484 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَكَانَ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ ، فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي الشَّرْقِيَّةِ فَعَرَّسَ ثَمَّ حَتَّى يُصْبِحَ ، لَيْسَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ وَلَا عَلَى الْأَكَمَةِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمَسْجِدُ ، كَانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَّ يُصَلِّي ، فَدَحَا السَّيْلُ فِيهِ بِالْبَطْحَاءِ حَتَّى دَفَنَ ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي فِيهِ . قَوْلُهُ : ( تَحْتَ سَمُرَةٍ ) أَيْ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ ، وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِأُمِّ غَيْلَانَ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ ) أَيْ طَرِيقِ ذِي الْحُلَيْفَةِ . قَوْلُهُ : ( بَطْنُ وَادٍ ) أَيْ وَادِي الْعَقِيقِ . قَوْلُهُ : ( فَعَرَّسَ ) بِمُهْمَلَاتٍ وَالرَّاءُ مُشَدَّدَةٌ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : التَّعْرِيسُ نُزُولُ اسْتِرَاحَةٍ لِغَيْرِ إِقَامَةٍ ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي آخِرِ اللَّيْلِ ، وَخَصَّهُ بِذَلِكَ الْأَصْمَعِيُّ ، وَأَطْلَقَ أَبُو زَيْدٍ . قَوْلُهُ : ( عَلَى الْأَكَمَةِ ) هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ عَلَى مَا حَوْلَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ تَلٌّ مِنْ حَجَرٍ وَاحِدٍ . قَوْلُهُ : ( كَانَ ثَمَّ خَلِيجٌ ) تكَرَّرَ لَفْظُ ثَمَّ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِهَةُ ، وَالْخَلِيجُ وَادٍ لَهُ عُمْقٌ ، وَالْكُثُبُ بِضَمِّ الْكَافِ وَالْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ كَثِيبٍ ، وَهُوَ رَمْلٌ مُجْتَمِعٌ . قَوْلُهُ : ( فَدَحَا ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ دَفَعَ . وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَدَخَلَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ ، وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ قَدْ جَاءَ بِالْقَافِ وَالْجِيمِ عَلَى أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ حَرْفُ التَّحْقِيقِ ، وَالْفِعْلُ الْمَاضِي مِنَ الْمَجِيءِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 678 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 678 485 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى حَيْثُ الْمَسْجِدُ الصَّغِيرُ الَّذِي دُونَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ تُصَلِّي ، وَذَلِكَ الْمَسْجِدُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ الْيُمْنَى وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ ) هِيَ قَريةٌ جَامِعَةٌ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَهِيَ آخِرُ السَّيَّالَةِ لِلْمُتَوَجِّهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَالْمَسْجِدِ الْأَوْسَطِ هُوَ فِي الْوَادِي الْمَعْرُوفِ الْآنَ بِوَادِي بَنِي سَالِمٍ . وَفِي الْآذَانِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ بَيْنَهُمَا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا . قَوْلُهُ : ( يُعْلِمُ الْمَكَانَ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَعْلَمَ يُعْلِمُ مِنَ الْعَلَامَةِ . قَوْلُهُ : ( يَقُولُ : ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : هُوَ تَصْحِيفٌ ، وَالصَّوَابُ بِعَوَاسِجَ عَنْ يَمِينِكَ . قُلْتُ : تَوْجِيهُ الْأَوَّلِ ظَاهِرٌ ، وَمَا ذَكَرَهُ إِنْ ثَبَتَتْ بِهِ رِوَايَةٌ فَهُوَ أَوْلَى ، وَقَدْ وَقَعَ التَّوَقُّفُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قَدِيمًا فَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِلَفْظِ : يُعْلِمُ الْمَكَانَ الَّذِي صَلَّى قَالَ فِيهِ هُنَا لَفْظَةً لَمْ أَضْبِطْهَا عَنْ يَمِينِكَ الْحَدِيثَ .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 679 486 - وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْعِرْقِ الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ ، وَذَلِكَ الْعِرْقُ انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ دُونَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْصَرَفِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ ، وَقَدْ ابْتُنِيَ ثَمَّ مَسْجِدٌ فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ ، كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ وَيُصَلِّي أَمَامَهُ إِلَى الْعِرْقِ نَفْسِهِ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنْ الرَّوْحَاءِ فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْمَكَانَ فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ . قَوْلُهُ : ( يُصَلِّي إِلَى الْعِرْقِ ) أَيْ : عِرْقِ الظَّبْيَةِ ، وَهُوَ وَادٍ مَعْرُوفٌ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٌ الْبَكْرِيُّ . ( وَمُنْصَرَفَ الرَّوْحَاءِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ ، أَيْ آخِرَهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَدِ ابْتُنِيَ ) بِضَمٍّ الْمُثَنَّاةِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 679 487 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَوِجَاهَ الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ وَقَدْ انْكَسَرَ أَعْلَاهَا فَانْثَنَى فِي جَوْفِهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٌ . قَوْلُهُ : ( سَرْحَةٌ ضَخْمَةٌ ) أَيْ : شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَ ( الرُّوَيْثَةُ ) بِالرَّاءِ وَالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرٌ : قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَبْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا . ( وَوِجَاهَ الطَّرِيقِ ) بِكَسْرِ الْوَاوِ ، أَيْ : مُقَابِلَهُ . قَوْلُهُ : ( بَطْحٌ ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَبِكَسْرِهَا أَيْضًا ، أَيْ : وَاسِعٌ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى يُفْضِيَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَموِيِّ حِينَ يُفْضِي . قَوْلُهُ : ( دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ ) أَيْ : بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكَانِ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الْبَرِيدُ بِالرُّوَيْثَةِ مِيلَانِ ، قِيلَ : الْمُرَادُ بِالْبَرِيدِ سِكَّةُ الطَّرِيقِ . قَوْلُهُ : ( فَانْثَنَى ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 679 488 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ مِنْ وَرَاءِ الْعَرْجِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْقُبُورِ رَضَمٌ مِنْ حِجَارَةٍ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ سَلَمَاتِ الطَّرِيقِ ، بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلَمَاتِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنْ الْعَرْجِ بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالْهَاجِرَةِ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ : ( تَلْعَةٌ ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ، وَهِيَ مَسِيلُ الْمَاءِ مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ وَلِمَا انْهَبَطَ ، وَ ( الْعَرْجُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا جِيمٌ : قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرُّوَيْثَةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَوْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِيلًا ، وَ ( الْهَضْبَةُ ) بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فَوْقَ الْكَثِيبِ فِي الِارْتِفَاعِ وَدُونَ الْجَبَلِ ، وَقِيلَ : الْجَبَلُ الْمُنْبَسِطُ عَلَى الْأَرْضِ ، وَقِيلَ : الْأَكَمَةُ الْمَلْسَاءُ ، وَ الرَّضْمُ الْحِجَارَةُ الْكِبَارُ ، وَاحِدُهَا رَضْمَةٌ بِسُكُونِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ فِي الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ بِالتَّحْرِيكِ . قَوْلُهُ : ( عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَّرِيقِ ) أَيْ : مَا يَتَفَرَّعُ عَنْ جَوَانِبِهِ ، وَالسَّلِمَاتُ بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَقِيلَ : هِيَ بِالْكَسْرِ الصَّخْرَاتُ ، وَبِالْفَتْحِ الشَّجَرَاتُ ، وَ السَّرَحَاتُ بِالتَّحْرِيكِ جُمَعُ سَرْحَةٍ ، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الضَّخْمَةُ كَمَا تَقَدَّمَ .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 679 489 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى ، ذَلِكَ الْمَسِيلُ لَاصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ إِلَى الطَّرِيقِ وَهِيَ أَطْوَلُهُنَّ . قَوْلُهُ : ( فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى ) الْمَسِيلُ : الْمَكَانُ الْمُنْحَدِرُ ، وَهَرْشَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ مَقْصُورٌ ، قَالَ الْبَكْرِيُّ : هُوَ جَبَلٌ عَلَى مُلْتَقَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ قَرِيبٌ مِنَ الْجُحْفَةِ ، وَكَرَاعُ هَرْشَى طَرَفُهَا ، وَ الْغَلْوَةُ بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ غَايَةُ بُلُوغِ السَّهْمِ ، وَقِيلَ : قَدْرُ ثُلْثَيْ مِيلٍ .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 679 490 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ فِي الْمَسِيلِ الَّذِي فِي أَدْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنْ الصَّفْرَاوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ الْمَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلَّا رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ . قَوْلُهُ : ( مَرِّ الظَّهْرَانِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْهَاءِ : هُوَ الْوَادِي الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ بَطْنَ مَرْوَ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ بَعْدَهَا وَاوٌ . قَالَ الْبَكْرِيُّ : بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ سِتَّةَ عَشَرَ مِيلًا ، وَقَالَ أَبُو غَسَّانَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ فِي بَطْنِ الْوَادِي كِتَابَةً بِعِرْقٍ مِنَ الْأَرْضِ أَبْيَضَ هِجَاءً م ر ا الْمِيمُ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الرَّاءِ ، وَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَرَارَةِ مَائِهِ . قَوْلُهُ : ( قِبَلَ الْمَدِينَةِ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَبِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ : مُقَابِلَهَا . و ( الصَّفْرَاوَاتُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمِلَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ جَمْعُ صَفْرَاءَ ، وَهُوَ مَكَانٌ بَعْدَ مَرِّ الظَّهْرَانِ .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 679 491 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى وَيَبِيتُ حَتَّى يُصْبِحَ يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ . قَوْلُهُ : ( يَنْزِلُ بِذِي طُوًى ) بِضَمِّ الطَّاءِ لِلْأَكْثَرِ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ ، وَالْمُسْتَمْلِي : بِذِي الطُّوَى بِزِيَادَةِ أَلِفٍ وَلَامٍ ، قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيُّ بِالْكَسْرِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْفَتْحَ أَيْضًا .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْمَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَالْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 680 492 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيْ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ ، فَجَعَلَ الْمَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ الْمَسْجِدِ بِطَرَفِ الْأَكَمَةِ وَمُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الْأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ تَدَعُ مِنْ الْأَكَمَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا ، ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الْفُرْضَتَيْنِ مِنْ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ . قَوْلُهُ : ( اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ ) الْفُرْضَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا ضَادٌ مُعْجَمَةٌ : مَدْخَلُ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَبَلِ ، وَقِيلَ : الشَّقُّ الْمُرْتَفِعُ كَالشُّرَافَةِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَدْخَلِ النَّهْرِ . ( تَنْبِيهَاتٌ ) : الْأَوَّلُ : اشْتَمَلَ هَذَا السِّيَاقُ عَلَى تِسْعَةِ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مَسْنَدِهِ مُفَرَّقَةً مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ يُعِيدُ الْإِسْنَادَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثَّالِثَ . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْهَا الْحَدِيثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ . الثَّانِي : هَذِهِ الْمَسَاجِدُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ مِنْهَا غَيْرُ مَسْجِدَيْ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي بِالرَّوْحَاءِ يَعْرِفُهَا أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ لَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةُ بَسْطٍ فِي صِفَةِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ . وَفِي التِّرْمِذِيَّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي وَادِي الرَّوْحَاءِ ، وَقَالَ : لَقَدْ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ سَبْعُونَ نَبِيًّا . الثَّالِثُ : عُرِفَ مِنْ صَنِيعِ ابْنِ عُمَرَ اسْتِحْبَابُ تَتَبُّعِ آثَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالتَّبَرُّكِ بِهَا ، وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ : إِنَّ الْمَسَاجِدَ الَّتِي ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِيهَا لَوْ نَذَرَ أَحَدٌ الصَّلَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا تَعَيَّنَ كَمَا تَتَعَيَّنُ الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ . الرَّابِعُ : ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الْمَسَاجِدَ الَّتِي فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَسَاجِدَ الَّتِي كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ لَهُ إِسْنَادٌ فِي ذَلِكَ عَلَى شَرْطِهِ . وَقَدْ ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ الْمَسَاجِدَ وَالْأَمَاكِنَ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ مُسْتَوْعِبًا ، وَرَوَى عَنْ أَبِي غَسَّانَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ بِالْمَدِينَةِ وَنَوَاحِيهَا مَبْنِيٌّ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ الْمُطَابَقَةِ ، فَقَدْ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ سَأَلَ النَّاسَ - وَهُمْ يَوْمَئِذٍ مُتَوَافِرُونَ - عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ بَنَاهَا بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ الْمُطَابَقَةِ ا هـ . وَقَدْ عَيَّنَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ مِنْهَا شَيْئًا كَثِيرًا ، لَكِنَّ أَكْثَرَهُ فِي هَذَا الْوَقْتِ قَدِ انْدَثَرَ ، وَبَقِيَ مِنَ الْمَشْهُورَةِ الْآنَ مَسْجِدُ قُبَاءٍ ، وَمَسْجِدُ الْفَضِيخِ وَهُوَ شَرْقِيَّ مَسْجِدِ قُبَاءٍ ، وَمَسْجِدُ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَمَشْرَبَةُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ وَهِيَ شَمَالَيَّ مَسْجِدِ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَمَسْجِدُ بَنِي ظَفَرٍ شَرْقِيَّ الْبَقِيعِ ، وَيُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الْبَغْلَةِ ، وَمَسْجِدُ بَنِي مُعَاوِيَةَ ، وَيُعْرَفُ بِمَسْجِدِ الْإِجَابَةِ ، وَمَسْجِدُ الْفَتْحِ قَرِيبٌ مِنْ جَبَلِ سَلْعٍ ، وَمَسْجِدُ الْقِبْلَتَيْنِ فِي بَنِي سَلَمَةَ ، هَكَذَا أَثْبَتَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا ، وَفَائِدَةُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ عَنِ الْبَغَوِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 593 الحديث الثاني : هو حديث طويل ، فنذكره قطعا قطعا ، ونشرح كل قطعة منه بانفرادها : قال البخاري - رحمه الله - : 484 - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي : ثنا أنس بن عياض : ثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله بن عمر أخبره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة ، وكان إذا رجع من غزوة ، وكان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط بطن واد ، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية ، فعرس ثم حتى يصبح ، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد ، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي ، فدحا فيه السيل بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، وهي ميقات أهل المدينة ، وتسمى - أيضا - : الشجرة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل بها حين يعتمر وحين حج حجة الوداع ، وقد اعتمر منها مرتين : عمرة الحديبية ، وعمرة القضية . وقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بها تحت سمرة في موضع المسجد الذي بني بها ، وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذ مبنيا ، إنما بني بعد ذلك في مكان منزل النبي صلى الله عليه وسلم منها ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرم منها ، وكان يصلي بها في موضع المسجد . وقد روي أنه صلى في المسجد ، ولعل المراد في بقعته وأرضه ، قبل أن يجعل مسجدا ، حتى يجمع بذلك بين الحديثين . وقد خرج البخاري في الحج عن إبراهيم بن المنذر - أيضا - عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة . وخرج مسلم من حديث الزهري ، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بذي الحليفة مبدأه ، وصلى في مسجدها . ومن حديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يركع بذي الحليفة ركعتين ، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل . وفي الصحيحين من حديث مالك ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد - يعني : مسجد ذي الحليفة . وفي رواية لمسلم من رواية حاتم بن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة : إلا من عند الشجرة . وخرج البخاري - أيضا - في الحج من حديث عمر بن الخطاب ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول : أتاني الليلة آت من ربي عز وجل ، فقال : صل في هذا الوادي المبارك ؛ وقل : عمرة في حجة . ووادي العقيق متصل بذي الحليفة . فهذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في سفره إلى مكة . فأما حاله في رجوعه إلى المدينة إذا رجع على ذي الحليفة من حج أو عمرة ، أو من غزاة في تلك الجهة ، فإنه كان يهبط بطن واد هنالك ، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية ، فيعرس هناك حتى يصبح . قال الخطابي : التعريس : نزول استراحة بغير إقامة ، وفي الأكثر يكون آخر الليل ، ينزلون فينامون نومة خفيفة ، ثم يرتحلون . قال : والبطحاء : حجارة ورمل . قلت : المراد بالتعريس هنا : نومه حتى يصبح . وقد خرج البخاري في الحج عن إبراهيم بن المنذر ، عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي ، وبات حتى يصبح . وخرج فيه - أيضا - من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها ، وكان عبد الله يفعل ذلك . ومن طريق موسى بن عقبة ، قال : حدثني سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رئي وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي ، قيل له : إنك ببطحاء مباركة . وقد أناخ بنا سالم يتوخى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ يتحرى معرس النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي ، بينه وبين الطريق وسط من ذلك . وقد خرجه مسلم مع حديث مالك الذي قبله ، وخرج حديث أنس بن عياض بلفظ آخر . فظهر من هذه الأحاديث كلها : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت بالمعرس ، وهو ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبح ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هناك ، وأنه كان هناك مسجد قد بني ولم يكن في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل كان قريبًا منه . وفي حديث سالم : أن المسجد كان ببطن الوادي ، وفي حديث موسى بن عقبة عن نافع - الطويل الذي خرجه البخاري هنا - أنه كان مبنيا بحجارة على أكمة ، وفي حديثه : أنه كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده ، في بطنه كثب ، كان النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي . قال الخطابي : الخليج : واد له عمق ، ينشق من آخر أعظم منه . والكثب : جمع كثيب ، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض . وقوله : فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه . قال الخطابي : معنى دحا السيل : سواه بما حمل من البطحاء . والبطحاء : حجارة ورمل . وهذه الصلاة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في هذا الموضع قد جاء في رواية أنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح . وقد خرجه الإمام أحمد عن موسى بن قرة ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرس بها حتى يصلي صلاة الصبح . قال ابن عبد البر في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل : هذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث هي المعروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس . قال مالك في الموطأ : لا ينبغي لأحد أن يتجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي فيه ، وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له ؛ لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس به ، وأن ابن عمر أناخ به . قال ابن عبد البر : واستحبه الشافعي ، ولم يأمر به . وقال أبو حنيفة : من مر بالمعرس من ذي الحليفة فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل ، وليس ذلك عليه . وقال محمد بن الحسن : هو عندنا من المنازل التي نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق مكة ، وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره ، فلذلك كان ينزل بالمعرس ، لا أنه كان يراه واجبًا ولا سنة على الناس . قال : ولو كان واجبًا أو سنة من سنن الحج لكان سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقفون وينزلون ويصلون ، ولم يكن ابن عمر ينفرد بذلك دونهم . وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : ليس نزوله صلى الله عليه وسلم بالمعرس كسائر نزوله بطريق مكة ؛ لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه ، والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة . قال : ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه . وذكر حديث موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه ، فقال له : ما حبسك ؟ فذكر عذرًا ، قال : ما ظننت أنك أخذت الطريق ولو فعلت لأوجعتك ضربًا . انتهى . وفي قوله : إنه صلى بالمعرس نافلة نظر ، وقد قدمنا أنه إنما صلى به الصبح لما أصبح . وظاهر كلام أحمد : استحباب الصلاة بالمعرس ، فإنه قال في رواية صالح : كان ابن عمر لا يمر بموضع صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا صلى فيه ، حتى إنه صب الماء في أصل شجرة ، فكان ابن عمر يصب الماء في أصلها . وإنما أخرج أحمد ذلك مخرج الاحتجاج به ؛ فإنه في أول هذه الرواية استحب ما كان ابن عمر يفعله من مسح منبر النبي صلى الله عليه وسلم ومقعده منه . وقد تبين بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق ويرجع في غيره ، كما كان يفعل ذلك في العيدين ، وكما كان يدخل مكة من أعلاها ويخرج من أسفلها . وقد خرج البخاري في الحج من حديث ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس . وخرجه مسلم - أيضا . وهذا يدل على أن موضع الشجرة - وهو مسجد ذي الحليفة - غير طريق المعرس ، والذي كان يرجع منه . وخرج البزار نحوه من حديث أبي هريرة . ثم رجعنا إلى بقية حديث موسى بن عقبة عن نافع الذي خرجه البخاري هاهنا .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 599 485 - وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء ، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي ، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى ، وأنت ذاهب إلى مكة ، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر ، أو نحو ذلك هذا هو المسجد الذي اختلف فيه سالم ونافع ، كما ذكرناه في شرح الحديث الأول . وهذا الحديث : يدل على أن بالروحاء مسجدين : كبير وصغير ، فالكبير بشرف الروحاء ، ولم يصل النبي صلى الله عليه وسلم عنده ، إنما صلى موضع الصغير عن يمين ذلك المسجد ، وأن بين المسجدين رمية بحجر . ثم رجعنا إلى بقية الحديث .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 599 486 - وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق الذي عند منصرف الروحاء ، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق ، دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف ، وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتني ثم مسجد ، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد ، كان يتركه عن يساره ووراءه ويصلي أمامه إلى العرق نفسه ، وكان عبد الله يروح من الروحاء فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان ، فيصلي فيه الظهر ، وإذا أقبل من مكة فإن مر به قبل الصبح بساعة أو من آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح قال الخطابي : العرق : جبيل صغير . ومنصرف الروحاء : المنصرف - بفتح الراء - ويقال : إن بينه وبين بدر أربعة برد ، والمسجد المبني هناك ، قيل : إنه في آخر وادي الروحاء مع طرف الجبل على يسار الذاهب إلى مكة . وقيل : إنه لم يبق منه منذ زمان إلا آثار يسيرة ، وأنه كان يعرف حينئذ بمسجد الغزالة . وذكروا : أن عن يمين الطريق لمن كان بهذا المسجد وهو مستقبل النازية موضع كان ابن عمر ينزل فيه ، ويقول : هذا منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان ثم شجرة ، كان ابن عمر إذا نزل وتوضأ صب فضل وضوئه في أصلها ، ويقول : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل . والنازية : قال صاحب معجم البلدان : - بالزاي وتخفيف الياء - : عين على طريق الآخذ من مكة إلى المدينة قرب الصفراء ، وهي إلى المدينة أقرب . ولم يصرح ابن عمر في صلاته إلى هذا العرق بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليه ، ولكن محافظته على الصلاة في هذا المكان ذاهبا وراجعا وتعريسه به حتى يصلي به الصبح يدل على أنه إنما فعل ذلك اقتداء بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فيه . ثم رجعنا إلى بقية الحديث .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 601 487 - وأن عبد الله حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ، ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها ، وهي قائمة على ساق ، وفي ساقها كثب كثيرة السرحة : شجرة ، وتجمع على سرح كتمرة وتمر ، وهو ضرب من الشجر له ثمر ، وقيل : هي شجرة بيضاء . وقيل : كل شجرة طويلة سرحة . وقال إبراهيم الحربي : السرح شجر كبار طوال لا ترعى ، يستظل به ، لا ينبت في رمل أبدا ، ولا في جبل ، ولا تأكله الماشية إلا قليلا ، له غصن أصفر . وقد وصفها بأنها ضخمة - أي : عظيمة - وأنه انكسر أعلاها فانثنى في جوفها ، وأنها قائمة على ساق ، وفي ساقها كثب كثيرة . وقد سبق أن الكثب جمع كثيب ، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض . والبطح : الواسع . والرويثة مكان معروف بين مكة والمدينة . وأما مكان هذه السرحة ، فلا يعرف منذ زمان ، وقد ذكر ذلك بعض من صنف في أخبار المدينة بعد السبعمائة ، وذكر أنه لا يعرف في يومه ذاك من هذه المساجد المذكورة في هذا الحديث سوى مسجد الروحاء ومسجد الغزالة ، وذكر معهما مسجدا ثالثا ، وزعم أنه معروف - أيضا - بالروحاء ، عند عرق الظبية ، عند جبل ورقان ، وذكر فيه حديثا رواه الزبير بن بكار بإسناد ضعيف جدا ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد صلى في هذا المسجد قبلي سبعون نبيا . وهذا لا يثبت ، ولعله أحد المسجدين بالروحاء ، وقد تقدم ذكرهما . ثم رجعنا إلى بقية الحديث :
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 602 488 - وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في طرف تلعة من وراء العرج كبيرة ، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة ، على القبور رضم من حجارة ، عن يمين الطريق عند سلمات الطريق ، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة ، فيصلي الظهر في ذلك المسجد وفي رواية الإمام أحمد لهذا الحديث زيادة في هذا بعد قوله : وأنت ذاهب على رأس خمسة أميال من العرج فِي مسجد إلى هضبة - وذكر باقيه . والتلعة : المكان المرتفع من الأرض . قال الخطابي : التلعة مسيل الماء من فوق لأسفل . قال : والهضبة فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل . والرضم : حجارة كبار واحدتها رضمة . والسلمات : جمع سلمة ، وهي شجرة ورقها القرظ الذي يدبغ به الأدم . وقيل : السلم يشبه القرظ وليس به . انتهى ما ذكره . وحكى غيره أن الهضبة كل جبل خلق من صخرة واحدة وكل صخرة رأسية تسمى هضبة ، وجمعها هضاب - : قاله الخليل . وقال الأصمعي : الهضبة : الجبل المنبسط على الأرض . والسلمات - بالفتح - : شجر ، والسلمات بالكسر - : حجارة . والرضم والرضام : دون الهضاب - : قاله أبو عمرو . والواحدة منها رضمة . والعرج : مكان معروف بين مكة والمدينة ؛ يقال : إنه عقبة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 602 رجعنا إلى بقية الحديث : 489 – وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق ، في مسيل دون هرشى ، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى ، بينه وبين الطريق قريب من غلوة ، وكان عبد الله بن عمر يصلي إلى سرحة هي أقرب السرحات إلى الطريق ، وهي أطولهن قال الخطابي : هرشى : ثنية معروفة ، وكراعها : ما يمتد منها دون سفحها . وقال غيره : الغلوة - بفتح الغين المعجمة - : قدر رمية بعيدة بسهم أو حجر . وعند الإمام أحمد في حديث ابن عمر هذا ، في هذا الموضع زيادة : غلوة سهم . وقال صاحب معجم البلدان هرشى : ثنية في طريق مكة ، قريبة من الجحفة ، يرى منها البحر ولها طريقان ، فكل من سلك واحدا منهما أفضى به إلى موضع واحد . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق ، فقال : أي واد هذا ؟ قالوا : وادي الأزرق . قال : كأني أنظر إلى موسى هابطا من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية ، ثم أتى على ثنية هرشى ، فقال : أي ثنية هذا ؟ قالوا : ثنية هرشى . قال : كأني أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة ، عليه جبة من صوف ، خطام ناقته خلبة ، وهو يلبي . قال هشيم : يعني : ليفا .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 603 رجعنا إلى بقية الحديث : 490 – وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ، ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق ، وأنت ذاهب إلى مكة ، ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الطريق إلا رمية بحجر مر الظهران : معروف قريب من مكة ويسمى بطن مر . والصفراوات : موضع قريب منه بينه وبين عسفان .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 604 رجعنا إلى بقية الحديث : 491 – وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى ، ويبيت حتى يصبح ، يصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة ، ليس في المسجد الذي بني ثم ، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة هذه القطعة من هذا الحديث خرجها مسلم في صحيحه عن محمد بن إسحاق المسيبي ، عن أبي ضمرة أنس بن عياض ، بإسناد البخاري . وذو طوى : يروى بضم الطاء وكسرها وفتحها ، وهو واد معروف بمكة بين الثنيتين ، وتسمى إحداهما : ثنية المدنيين ، تشرف على مقبرة مكة ، وثنية تهبط على جبل يسمى : الحصحاص ، بحاء مهملة وصادين مهملين . وكان بذي طوى مسجد بني بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه ، وإنما صلى أسفل منه على أكمة غليظة . وذكر الأزرقي في أخبار مكة أن المسجد بنته زبيدة . وخرج من طريق مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن موسى بن عقبة ، أن نافعا حدثه ، أن ابن عمر أخبره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى حين يعتمر وفي حجته حين حج ، تحت سمرة في موضع المسجد . قال ابن جريج : وحدثني نافع ، أن ابن عمر حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل ذا طوى فيبيت به حتى يصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة الذي بالمسجد الذي بني ثم ، ولكنه أسفل من الجبل الطويل الذي قبل الكعبة ، تجعل المسجد الذي بني يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء ، تدع من الأكمة عشرة أذرع ونحوها بيمين ، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الطويل الذي بينه وبين الكعبة . كذا ذكره الأزرقي . ومسلم بن خالد ، لم يكن بالحافظ . وهذا إنما يعرف عن موسى بن عقبة عن نافع ، فجعله عن ابن جريج ، عنه .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي · ص 605 وبقي من الحديث الذي خرجه البخاري : 492 – وأن عبد الله بن عمر حدثه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة ، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء ، تدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها ، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة وهذه القطعة خرجها - أيضا - مسلم عن المسيبي ، عن أبي ضمرة ، وأعاد إسنادها بعد تخريج القطعة التي قبلها . وهذا كله يوهم أن هذه صفة موضع آخر صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم قبل دخوله مكة ، وليس كذلك ، وإنما هو من تمام صفة موضع صلاته بذي طوى ، كما ساقه الأزرقي في روايته . والظاهر : أنه كان هناك مسجدان مبنيان بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يعرف منهما اليوم شيء . وفرضة الجبل - بضم الفاء - مدخل الطريق إليه ؛ وأصله مأخوذ من الفرض وهو القطع غير البليغ - : قاله الخطابي . وفي مبيت النبي صلى الله عليه وسلم بذي طوى ، وصلاته الصبح في هذا المكان : دليل على أن من كان قادرا على الدخول إلى مكة معاينة الكعبة فله أن يصلي خارجا منها بغير معاينة ، وأن من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل أصليٌّ كالجبل فله أن يصلي بالاجتهاد إلى الكعبة ، ولا يلزمه أن يعلو فوق الجبال حتى يشهد الكعبة ؛ لما في ذلك من الحرج والمشقة . وهذا قول أصحابنا والشافعية ، ولا نعلم فيه خلافا . وهذا آخر أبواب المساجد ، وبعدها أبواب السترة ، وما يصلى إليه ، والمرور بين يدي المصلي ، ونحو ذلك .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب المساجد التي على طرق المدينة · ص 270 141 - حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا أنس بن عياض ، قال : حدثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر ، وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة ، وكان إذا رجع من غزو كان في تلك الطريق ، أو في حج ، أو عمرة هبط من بطن واد ، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية فعرس ثم حتى يصبح ليس عند المسجد الذي بحجارة ، ولا على الأكمة التي عليها المسجد ، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده ، في بطنه كثب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي ، فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه ، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى حيث المسجد الصغير الذي دون المسجد الذي بشرف الروحاء ، وقد كان عبد الله يعلم المكان الذي كان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ثم عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي ، وذلك المسجد على حافة الطريق اليمنى وأنت ذاهب إلى مكة ، بينه وبين المسجد الأكبر رمية بحجر ، أو نحو ذلك ، وأن ابن عمر كان يصلي إلى العرق عند منصرف الروحاء ، وذلك العرق انتهاء طرفه على حافة الطريق دون المسجد الذي بينه وبين المنصرف ، وأنت ذاهب إلى مكة ، وقد ابتني ثم مسجد ، فلم يكن عبد الله يصلي في ذلك المسجد ، كان يتركه عن يساره ، ووراءه ، ويصلي أمامه إلى العرق نفسه ، وكان عبد الله يروح من الروحاء ، فلا يصلي الظهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلي فيه الظهر ، وإذا أقبل من مكة ، فإن مر به قبل الصبح بساعة ، أو من آخر السحر عرس حتى يصلي بها الصبح ، وأن عبد الله حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطريق ، ووجاه الطريق في مكان بطح سهل حتى يفضي من أكمة دوين بريد الرويثة بميلين ، وقد انكسر أعلاها فانثنى في جوفها ، وهي قائمة على ساق ، وفي ساقها كثب كثيرة ، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في طرف تلعة من وراء العرج ، وأنت ذاهب إلى هضبة عند ذلك المسجد قبران ، أو ثلاثة على القبور رضم من حجارة عن يمين الطريق عند سلمات الطريق ، بين أولئك السلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشمس بالهاجرة فيصلي الظهر في ذلك المسجد ، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عند سرحات عن يسار الطريق في مسيل دون هرشى ، ذلك المسيل لاصق بكراع هرشى ، بينه وبين الطريق قريب من غلوة ، وكان عبد الله يصلي إلى سرحة هي أقرب السرحات إلى الطريق ، وهي أطولهن ، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل في المسيل الذي في أدنى مر الظهران قبل المدينة حين يهبط من الصفراوات ينزل في بطن ذلك المسيل عن يسار الطريق وأنت ذاهب إلى مكة ، ليس بين منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين الطريق إلا رمية بحجر ، وأن عبد الله بن عمر حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي طوى ، ويبيت حتى يصبح ، يصلي الصبح حين يقدم مكة ، ومصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة ليس في المسجد الذي بني ثم ، ولكن أسفل من ذلك على أكمة غليظة ، وأن عبد الله حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل فرضتي الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة ، فجعل المسجد الذي بني ثم يسار المسجد بطرف الأكمة ، ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم أسفل منه على الأكمة السوداء ، تدع من الأكمة عشرة أذرع ، أو نحوها ، ثم تصلي مستقبل الفرضتين من الجبل الذي بينك وبين الكعبة . مطابقته للترجمة ظاهرة في الفصلين . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ، الأول : إبراهيم بن المنذر ، بكسر الذال المعجمة ، الحزامي ، نسبة إلى أجداده ، بيانه إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد الصمد بن قصي المديني ، توفي سنة ست وثلاثين ومائتين . الثاني : أنس بن عياض المدني ، مات سنة ثمانين ومائة . الثالث : موسى بن عقبة ، تقدم في هذا الباب . الرابع : نافع ، وقد تقدم . الخامس : عبد الله بن عمر بن الخطاب . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في مواضع واحد ، وفيه الإخبار بصيغة الماضي المفرد ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه أن رواته مدنيون . ( ذكر معناه وإعرابه ) . قوله : ( بذي الحليفة ) بضم الحاء المهملة ، وفتح اللام ، وهو الميقات المشهور لأهل المدينة ، وهو من المدينة على أربعة أميال ، ومن مكة على مائتي ميل غير ميلين ، وقال الكرماني في ( مناسكه ) بينها وبين المدينة ميل ، أو ميلان ، والميل ثلث فرسخ ، وهو أربعة آلاف ذراع ، ومنها إلى مكة عشر مراحل ، وقال ابن التين : هي أبعد المواقيت من مكة تعظيما لإحرام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : ( حين يعتمر ، وفي حجته حين حج ) إنما قال في العمرة بلفظ المضارع ، وفي الحج بلفظ الماضي ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يحج إلا مرة ، وتكررت منه العمرة ، وقال الكرماني : والفعل المضارع قد يفيد الاستمرار ، ( قلت ) : الماضي أقوى في إفادة الاستمرار من المضارع ؛ لأن الماضي قد مضى واستقر بخلاف المضارع . قوله : ( تحت سمرة ) بضم الميم ، وهو شجر الطلح ، وهو العظيم من الأشجار التي لها شوك ، وهي في ألسن الناس تعرف بأم غيلان . قوله : ( وكان في تلك الطريق ) ، أي : طريق ذي الحليفة . وقوله : ( وكان ) جملة حالية ، ويروى كان بدون الواو ، وهي صفة للغزو ، ويروى من غزوة بالتأنيث ، ( فإن قلت ) : على هذا ما وجه التذكير في كان ، ( قلت ) : باعتبار السفر ، ويجوز أن يرجع الضمير فيه إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : لم ما أخر لفظ كان في تلك الطريق عن الحج ، والعمرة ، ( قلت ) : لأنهما لم يكونا إلا من تلك . قوله : ( بالبطحاء ) قال في ( المحكم ) بطحاء الوادي تراب لين مما جرته السيول ، والجمع بطحاوات وبطاح ، فإن اتسع وعرض ، فهو الأبطح ، والجمع الأباطح ، وقال أبو حنيفة : الأبطح لا ينبت شيئا ، إنما هو بطن السيل ، وفي ( الجامع ) للقزاز : الأبطح ، والبطحاء ، والبطاح : الرمل المنبسط على وجه الأرض ، وفي ( الواعي ) البطحاء حصى ورمل ينقل من مسيل الماء ، وقال نضر بن شميل : بطحاء الوادي وأبطحه حصاؤه اللين ، وقال أبو سليمان : هي حجارة ورمل ، وقال الداودي : البطحاء كل أرض منحدرة ، وفي ( الكفاية ) الأبطح ، والبطحاء منعطف الوادي ، وفي ( المنتهى ) الأبطح مسيل واسع فيها دقاق الحصى ، والجمع الأباطح ، وكذا البطحاء ، وفي ( الصحاح ) البطاح على غير قياس ، والبطيحة مثل الأبطح . قوله : ( شفير الوادي ) بفتح الشين الحرف ، أي : الطرف ، وقال ابن سيده : شفير الوادي وشفره ناحيته من أعلاه . قوله : ( الشرقية ) صفة البطحاء . قوله : ( فعرس ) بالتشديد ، وقال الأصمعي : عرس المسافرون تعريسا إذا نزلوا نزلة في وجه السحر ، وأناخوا إبلهم فروحوها ساعة حتى ترجع إليها أنفسها ، وعن أبي زيد : عرس القوم تعريسا في المنزل حيث نزلوا بأي حين كان من ليل ونهار ، وفي ( المحكم ) المعرس الذي يسير نهاره ويعرس ، أي : ينزل أول الليل ، وفي ( الصحاح ) أعرسوا لغة فيه قليلة ، والموضع معرس ومعرس ، وفي ( الغريبين ) التعريس نومة المسافر بعد إدلاج الليل ، وفي ( المغيث ) عرس ، أي : نزل للنوم ، والاستراحة ، والتعريس النزول لغير إقامة . قوله : ( ثم ) بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم ، أي : هناك . قوله : ( حتى يصبح ) بضم الياء ، أي : يدخل في الصباح ، وهي تامة لا تحتاج إلى الخبر . قوله : ( الأكمة ) بفتح الهمزة ، والكاف ، قال ابن سيده : هي التل من القف من حجارة واحدة ، وقيل : هو دون الجبال ، وقيل : هو الموضع الذي قد اشتد ارتفاعه مما حوله ، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا ، والجمع أكم ، وأكم ، وأكام ، وآكام ، وآكم كأفلس ، الأخيرة عن ابن جني ، وفي ( الواعي ) لأبي محمد : الآكام دون الضراب ، وفي ( الصحاح ) والجمع أكمات ، وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق . قوله : ( خليج ) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام ، قال في ( المنتهى ) هو شرم من البحر اختلج منه ، والخليج النهر العظيم ، والجمع خلجان ، وربما قيل للنهر الصغير يختلج من النهر الكبير : خليج ، وفي ( المحكم ) الخليج ما انقطع من معظم الماء ؛ لأنه يختلج منه ، وقد اختلج ، وقيل : الخليج شعبة تتشعب من الوادي تغير بعض مائه إلى مكان آخر ، والجمع خلج وخلجان ، وفي كتاب ابن التين : الخليج واد عميق ينشق من آخر أعظم منه ، وفي ( كتاب الأماكن ) للزمخشري : جبل خليج : أحد جبال مكة ، شرفها الله . قوله ( يصلي عبد الله ) ، أي : عبد الله ابن عمر . قوله : ( كثب ) بضم الكاف ، وضم الثاء المثلثة ، جمع كثيب ، قال أبو المعالي : وهو رمل اجتمع ، وكل ما اجتمع من شيء وانهار فقد انكثب فيه ، ومنه اشتق الكثيب من الرمل في معنى مكثوب ؛ لأنه انصب في مكان واجتمع فيه ، والجمع كثبان ، وهي تلال من رمل ، وفي ( المحكم ) : الكثيب من الرمل القطعة تبقى محدودبة ، وقيل : هو ما اجتمع واحدودب ، والجمع أكثبة وكثب ، وفي ( الجامع ) للقزاز : إنما سمي كثيبا ؛ لأن ترابه دقاق كأنه مكثوب ، أي : منثور بعضه على بعض لرخاوته . قوله : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ) هذا مرسل من نافع . قوله : ( ثم ) بفتح الثاء ، وقد تكررت هذه اللفظة . قوله : ( فدحا ) الفاء للعطف ، ودحا من الدحو بالحاء المهملة ، وهو البسط ، يقال : دحا يدحو ويدحي دحوا ، قاله ابن سيده ، وفي ( الغريبين ) : كل شيء بسطته ووسعته فقد دحوته ، وفي الإسماعيلي فدخل بالخاء المعجمة ، واللام ، ويروى قد جاء بكلمة قد للتحقيق ، وبكلمة جاء من المجيء . قوله : ( وأن عبد الله بن عمر حدثه ) ، أي : بالإسناد المذكور فيه . قوله : ( حيث المسجد الصغير ) بالحاء المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف وبالثاء المثلثة ، ويروى ( جنب ) بالجيم ، والنون ، والباء الموحدة ، والمسجد مرفوع على الرواية الأولى ؛ لأن حيث لا تضاف إلا إلى الجملة على الأصح ، فتقديره : حيث هو المسجد ، ونحوه ، وعلى الرواية الثانية مجرور . قوله : ( بشرف الروحاء ) هي قرية جامعة على ليلتين من المدينة ، وهي آخر السبالة للمتوجه إلى مكة ، والمسجد الأوسط في الوادي المعروف الآن بوادي بني سالم . قوله : ( وقد كان عبد الله يعلم ) بضم الياء من أعلم من العلامة ، وفي بعض النسخ يعلم بفتح الياء من العلم . قوله : ( على حافة الطريق ) بتخفيف الفاء ، أي : على جانب الطريق ، وحافتا الوادي جانباه . قوله : ( إلى العرق ) بكسر العين ، وسكون الراء المهملتين ، وبالقاف ، أي : عرق الظبية ، قال الكرماني : جبل صغير ، ويقال أيضا للأرض الملح التي لا تنبت ، وقال أبو عبيد : هو واد معروف ، وقال ابن فارس : تنبت الطرفاء ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : تنبت الشجرة ، وقال الخليل : العرق الجبل الدقيق من الرمل المستطيل مع الأرض ، قال الداودي : هو المكان المرتفع ، وفي ( التهذيب ) لأبي منصور : العرق هو الجبل الصغير . قوله : ( عند منصرف الروحاء ) بفتح الراء في منصرف ، أي : عند آخرها . قوله : ( وقد ابتني ) بضم التاء المثناة من فوق على صيغة المجهول من الماضي . قوله : ( وورائه ) بالجر عطف على يساره ، وبالنصب بتقدير في ظرفا . قوله : ( وأمامه ) ، أي : قدام المسجد . قوله : ( من آخر السحر ) ، وهو عبارة عما بين الصبح الكاذب ، والصادق ، والفرق بين العبارتين أعني قوله : ( قبل الصبح بساعة ) وقوله : ( آخر السحر ) هو أنه أراد بآخر السحر أقل من ساعة ، أو أراد الإبهام ليتناول قدر الساعة ، وأقل وأكثر منه . قوله : ( سرحة ) بفتح السين المهملة ، وسكون الراء ، وفتح الحاء المهملة ، وأراد بها الشجرة الضخمة ، أي : العظيمة ، وقال أبو حنيفة في ( كتاب النبات ) : إن أبا زيد قال : السرح من العضاه ، واحدته سرحة ، والسرح طوال في السماء ، وقد تكون السرحة دوحة محلالا واسعة يحل تحتها الناس في الصيف ويبنون تحتها البيوت ، وقد تكون منه العشة القليلة الفروع ، والورق ، وللسرح عنب يسمى آآء ، واحدته آآءة يأكله الناس أبيض ، ويربون منه الرب ، وورقته صغيرة عريضة تأكله الماشية لو تقدر عليه ، ولكن لا تقدر لطوله ، ولا صمغ له ، ولا منفعة فيه أكثر مما أخبرتك ، إلا أن ظله صالح ، فمن أجل ذلك قال الشاعر وكنى عنها بامرأة : فيا سرحة الركبان ظلك بارد وماؤك عذب لا يحل لشارب وليس للسرح شوك ، وقال أبو عمر : والسرح يشبه الزيتون ، وروى الفراء عن أبي الهيثم أن كل شجرة لا شوك فيها فهي سرحة ، يقال : ذهب إلى السرح ، وهو أسهل من كل شيء ، وأخبرني أعرابي قال : في السرحة غبرة ، وهي دون الأثل في الطول ، وورقها صغار ، وهي بسيطة الأفنان ، قال : وهي مائلة النبتية أبدا ، وميلها من بين جميع الأشجار في شق اليمين ، ولم أبل على هذا الأعرابي كذبا ، وزعم بعض الرواة أن السرح من نبات القف ، وقال غيره : من نبات السهل ، وهو قول الأصمعي ، وفي ( المنتهى ) : السرح شجر عظام طوال ، وفي ( الجامع ) كل شجرة طالت فهي سرحة ، وفي ( المطالع ) قيل : هي الدفلى ، وقال أبو علي : هو نبت ، وقيل لها هدب ، وليس لها ورق ، وهو يشبه الصوف . قوله : ( دون الرويثة ) ، أي : تحتها أو قريب منها ، والرويثة بضم الراء ، وفتح الواو ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الثاء المثلثة على لفظ التصغير ، قال البكري : هي قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخا ، ومن الرويثة إلى السقيا عشرة فراسخ ، وعقبة العرج على أحد عشر ميلا من الرويثة بينها وبين العرج ثلاثة أميال ، وهي غير الرويثة ماء لبني عجل بين طريق الكوفة والبصرة ، ذكره ياقوت ، وقال الكرماني : وفي بعض النسخ : الرقشة بفتح الراء ، وسكون القاف ، وإعجام الشين ، ( قلت ) : لم يذكر البكري إلا الرقاش ، وقال هو بلد . قوله : ( ووجاه ) بضم الواو وكسرها المقابل ، وهو عطف على اليمنى ، ويجوز بالنصب على الظرفية . قوله : ( بطح ) بفتح الباء الموحدة ، وكسر الطاء ، وسكونها ، أي : واسع . قوله : ( حتى يفضي ) بالفاء من الإفضاء بمعنى الخروج ، يقال : أفضيت إذا خرجت إلى الفضاء ، أو بمعنى الدفع ، كقوله تعالى : فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ أو بمعنى الوصول . ( فإن قلت ) : الضمير في يفضي يرجع إلى ماذا ؟ ( قلت ) : يرجع إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويجوز أن يرجع إلى المكان ، وقال الكرماني : في بعض النسخ بلفظ الخطاب . قوله : ( دوين ) مصغر الدون ، وهو نقيض الفوق ، ويقال هو دون ذاك ، أي : قريب منه ، والبريد هو المرتب واحد بعد واحد ، والمراد به موضع البريد ، والمعنى بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرويثة ميلان ، ويقال : المراد بالبريد سكة الطريق . قوله : ( فانثنى ) بفتح الثاء المثلثة على صيغة المعلوم من الماضي ، ومعناه انعطف . قوله : ( وهي قائمة على ساق ) ، أي : كالبنيان ليست متسعة من أسفل وضيقة من فوق . قوله : ( في طرف تلعة ) بفتح التاء المثناة ، وسكون اللام ، وفتح العين المهملة ، وهي أرض مرتفعة عريضة يتردد فيها السيل ، والتلعة مجرى الماء من أعلى الوادي ، والتلعة ما انهبط من الأرض ، وقيل : التلعة مثل الرحبة ، والجمع في كل ذلك تلع وتلاع ، وعن صاحب ( العين ) : التلعة أرض مرتفعة غليظة ، وربما كانت على غلظها عريضة ، وفي ( الجامع ) : التلعة من الوادي ما اتسع من فوهته ، وقيل : هي مسيل من الأرض المرتفعة إلى بطن الوادي ، فإن صغر عن ذلك فهي شعبة ، فإذا عظم ، فكان نصف الوادي فهي الميثاء ، وعن الرماني : الأصل في التلعة الارتفاع . قوله : ( العرج ) بفتح العين المهملة ، وسكون الراء ، ثم جيم : قرية جامعة على طريق مكة من المدينة بينها وبين الرويثة أربعة عشر ميلا ، قال البكري : قال السكوني : المسجد النبوي على خمسة أميال من العرج وأنت ذاهب إلى هضبة عندها قبران ، أو ثلاثة ، عليها رضم حجارة ، قال كثير : إنما سمي العرج لتعريجه ، وبين العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلا ، وقال ياقوت : العرج قرية جامعة من نواحي الطائف ، والعرج عقبة بين مكة ، والمدينة على جادة الطريق تذكر مع السقيا ، وسوق العرج بلد بين المحالب ، والمهجم ، وقال الزمخشري : العرج واد بالطائف ، والعرج أيضا منزل بين المدينة ومكة ، وجاء فيه فتح الراء أيضا . قوله : ( إلى هضبة ) بفتح الهاء ، وسكون الضاد المعجمة ، وفتح الباء الموحدة ، وهي الجبل المنبسط على وجه الأرض ، وقال أبو زيد : الهضبة من الجبال ما طال واتسع وانفرد ، وهي الهضبات ، والهضاب ، وعن سيبويه : وقد قالوا : هضبة وهضب ، وقال صاحب ( العين ) : الهضبة كل جبل خلق من صخرة واحدة ، وكل صخرة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة ، وفي ( الجامع ) : هي القطعة المرتفعة من أعلى الجبل ، وفي ( المجمل ) هي أكمة ملساء قليلة النبات ، وفي ( المطالع ) : هي فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل . قوله : ( رضم حجارة ) الرضم هي الحجارة البيض ، والرضمة الصخرة العظيمة مثل الجزور ، وليست بثابتة ، والجمع رضم ورضام ، ورضم الحجارة جعل بعضها على بعض ، وكل بناء بني بصخر رضيم ، ذكره ابن سيده ، وفي ( الجامع ) ومرضوم ، ووقع في رواية الأصيلي : رضم من حجارة ، بتحريك الضاد . قوله : ( عند سلمات الطريق ) بفتح السين المهملة ، وكسر اللام في رواية أبي ذر ، والأصيلي ، وفي رواية الباقين بفتح اللام قيل : هي بالكسر الصخرات ، وبالفتح الشجرات ، وقال أبو زياد : من العضاه السلم ، وهو سليب العيدان طولا يشبه القضبان ليس له خشب ، وإن عظم ، وله شوك دقاق طوال حار إذا أصاب رجل الإنسان ، وكل شيء من السلمة مر يدبغ به ، قاله أبو حنيفة ، وقال غيره من الرواة : السلمة أطيب العضاه ريحا ، وبرمتها أطيب البرم ريحا ، وهي صفراء تؤكل ، وقيل : ليس شجرة أردى من سلمة ، ولم يوجد في ذرى سلمة صرد قط ، ويجمع على أسلام ، وأرض مسلوم إذا كانت كثيرة السلم ، وفي ( الجامع ) يجمع أيضا على سلامى . قوله : ( بين أولئك السلمات ) ، وفي بعض النسخ من أولئك السلمات ، وهي في النسخة الأولى ظاهر التعلق بما قبله ، وفي الثانية بما بعده . قوله : ( بالهاجرة ) ، وهي نصف النهار عند اشتداد الحر . قوله : ( في مسيل ) بفتح الميم ، وهو المكان المنحدر . قوله : ( دون هرشى ) بفتح الهاء ، وسكون الراء ، وفتح الشين المعجمة مقصور على وزن فعلى ، قال أبو عبيد : هو جبل من بلاد تهامة ، وهو على ملتقى طريق الشام ، والمدينة في أرض مستوية ، هضبة ململمة لا تنبت شيئا ، وهي قرية بين المدينة والشام قريبة من الجحفة يرى منها البحر ، ويقرب منها طفيل بفتح الطاء ، وكسر الفاء ، وهو جبيل أسود ، وعلى الطريق من ثنية هرشى ثلاث أودية : غزال ، وذو ذروان ، وكلية ، وكلها لخزاعة ، وبأعلى كلية ثلاثة أجبل صغار يقال لها : سنابك ، وغدير خم ، واد يصب في البحر ، وفي ( الموعب ) لابن التياني : هرشى ثنية قرية من الجحفة ، وفي ( أسماء الجبال ) للزمخشري : هرشى هضبة دون المدينة ، وقال الشريف : على هرشى نقب في حرة بين الأخيمصي ، وبين السقيا على طريق المدينة ، ويليه جبال يقال لها : طوال هرشى ، وفي ( المغيث ) للمديني : قيل سميت هرشى لمهارشة كانت بينهم ، والتهريش الإفساد بين الناس . قوله : ( من غلوة ) بفتح الغين المعجمة ، قال الجوهري : الغلوة الغاية مقدار رمية ، وفي ( المغيث ) لا تكون الغلوة إلا مع تصعيد السهم ، وقال ابن سيده : غلا بالسهم غلوا وغلوا وغالا به غلاء رفع به يده يريد أقصى الغاية ، وهو من التجاوز ، ورجل غلاء بعيد الغلو بالسهم ، وغلا السهم نفسه ارتفع في ذهابه وجاوز المدى ، وكذلك الحجر ، وكل مرماة غلوة ، والجمع غلواة وغلاء ، وقد تستعمل الغلوة في سباق الخيل ، قالت الفقهاء : الغلوة أربعمائة ذراع . قوله : ( مر الظهران ) زعم البكري أنه بفتح أوله ، وتشديد ثانيه ، مضاف إلى الظهران بظاء معجمة مفتوحة بين مر ، والبيت ستة عشر ميلا ، ( قلت ) : هو الوادي الذي تسميه العامة بطن مر ، وبسكون الراء بعدها واو ، وقال كثير عزة : سميت مرا لمرارة مائها ، وقال أبو غسان : سميت بذلك ؛ لأن في بطن الوادي بئرا ونخلة كبابة بعرق من الأرض أبيض هجامر ، إلا أن الميم موصولة بالراء ، وببطن مر تخزعت خزاعة من أخواتها ، فبقيت بمكة شرفها الله تعالى ، وسارت أخواتها إلى الشام أيام سيل العرم ، وقال الزمخشري : مر الظهران بتهامة قريب من عرفة ، وعن صاحب ( العين ) الظهران من قولك : مر ظهرهم ، وقال الفراء : لم أسمع إلا بتثنيته لم يجمع ، ولم يوحد . قوله : ( قبل المدينة ) بكسر القاف ، وفتح الباء الموحدة ، أي : مقابلها وجهتها . قوله : ( من الصفراوات ) بفتح الصاد المهملة ، وسكون الفاء جمع صفراء ، وهي الأودية ، أو الجبال بعد مر الظهران . قوله : ( تنزل ) بلفظ الخطاب ليوافق أنت . قوله : ( بذي طوى ) بضم الطاء في رواية الأكثرين ، وفي رواية الحموي ، والمستملي : بذي الطوى بزيادة الألف ، واللام ، وقيده الأصيلي بالكسر ، وحكى عياض ، وغيره الفتح أيضا ، وقال النووي : ذو طوى بالفتح على الأفصح ، ويجوز ضمها ، وكسرها ، وبفتح الواو المخففة ، وفيه لغتان الصرف وعدمه ، عند باب مكة بأسفلها ، وقال الجوهري : ذو طوى بالضم موضع بمكة ، وأما طوى ، فهو اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم . قوله : ( ولكن أسفل ) بالرفع خبر مبتدأ محذوف ، وبالنصب ، أي : في أسفل . قوله : ( فرضتي الجبل ) بضم الفاء ، وسكون الراء ، وفتح الضاد المعجمة ، والفرضة مدخل الطريق إلى الجبل ، وقيل الشق المرتفع كالشرافة ، ويقال أيضا لمدخل النهر ، وفرضة البئر ثلمته التي يستقى منها ، وفي ( المحكم ) فرضة النهر مشرب الماء منه ، والجمع فرض وفراض . قوله : ( نحو الكعبة ) ، أي : ناحيتها ، وهو متعلق بالطويل ، أو ظرف للجبل ، أو بدل من الفرضة . قوله : ( فجعل ) الظاهر أنه من كلام نافع ، وفاعله عبد الله ، ويسار مفعول ثان . قوله : ( بطرف الأكمة ) صفة للمسجد الثاني . ( ذكر باقي المتعلقات له ) ، والكلام فيه على وجوه الأول : في ذكر المساجد التي بالمدينة ، وفي المواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرج أبو داود في ( كتاب المراسيل ) من حديث ابن لهيعة عن بكير بن عبد الله الأشج ، قال : كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يسمع أهله تأذين بلال رضي الله تعالى عنه ، فيصلون في مساجدهم ، أقربها مسجد بني عمرو بن مبذول ، ومسجد بني ساعدة ، ومسجد بني عبيد ، ومسجد بني سلمة ، ومسجد بني رايح بن عبد الأشهل ، ومسجد بني زريق ، ومسجد غفار ، ومسجد أسلم ، ومسجد جهينة ، وشك في التاسع ، وفي كتاب ( أخبار المدينة ) لأبي زيد عمرو بن شبة النميري النحوي الإخباري بسند له في ذكر المساجد التي بالمدينة عن رافع بن خديج ، صلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في المسجد الصغير الذي بأحد في شعب الجرار على يمينك اللازق بالجبل ، وعن أسيد بن أبي أسيد ، عن أشياخه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم دعا على الجبل الذي عليه مسجد الفتح ، وصلى في المسجد الصغير الذي بأصل الجبل حين تصعد الجبل ، وعن عمارة بن أبي اليسر : صلى النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الأسفل ، وعن جابر : دعا النبي عليه الصلاة والسلام في المسجد المرتفع ، ورفع يديه مدا ، وعن عمرو بن شرحبيل : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني خدارة ، وعن عمرو بن قتادة : أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى لهم في مسجد في بني أمية من الأنصار ، وكان في موضع الخربتين اللتين عند مال نهيك ، وعن الأعرج أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على ذباب ، وهو جبل بالمدينة ، بضم الذال المعجمة ، وبالباءين الموحدتين ، وفي لفظ : كان ضرب قبته يوم الخندق عليه ، وعن جابر بن أسامة قال : خط النبي عليه الصلاة والسلام مسجد جهينة ليلا ، وفي لفظ : ( وصلى فيه ) ، وعن سعد بن إسحاق : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ساعدة الخارج من بيوت المدينة ، وفي مسجد بني بياضة ، وفي مسجد بني الحبلى ، ومسجد بني عصية ) ، وعن العباس بن سهل : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني ساعدة ، وعن يحيى بن سعد : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يختلف إلى مسجد أبي فيصلي فيه غير مرة ، ولا مرتين ، وقال : لولا أن يميل الناس إليه لأكثرت الصلاة فيه ) ، وعن يحيى بن النضر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد أبي بن كعب في بني جديلة ، ومسجد بني عمرو بن مبذول ، ومسجد بني دينار ، ومسجد النابغة ، ومسجد ابن عدي ، وجلس في كهف سلع ) ، وعن هشام بن عروة : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في مسجد بلحارث بن الخزرج ، ومسجد السخ ، ومسجد بني خطمة ، ومسجد الفضيح ، وفي صدقة الزبير ، وفي بني محمم ، وفي بيت صرمة في بني عدي . وعن الحارث بن سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني حارثة ، وبني ظفر ، وبني عبد الأشهل ، وعن إسماعيل بن حبيبة : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد واقم ، وعن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد بني معاوية ، وعن كعب بن عجرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد عاتكة في بني سالم ، وعن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الخربة ، ومسجد القبلتين ، ومسجد بني حزام الذي بالقاع ، وعن محمد بن عتبة بن أبي مالك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في صدقته ، وعن يحيى بن إبراهيم : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في مسجد رايح ، وعن زيد بن سعد : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في حائط أبي الهيثم ، وعن جابر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر يوم أحد على عينين ، وعن علي بن رافع : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في بيت امرأة من الخضر فأدخل ذلك البيت في مسجد بني قريظة ، وعن سلمة الخطمي : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى في بيت المقعدة عند مسجد بني وائل في مسجد العجوز ، وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عرض المسلمين بالسقيا التي بالحرة متوجها إلى بدر ، وصلى بها ، وعن المطلب أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بني ساعدة ، وصلى في المسجد الذي عند السخين وبات فيه ، وهو الذي عند ( البدائع ) ، وعن هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الشجرة بالمعرس ، وعن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد الشجرة ، وعن ربيعة بن عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت إلى جنب مسجد بني خدرة ، قال أبو غسان : قال لي غير واحد من أهل العلم : إن كل مسجد من مساجد المدينة ونواحيها مبني بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم سأل ، والناس يومئذ متوافرون ، عن المساجد التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم في دار الشفا عن يمين من دخل الدار ، وصلى في دار بسرة بنت صفوان ، وفي دار عمرو ابن أمية الضمرى ، ( قلت ) : قد اندرس أكثر هذه المساجد ، وبقي من المشهور الآن مسجد قبا ، ومسجد الفضيح ، وهو شرقي مسجد قبا ، ومسجد بني قريظة ، ومشربة أم إبراهيم ، وهي شمالي مسجد قريظة ، ومسجد بني ظفر شرقي البقيع ، ويعرف بمسجد البغلة ، ومسجد بني معاوية ، ويعرف بمسجد الإجابة ، ومسجد الفتح قريب من جبل سلع ، ومسجد القبلتين في بني سلمة . ( الوجه الثاني ) : في بيان وجه تتبع عبد الله بن عمر المواضع التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو أنه كان يستحب التتبع لآثار النبي صلى الله عليه وسلم ، والتبرك بها ، ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين ، وقد روى شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد ، قال : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سفر ، فصلى الغداة ، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه ويقولون : صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال عمر : إنما هلك أهل الكتاب أنهم كانوا اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعا ، فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض ، قالوا : أما ما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه ذكر ذلك فلأنه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع ، فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم ويرى ذلك واجبا ، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزاما شديدا أن يترخص فيها في بعض المرات ، ويتركها ، ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة كما فعل ابن عباس في ترك الأضحية . الوجه الثالث : فيما نقل عن الفقهاء في ذلك ، روى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الشارع ، فقال : ما يعجبني ذلك إلا في مسجد قبا ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يأتيه راكبا وماشيا ، ولم يفعل ذلك في تلك الأمكنة ، وقال البغوي : إن المساجد التي ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها تعين كما تعين المساجد الثلاثة .