إذا قطع منه شيء قبل أن يدرك فذلك العصف والريحان ورقه ، والحب الذي يؤكل منه ، والريحان في كلام العرب الرزق ، وقال بعضهم : والعصف يريد المأكول من الحب والريحان النضيج الذي لم يؤكل ، وقال غيره : العصف ورق الحنطة ، وقال الضحاك : العصف التبن ، وقال أبو مالك : العصف أول ما ينبت تسميه النبط هبورا ، وقال مجاهد : العصف ورق الحنطة والريحان الرزق . أشار بهذا إلى قوله تعالى : وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ وقال : العصف بقل الزرع إذا قطع منه شيء قبل أن يدرك ، أي الزرع ، فذلك هو العصف ، كذا نقل عن الفراء ، وعن ابن كيسان : العصف ورق كل شيء خرج منه الحب يبدو أولا ورقا ، ثم يكون سوقا ، ثم يحدث الله تعالى فيه أكماما ، ثم يحدث في الأكمام الحب ، وعن ابن عباس : ورق الزرع الأخضر إذا قطعت رؤوسه ويبس هو العصف . قوله : وَالرَّيْحَانُ ورقه ، أي ورق الحب ، وفي بعض النسخ : رزقه بالراء ثم الزاي ، ونقل الثعلبي ، عن مجاهد : الريحان الرزق ، وعن مقاتل بن حيان الريحان الرزق بلغة حمير ، وعن ابن عباس الريحان الريع ، وعن الضحاك : هو الطعام فالعصف هو التين والريحان ثمرته ، وعن الحسن وابن زيد هو ريحانكم هذا الذي تشمونه ، وعن ابن عباس : هو خضرة الزرع . قوله : والحب الذي يؤكل منه ، أي من الزرع ، قوله : وَالرَّيْحَانُ في كلام العرب الرزق بالراء والزاي ، تقول العرب : خرجنا نطلب ريحان الله ، أي رزقه . قوله : وقال بعضهم : والعصف يريد المأكول من الحب أراد بالبعض الفراء ؛ فإنه قال : العصف المأكول من الحب والريحان النضيج الذي لم يؤكل ، النضيج فعيل بمعنى المنضوج ، يقال : نضج التمر واللحم نضجا ونضجا ، أي أدرك ، فهو نضيج وناضج ، وأنضجته أنا . قوله : وقال غيره كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : وقال مجاهد : العصف ورق الحنطة ، كذا رواه ابن أبي نجيح عنه . قوله : وقال الضحاك العصف التبن كذا ذكره في تفسيره من رواية جويبر عنه . قوله : وقال أبو مالك : لا يعرف اسمه قاله أبو زرعة ، وقال غيره : اسمه غزوان وليس له في البخاري غيره ، وهو كوفي تابعي ثقة . قوله : النبط بفتح النون والباء الموحدة وبالطاء المهملة ، وهم أهل الفلاحة من الأعاجم ينزلون بالبطائح بين العراقين . قوله : هبورا بفتح الهاء وضم الباء الموحدة المخففة وسكون الواو بعدها راء ، وهو دقاق الزرع بالنبطية ، وقد قال ابن عباس في قوله تعالى : كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ هو الهبور وقول أبي مالك : رواه يحيى بن عبد الحميد ، عن ابن المبارك ، عن إسماعيل بن أبي خالد عنه ، قوله : وقال : مجاهد إلى آخره ، رواه عبد بن حميد ، عن شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد . والمارج : اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت أشار به إلى قوله تعالى : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وفسر المارج بالذي ذكره ، وكذا رواه ابن أبي حاتم بسنده عن مجاهد ، وهو من : مرج أمر القوم إذا اختلط ، وعن ابن عباس هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهب . وقيل : مِنْ مَارِجٍ من لهب صاف خالص لا دخان فيه ، والجان أبو الجن ، وعن الضحاك هو إبليس ، وعن أبي عبيدة : الجان واحد الجن . وقال بعضهم : قال مجاهد : رب المشرقين للشمس في الشتاء مشرق ومشرق في الصيف ، ورب المغربين مغربها في الشتاء والصيف أشار به إلى قوله تعالى : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ وفسره بما ذكره ، ورواه ابن المنذر عن علي بن المبارك ، حدثنا زيد ، أخبرنا ابن ثور ، عن ابن جريج ، عن مجاهد . لا يبغيان لا يختلطان أشار به إلى قوله تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ أي لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه ، وعن قتادة : لا يطغيان على الناس بالغرق ، والمراد بالبحرين بحر الروم وبحر الهند ، كذا روي عن الحسن . قال : وأنتم الحاجز بينهما ، وعن قتادة بحر فارس والروم بينهما برزخ ، وهو الجزائر ، وعن مجاهد والضحاك : يعني بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : بينهما من البعد ما لا يبغي أحدهما على صاحبه ، وتقدير قوله يلتقيان على هذا أن يلتقيا فحذف أن ، وهو شائع في كلام العرب ، ومنه قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ أي أن يريكم البرق ، وهذا يؤيد قول من قال : إن المراد بالبحرين بحر فارس وبحر الروم ؛ لأن مسافة ما بينهما ممتدة . الْمُنْشَآتُ ما رفع قلعه من السفن ، فأما ما لم يرفع قلعه فليس بمنشأة . أشار به إلى قوله تعالى : وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ وفسرها بما ذكر ، وهو قول مجاهد أيضا ، والجواري السفن الكبار جمع جارية ، والمنشآت المقبلات المبتديات اللاتي أنشأت جريهن وسيرهن . وقيل : المخلوقات المرفوعات المسخرات . وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بكسر الشين ، والباقون بفتحها قوله : قلعه بكسر القاف ، واقتصر عليه الكرماني ، وحكى ابن التين فتحها أيضا ، وهو الشراع . وقال مجاهد كَالْفَخَّارِ كما يصنع الفخار أي قال مجاهد في قوله تعالى : خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ قوله : كما يصنع على صيغة المجهول ، أي يصنع الخزف ، وهو الطين المطبوخ بالنار ، وليس المراد منه صانعه ، فافهم ، وهذا في بعض النسخ متقدم على ما قبله ، وفي بعضها متأخر عنه . النحاس الصفر يصب على رؤوسهم يعذبون به أشار به إلى قوله تعالى : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ وفسر النحاس بما ذكره ، وكذا فسره مجاهد ، وفي بعض النسخ : نحاس الصفر بدون الألف واللام ، وهو الأصوب ؛ لأنه في التلاوة ، كذا قوله : فَلا تَنْتَصِرَانِ أي فلا تمتنعان . خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ يهم بالمعصية فيذكر الله عز وجل فيتركها . أشار به إلى قوله عز وجل : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ وفسره بقوله : يهم ، أي يقصد الرجل بأن يفعل معصية أرادها ، ثم ذكر الله تعالى وعظمته ، وأنه يعاقب على المعصية ، ويثيب على تركها فيتركها ، فيدخل فيمن له جنتان ، وفي بعض النسخ : وقال مجاهد : خاف مقام ربه إلى آخره . ورواه ابن المنذر عن بكار بن قتيبة ، حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد . الشواظ لهب من نار أشار به إلى قوله تعالى : يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ وفسره بأنه لهب من نار ، وهو قول مجاهد أيضا . وقيل : هو النار المحضة بغير دخان ، وعن الضحاك هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب . مُدْهَامَّتَانِ سوداوان من الري أي من شدة الخضرة صارت سوداوان؛ لأن الخضرة إذا اشتدت شربت إلى السواد . صَلْصَالٍ خلط برمل فصلصل كما يصلصل الفخار ، ويقال : منتن يريدون به صل ، يقال : صلصال كما يقال : صر الباب عند الإغلاق ، وصرصر مثل كبكبته يعني كببته أشار به إلى قوله تعالى : خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ولم يثبت هذا في رواية أبي ذر . قوله : خَلَقَ الإِنْسَانَ أي : آدم من صلصال ، أي من طين يابس له صلصلة كالفخار ، وفسره البخاري بقوله : خلط برمل الطين إذا خلط برمل ويبس صار قويا جدا بحيث إنه إذا ضرب خرج له صوت ، وأشار إليه بقوله : فصلصل كما يصلصل الفخار ، أي الخزف ، وصلصل فعل ماض ، ويصلصل مضارع ، والمصدر صلصلة وصلصال . قوله : ويقال منتن يريدون به صل أشار به إلى أنه يقال لحم منتن يريدون به أنه صل يقال : صل اللحم يصل بالكسر صلولا ، أي : أنتن مطبوخا كان أو نيا ، وأصل مثله قوله يقال صلصال كما يقال صر الباب ، أشار به إلى أن صلصل مضاعف صل كما يقال صر الباب إذا صوت فيضاعف ، ويقال : صرصر كما ضوعف كببته فقيل : كبكبته ، وكما يقال في كبه كبكبه ، ومنه قوله تعالى : فَكُبْكِبُوا فِيهَا أصله : كبوا يقال : كبه لوجهه ، أي صرعه ، فأكب هو على وجهه ، وهذا من النوادر أن يقال : أفعلت أنا وفعل غيره . فاكهة ونخل ورمان ، وقال بعضهم : ليس الرمان والنخل بالفاكهة ، وأما العرب فإنها تعدها فاكهة ، كقوله عز وجل : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فأمرهم بالمحافظة على كل الصلوات ، ثم أعاد العصر تشديدا لها كما أعيد النخل والرمان ، ومثلها أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ ثم قال : وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وقد ذكرهم في أول قوله : مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ أشار به إلى قوله تعالى : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ أي في الجنتين اللتين ذكرهما بقوله : وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فالجنان أربعة ذكرها الله تعالى بقوله : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ثم قال : وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ أي ومن دون الجنتين الأوليين الموعودتين لمن خاف مقام ربه جنتان أخريان ، وعن ابن عباس : ومن دونهما يعني في الدرج ، وعن ابن زيد : في الفضل . قوله : وقال بعضهم قال صاحب التوضيح : يعني به أبا حنيفة ، وقال الكرماني : قيل أراد به أبا حنيفة . قلت : لا يلزم تخصيص هذا القول بأبي حنيفة وحده ؛ فإن جماعة من المفسرين ذهبوا إلى هذا القول قاله الفراء ؛ فإنهم قالوا : ليس الرمان والنخل بالفاكهة ؛ لأن النخل ثمره فاكهة وطعام ، والرمان فاكهة ودواء ، فلم يخلصا للتفكه ، ومنه قالوا : إذا حلف لا يأكل فاكهة فأكل رمانا أو رطبا لم يحنث . قوله : وأما العرب فإنها تعدها فاكهة هذا جواب البخاري عما قال بعضهم : ليس الرمان والنخل بالفاكهة ولهم أن يقولوا : نحن ما ننكر إطلاق الفاكهة عليهما ، ولكنهما غير متمحضين في التفكه ، فمن هذه الحيثية لا يدخلان في قول من حلف لا يأكل فاكهة . قوله: كقوله عز وجل إلى آخره ملخصه أنه من عطف الخاص على العام كما في قوله تعالى : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فإنه أمر بالمحافظة على الصلوات ، ثم عطف عليها قوله : وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى مع أنها داخلة في الصلوات تشديدا لها ، أي تأكيدا لها وتعظيما وتفضيلا كما أعيد النخل والرمان ، أي كما عطفا على فاكهة ، ولهم أن يقولوا لا نسلم أن فاكهة عام ؛ لأنها نكرة في سياق الإثبات ؛ فلا عموم . قوله : ومثلها ، أي ومثل فاكهة ونخل ورمان . قوله تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ إلى آخره ، ولهم أن يمنعوا المشابهة بين هذه الآية وبين الآيتين المذكورتين ؛ لأن الصلوات ومن في الأرض عامان بلا نزاع ، بخلاف لفظ فاكهة ؛ فإنها نكرة في سياق الإثبات كما ذكرنا . قوله : وقد ذكرهم ، أي كثير من الناس في ضمن : مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وقال غيره أفنان أغصان أي قال غير مجاهد وإنما قلنا كذا لأنه لم يذكر فيما قبله صريحا إلا مجاهد ، وقال : أفنان أغصان ، وذلك في قوله : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ وهو جمع فنن ، كذا روي عن ابن عباس ، وفي التفسير : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ أي ألوان فعلى هذا هو جمع فن ، وهو من قولهم : افتن فلان في حديثه إذا أخذ في فنون منه وضروب ، وعن عكرمة مولى ابن عباس : ذَوَاتَا أَفْنَانٍ قال : الأغصان على الحيطان ، وعن الضحاك : ألوان الفواكه . وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ما يجتنى قريب أشار به إلى قوله تعالى : وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ وفسره بقوله : ما يجتنى ، أي الذي يجتنى من أشجار الجنتين دان ، أي قريب يناله القائم والقاعد والمضجع ، وهذا سقط من رواية أبي ذر . وقال الحسن : فَبِأَيِّ آلاءِ نعمه ، وقال قتادة : رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ يعني الجن والإنس أي قال الحسن البصري وقتادة في قوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فالحسن فسر آلاء بالنعم ، وقتادة فسر ربكما بالجن والإنس ، والآلاء جمع ألى بالفتح والقصر ، وقد تكسر الهمزة ، وربكما خطاب للجن والإنس ، وإن لم يتقدم ذكرهم ، وإنما قال : تُكَذِّبَانِ بالتثنية على عادة العرب ، والحكمة في تكرارها أن الله تعالى عدد في هذه السورة نعماءه ، ثم أتبع ذكر كل كلمة وصفها ونعمة ذكرها بهذه الآية ، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ؛ لينبههم على النعم ويقررهم بها . وقال أبو الدرداء : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ يغفر ذنبا ويكشف كربا ويرفع قوما ويضع آخرين أي قال أبو الدرداء عويمر بن مالك في قوله تعالى : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، قال : حدثنا الوزير ابن صالح أبو روح الدمشقي قال : سمعت يونس بن ميسرة جلس يحدث عن أم الدرداء ، عن أبي الدرداء ، عن سيدنا سيد المخلوقين : محمد صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال : من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين . وقال ابن عباس : برزخ حاجز أي قال ابن عباس في قوله تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ أي حاجز بينهما ، وقيل : حائل لا يتعدى أحدهما على الآخر من قدرة الله وحكمته البالغة . الأنام الخلق أشار به إلى قوله تعالى : وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ وعن ابن عباس والشعبي : الأنام كل ذي روح . وقيل : الإنس والجن . نضاختان فياضتان أشار به إلى قوله تعالى : فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ وفسره بقوله : فياضتان . وقيل : ممتلئتان . وقيل : فوارتان بالماء لا ينقطعان ، وعن الحسن ينبعان ، ثم يجريان ، وعن سعيد بن جبير : نضاختان بالماء وألوان الفاكهة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ينضخان بالخير والبركة على أهل الجنة ، وأصل النضخ الرش ، وهو أكثر من النضح بالحاء المهملة . ذي الجلال : ذو العظمة أشار به إلى قوله تعالى : تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ أي ذو العظمة والكبرياء . قوله : وَالإِكْرَامِ أي ذو الكرم ، وهو الذي يعطي من غير مسألة ولا وسيلة . وقيل : المتجاوز الذي لا يستقصي في العتاب . وقال غيره : مَارِجٍ خالص من النار ، يقال : مرج الأمير رعيته إذا خلاهم يعدوا بعضهم على بعض ، مرج أمر الناس مريج ملتبس ، مرج اختلط البحران من مرجت دابتك تركتها أي قال غير ابن عباس في قوله تعالى : وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وهذا مكرر ؛ لأنه ذكر عن قريب ، وهو قوله : والمارج اللهب الأصفر ، ومضى الكلام فيه مستوفى . قوله : يقال : مرج الأمير رعيته إشارة إلى أن لفظ مرج يستعمل لمعان ؛ فمن ذلك قولهم مرج الأمير - وهو بفتح الراء - رعيته : إذا خلاهم يعني إذا تركهم يعدو - أي يظلم - بعضهم بعضا ، ومن ذلك مرج أمر الناس هذا بكسر الراء ، ومعناه اختلط واضطرب ، قال أبو داود : مرج أمر الدين فأعددت له ، أي فسد أمر الدين ، ومن هذا الباب : مريج في قوله تعالى : فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ، أي ملتبس ، وهذا في رواية أبي ذر وحده - أعني قوله : مريج ملتبس . قوله : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ اختلط البحران . هذا في رواية غير أبي ذر . قوله : من مرجت دابتك بفتح الراء ، ومعناه تركتها ترعى ، وكان ينبغي أن يذكر هذا عقيب قوله : مرج الأمير رعيته إذا خلاهم يعدو بعضهم على بعضهم ؛ لأنه في معناه ، ولكن في هذا الموضع تقديم وتأخير ، بحيث يقع الالتباس في التركيب ، والمعنى أيضا والظاهر أن النساخ خلطوا مفتوح الراء بمكسور الراء . سَنَفْرُغُ لَكُمْ سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء أشار به إلى قوله تعالى : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ وفسره بقوله : سنحاسبكم ، والفراغ مجاز عن الحساب ، ولا يشغل الله شيء عن شيء ، وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : هو وعيد من الله لعباده ، وليس بالله شغل . وقيل : معناه سنقصدكم بعد الإهمال ، ونأخذ في أمركم ، وعن ابن كيسان : الفراغ للفعل هو التوفر عليه دون غيره . وهو معروف في كلام العرب : لأتفرغن لك وما به شغل ، يقول : لآخذنك على غرتك أي المعنى المذكور معروف ومستعمل في كلام العرب ، يقول القائل : لأتفرغن لك من باب التفعل من الفراغ ، وفسره بقوله يقول : لآخذنك على غرتك ، أي على غفلة منك ، وقال الثعلبي في قوله : سَنَفْرُغُ لَكُمْ هذا وعيد وتهديد من الله عز وجل كقول القائل : لأتفرغن لك وما به شغل قاله ابن عباس والضحاك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله ومن دونهما جنتان · ص 216 باب قوله : ومن دونهما جنتان أي هذا باب في قوله تعالى : وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ وقد مر تفسيره عن قريب ، ولم يذكر باب قوله إلا لأبي ذر . 372 - حدثنا عبد الله بن أبي الأسود ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، حدثنا أبو عمران الجوني ، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس ، عن أبيه ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن . مطابقته للترجمة في قوله : جنتان من فضة وعبد الله بن أبي الأسود هو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود ، واسم أبي الأسود حميد بن الأسود البصري الحافظ ، وعبد العزيز بن عبد الصمد أبو عبد الصمد العمي بفتح العين المهملة وتشديد الميم البصري ، وأبو عمران عبد الملك بن حبيب الجوني بفتح الجيم وسكون الواو ، وبالنون نسبة إلى أحد الأجداد ، وأبو عمران هذا هو ولد الجون بن عوف ، وأبو بكر قيل : اسمه عمرو ، وقيل : عامر ، وقيل : اسمه كنيته ، وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري – رضي الله تعالى عنه ، قوله : جنتان مبتدأ وقوله : آنيتهما مبتدأ ثان ، وخبره قوله : من فضة مقدما ، والجملة خبر المبتدأ الأول ، ومتعلق : من فضة محذوف تقديره آنيتهما كائنة من فضة . قوله : وما فيهما عطف على قوله : آنيتهما ، قوله : وجنتان من ذهب الكلام فيه كالكلام فيما قبله ، قوله : إلا رداء الكبر هنا كناية عن العظمة ، والحديث من المتشابهات إذ لا وجه ولا رداء على ما هو المتبادر إلى الذهن من مفهومهما لغة ، والمفوضة يقولون : ما يعلم تأويله إلا الله ، والمؤولة يقولون : الوجه الذات ، والرداء كناية عن العظمة ، كما قلنا ، واستعير الرداء هنا والإزار في الحديث الآخر لاختصاصهما به ، كما أنهما ملازمان للشخص ، وقال القرطبي رحمه الله : وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة ، وإنما هي توسعات ، ووجه المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به لا يشاركه فيهما أحد عبر عن عظمة الله تعالى وكبريائه بهما ؛ لأنه لا يجوز مشاركة الله فيهما ، ألا ترى أن في آخر الحديث الذي جاء : فمن نازعني واحدا منهما قصمته ، قوله : في جنة عدن ظرف للقوم ، أو هو منصوب على الحالية : أي حال كونهم كائنين في جنة عدن ، ولا يكون من الله لاستحالة المكان والزمان عليه .