98 - بَاب الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ 507 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا ، قُلْتُ : أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتْ الرِّكَابُ ؟ قَالَ : كَانَ يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ - أَوْ قَالَ : مُؤَخَّرِهِ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْعَلُهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الرَّاحِلَةُ النَّاقَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِأَنْ يُوضَعَ الرَّحْلُ عَلَيْهَا ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الرَّاحِلَةُ الْمَرْكُوبُ النَّجِيبُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى . وَالْهَاءُ فِيهَا لِلْمُبَالَغَةِ ، وَالْبَعِيرُ يُقَالُ لِمَا دَخَلَ فِي الْخَامِسَةِ . قَوْلُهُ : ( وَالشَّجَرُ وَالرَّحْلُ ) الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الرَّاحِلَةُ وَالرَّحْلُ ، فَكَأَنَّهُ أَلْحَقَ الْبَعِيرَ بِالرَّاحِلَةِ بِالْمَعْنَى الْجَامِعِ بَيْنَهُمَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : كَانَ يُصَلِّي إِلَى بَعِيرِهِ . انْتَهَى . فَإِنْ كَانَ هَذَا حَدِيثًا آخَرَ حَصَلَ الْمَقْصُودُ ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَصَرًا مِنَ الْأَوَّلِ - كأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ يُصَلِّي إِلَى مُؤَخِّرَةِ رَحْلِ بَعِيرِهِ - اتَّجَهَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ . وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى بَعِيرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ رَحْلٌ ، وَسَأَذْكُرُهُ بَعْدُ ، وَأُلْحِقَ الشَّجَرُ بِالرَّحْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَوِيَّةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا فِينَا إِنْسَانٌ إِلَّا نَائِمٌ ، إِلَّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فإنَّهُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى شَجَرَةٍ يَدْعُو حَتَّى أصبح ، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . قَوْلُهُ : ( يُعَرِّضُ ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، أَيْ : يَجْعَلُهَا عَرْضًا . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : أَفَرَأَيْتَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَلَامُ نَافِعٍ وَالْمَسْئُولُ ابْنُ عُمَرَ ، لَكِنْ بَيَّنَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَلَامُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْمَسْئُولُ نَافِعٌ ، فَعَلَى هَذَا هُوَ مُرْسَلٌ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ يَأْخُذُ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يُدْرِكْهُ نَافِعٌ . قَوْلُهُ : ( هَبَّتِ الرِّكَابُ ) أَيْ : هَاجَتِ الْإِبِلُ ، يُقَالُ : هَبَّ الْفَحْلُ إِذَا هَاجَ ، وَهَبَّ الْبَعِيرُ فِي السَّيْرِ إِذَا نَشِطَ . وَالرِّكَابُ الْإِبِلُ الَّتِي يُسَارُ عَلَيْهَا وَلَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِبِلَ إِذَا هَاجَتْ شَوَّشَتْ عَلَى الْمُصَلِّي لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا ، فَيَعْدِلُ عَنْهَا إِلَى الرَّحْلِ فَيَجْعَلُهُ سُتْرَةً . وَقَوْلُهُ : ( فَيَعْدِلُهُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهُ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الدَّالِ ، أَيْ : يُقِيمهُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ . وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ . وَقَوْلُهُ : ( إِلَى أَخَرَتِهِ ) بِفَتَحَاتٍ بِلَا مَدٍّ وَيَجُوزُ الْمَدُّ ، ( وَمُؤْخِرَتِهِ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ ثُمَّ هَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ ، وَأَمَّا الْخَاءُ فَجَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ بِكَسْرِهَا وَجَوَّزَ الْفَتْحَ ، وَأَنْكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ الْفَتْحَ ، وَعَكَسَ ذَلِكَ ابْنُ مَكِّيٍّ فَقَالَ : لَا يُقَالُ مُقْدِمٌ وَمُؤْخِرٌ بِالْكَسْرِ إِلَّا فِي الْعَيْنِ خَاصَّةً ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيُقَالُ بِالْفَتْحِ فَقَطْ . وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ . وَالْمُرَادُ بِهَا الْعُودُ الَّذِي فِي آخِرِ الرَّحْلِ الَّذِي يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ الرَّاكِبُ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّسَتُّرِ بِمَا يَسْتَقِرُّ مِنَ الْحَيَوَانِ ، وَلَا يُعَارِضُهُ النَّهْيُ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ ؛ لِأَنَّ الْمَعَاطِنَ مَوَاضِعُ إِقَامَتِهَا عِنْدَ الْمَاءِ ، وَكَرَاهَةُ الصَّلَاةِ حِينَئِذٍ عِنْدَهَا إِمَّا لِشَدَّةِ نَتَنِهَا ، وَإِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَخَلَّوْنَ بَيْنَهَا مُسْتَتِرِينَ بِهَا . انْتَهَى . وَقَالَ غَيْرُهُ : عِلَّةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْإِبِلِ خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ ، فَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فِي السَّفَرِ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَيْهَا عَلَى حَالَةِ الضَّرُورَةِ ، وَنَظِيرُهُ صَلَاتُهُ إِلَى السَّرِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ لِكَوْنِ الْبَيْتِ كَانَ ضَيِّقًا . وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ : لَا يُسْتَتَرُ بِامْرَأَةٍ وَلَا دَابَّةٍ ، أَيْ : فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ . وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى بَعِيرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ رَحْلٌ ، وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا فِي حَالِ شَدِّ الرَّحْلِ عَلَيْهَا أَقْرَبُ إِلَى السُّكُونِ مِنْ حَالِ تَجْرِيدِهَا . ( تَكْمِلَةٌ ) : اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ مُؤَخِّرَةَ الرَّحْلِ فِي مِقْدَارِ أَقَلِّ السُّتْرَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهَا بِفِعْلِ ذَلِكَ . فَقِيلَ ذِرَاعٌ ، وَقِيلَ ثُلُثَا ذِرَاعٍ وَهُوَ أَشْهَرُ ، لَكِنْ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ مُؤَخِّرَةَ رَحْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَتْ قَدْرَ ذِرَاعٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ · ص 691 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل · ص 660 98 - باب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل 507 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي البصري : ثنا معتمر بن سليمان ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يعرض راحلته فيصلي إليها . فقلت : أفرأيت إذا هبت الركاب ؟ قال : كان يأخذ الرحل فيعدِّله ، فيصلي إلى آخرته - أو قال : مؤخرته - وكان ابن عمر يفعله قد ذكرنا في باب : الصلاة في مواضع الإبل الاختلاف في رفع هذا الحديث ووقفه ، وحكم الاستتار بالبعير في الصلاة . وقوله : يعرض راحلته بكسر الراء - أي : ينيخها ، معترضة بينه وبين جهة القبلة . وفيه لغة أخرى : يعرض - بضم الراء - ذكرها صاحب كشف المشكل . وقوله هبت الركاب ، معناه : قامت الإبل للسير - : قاله الهروي وغيره . ويقال للنائم إذا قام من نومه : هب من منامه . والمراد : إذا لم يكن عنده إبل باركة يستتر بها . وقال الخطابي : هبت : أي هاجت ، يقال : هب الفحل هبيبا إذا هاج . قال : يريد : أن الإبل إذا هاجت لم تهدأ ، ولم تقر ، فتفسد على المصلي إليها صلاته . وهذا الذي قاله في غاية البعد ، وإن كان محتملا في اللفظ ، فليس هو المراد في الحديث . وقوله : يأخذ الرحل : رحل البعير ، هو : ما على ظهره مما يركب عليه ، والراحلة : هي ما يرتحله الرجل - أي : يركبه في ارتحاله ، بعيرا كان أو ناقة - : قاله الأزهري وغيره . ومنه : قوله صلى الله عليه وسلم الناس كإبل مائة ، ليست فيها راحلة . وقوله : فيعدله - بفتح الياء ، وكسر الدال . قال الخطابي : أي يقيمه تلقاء وجهه . و آخرة الرحل - بكسر الخاء - : هي الخشبة التي يستند إليها الراكب على الرحل . وقد سبق الخلاف في تقديرها : هل هو ذراع تام بالذراع الذي يذرع به ، أو ذراع بعظم ذراع الإنسان ، وهو نحو ثلثي ذراع مما يذرع به ؟ ويقال في آخرة الرحل : مؤخرة الرحل . واختلفوا في ضبطها : فمنهم من ضبطها بضم الميم وسكون الهمزة ، وكسر الخاء المعجمة . وقد حكاها أبو عبيد ، وأنكرها ابن السكيت وغيره . وقال بعضهم : لا يقال : مؤخر ومقدم - بكسر - إلا في العين خاصة ، وإنما يقال في غيرها بالفتح . وضبطها بعضهم بسكون الهمزة ، وفتح الخاء وتخفيفها . ذكره ثابت في دلائله وأنكر ذلك ابن قتيبة وغيره . وضبطها الأصيلي في نسخته بالبخاري - فيما حكى عنه - بفتح الميم وسكون الواو وكسر الخاء . وضبطها بعضهم بضم الميم وفتح الهمزة والخاء وتشديدها . ذكره صاحب المشارق ، وأنكرها صاحب النهاية . وقال بعضهم : المحدثون يروونه بتشديد الخاء ، والصواب : آخرة . وقد تبين بهذا الحديث الذي ذكره البخاري في صحيحه جواز الاستتار بالراحلة وبالبعير ، سواء كان مرتحلا أو غير مرتحل ، اللهم إلا أن يكون غير المرتحل هائجا ، فيخشى من هيجانه إفساد الصلاة على من يصلي إليه كما ذكره الخطابي . وجواز الاستتار برحل الراحلة . وأما الشجر ، فذكره البخاري في تبويبه ، ولم يذكر فيه شيئا ، وهو مأخوذ من الاستتار بالرحل ؛ فإن الرحل خشب ، والخشب مأخوذ من الشجر ، فإذا ثبت جواز الاستتار في الصلاة بالخشب دل على جواز الاستتار بالشجر قبل قطعه . وفيه حديث ليس على شرط البخاري ، من رواية أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب ، عن علي ، قال : لقد رأيتنا ليلة بدر ، وما فينا إنسان إلا نائم ، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان يصلي إلى شجرة ، ويدعو حتى أصبح . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وابن حبان في صحيحه ، وعنده : تحت شجرة . وقد رواه بعضهم ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي . ورواه غيره ، عن أبي إسحاق ، عن البراء . والصحيح : عن حارثة ، عن علي - : قاله الدارقطني . وخرج أبو داود بإسناد فيه نظر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بتبوك إلى نخلة ، فقال : هذه قبلتنا ، ثم صلى إليها . وقد سبق حديث المقداد ، أنه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة إلى الراحلة والبعير والشجر والرحل · ص 286 ( باب الصلاة إلى الراحلة ، والبعير ، والشجر ، والرحل ) أي هذا باب في بيان حكم الصلاة بالتوجه إلى الراحلة ، إلى آخره ، والراحلة الناقة التي يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة ، وتمام الخلق ، وحسن النظر ، فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت ، والهاء فيه للمبالغة ، كما يقال : رجل داهية وراوية ، وقيل : إنما سميت راحلة ؛ لأنها ترحل ، قال الله تعالى : فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي : مرضية ، والبعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس ، يقال للجمل بعير ، وللناقة بعير ، وبنو تميم يقولون : بعير وشعير بكسر الباء ، والشين ، والفتح هو الفصيح ، وإنما يقال له : بعير إذا أجذع ، والجمع أبعرة في أدنى العدد ، وأباعر في الكثير ، وأباعير وبعران ، وهذه عن الفراء ، ومعنى أجذع إذا دخل في السنة الخامسة ، ( فإن قلت ) : إذا أطلق البعير على الناقة ، والراحلة هي الناقة ، فما فائدة ذكر البعير ؟ ( قلت ) : ذهب بعضهم إلى أن الراحلة لا تقع إلا على الأنثى ، ولأجل ذلك أردفه بالبعير ، فإنه يقع عليهما . قوله : ( والشجر ) هو المعروف ، وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه ، قال : ( لقد رأيتنا يوم بدر وما فينا إنسان إلا نائم ، إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فإنه كان يصلي إلى شجرة يدعو حتى أصبح ) رواه النسائي بإسناد حسن . قوله : ( والرحل ) بفتح الراء ، وسكون الحاء المهملة ، وهو للبعير ، أصغر من القتب ، وهو الذي يركب عليه ، وهو الكور بضم الكاف ، ( فإن قلت ) : حديث الباب لا يدل إلا على الصلاة إلى البعير ، والشجر ، ( قلت ) : كأنه وضع الترجمة على أنه يأتي لكل جزء منها بحديث ، فلم يجد على شرطه إلا حديث الباب ، وهو يدل على الصلاة إلى الراحلة ، والرحل ، واكتفى به عن بقية ذلك بالقياس على الراحلة ، وقد روى غيره في الصلاة إلى البعير ، والشجر ، أما الصلاة إلى البعير فرواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة ، ووهب بن بقية ، وعبد الله بن سعيد ، قال عثمان : أخبرنا أبو خالد ، قال: أخبرنا عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بعيره ) وأما الصلاة إلى الشجر فقد ذكرناه الآن عن النسائي . 156 - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي البصري ، قال : حدثنا معتمر ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعرض راحلته فيصلي إليها . قلت : أفرأيت إذا هبت الركاب ، قال : كان يأخذ هذا الرحل فيعدله فيصلي إلى آخرته ، أو قال : مؤخره ، وكان ابن عمر رضي الله عنه يفعله . مطابقته للترجمة في قوله : ( يعرض راحلته فيصلي إليها ) ، وفي قوله : ( كان يأخذ الرحل ) إلى آخره ، وأما ذكر البعير والشجر في الترجمة ، فقد ذكرنا وجهه آنفا . ( ذكر رجاله ) : وهم أربعة ، تكرر ذكرهم ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وأخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن أحمد بن حنبل ، ولفظه ( آخرة الرحل ) ، وأخرجه أيضا من حديث أبي ذر ، وأبي هريرة ، وأخرج النسائي من حديث عائشة ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك عن سترة المصلي ، فقال : مثل مؤخرة الرحل ) ( ذكر معناه ) : قوله : ( يعرض ) بتشديد الراء من التعريض ، أي : يجعلها عرضا . قوله : ( أفرأيت ) الفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة ، أي : أرأيت في تلك الحالة ، فرأيت في هذه الحالة الأخرى ، والمعنى أخبرني عن هذه ، وفي بعض النسخ ( أرأيت ) بدون الفاء ، ( فإن قلت ) : من السائل هنا ، ومن المسؤول عنه ؟ ( قلت ) : الذي يدل عليه الظاهر أنه كلام نافع ، وهو السائل ، والمسؤول عنه هو ابن عمر ، ولكن وقع في رواية الإسماعيلي من طريق عبيدة بن حميد عن عبيد الله بن عمر أنه كلام عبيد الله ، والمسؤول نافع ، فعلى هذا يكون هو مرسلا ؛ لأن فاعل يأخذ هو النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يدركه نافع . قوله : ( إذا هبت الركاب ) هبت بمعنى هاجت وتحركت ، يقال : هب الفحل إذا هاج ، وهب العير في السير إذا نشط ، وقال ابن بطال : هبت ، أي : زالت عن موضعها وتحركت ، يقال : هب النائم من نومه إذا قام ، وقيده الأصيلي بضم الهاء ، والفتح أصوب ، والركاب بكسر الراء وتخفيف الكاف الإبل التي يسار عليها ، والواحد الراحلة ، ولا واحد لها من لفظها ، والجمع الركب مثل الكتب . قوله : ( فيعدله ) من التعديل ، وهو تقويم الشيء ، يقال : عدلته فاعتدل ، أي : قومته فاستقام ، والمعنى يقيمه تلقاء وجهه ؛ لأن الإبل إذا هاجت شوشت على المصلي لعدم استقرارها ، فحينئذ كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعدل عنها إلى الرحل فيجعله سترة ، وقد ضبط بعضهم فيعدله بفتح أوله ، وسكون العين ، وكسر الدال ، ثم فسره بقوله ، أي : يقيمه تلقاء وجهه ، والصواب ما ذكرناه ؛ لأنه من باب فعل بالتشديد ، لكنه يأتي بمعنى فعل بالتخفيف ، كما يقال : زلته وزيلته ، وكلاهما بمعنى فرقته . قوله : ( إلى أخرته ) بفتح الهمزة ، والخاء ، والراء بلا مد ، أي : فصلى إلى أخرة الرحل ، ويجوز المد في الهمزة ، ولكن بكسر الخاء ، وهي الخشبة التي يستند إليها الراكب . قوله : ( أو قال مؤخرته ) في ضبطه وجوه ، الأول : بضم الميم ، وكسر الخاء ، وهمزة ساكنة ، قاله النووي ، والثاني : بفتح الهمزة ، وفتح الخاء المشددة ، والثالث : إسكان الهمزة ، وتخفيف الهاء ، وقال أبو عبيد : يجوز كسر الخاء ، وفتحها ، وأنكر ابن قتيبة الفتح ، وقال ابن مكي : لا يقال : مقدم ومؤخر بالكسر إلا في العير خاصة ، وأما في غيرها ، فلا يقال إلا بالفتح فقط ، وقال الجوهري : مؤخرة الرحل لغة قليلة في أخرته ، وقال ابن التين : رويناه بفتح الهمزة وتشديد الخاء ، وفتحها ، وقال القرطبي : مؤخرة الرحل هو العود الذي يكون في آخر الرحل بضم الميم ، وكسر الخاء ، والرابع : روى بعضهم بفتح الهمزة ، وتشديد الخاء . قوله : ( وكان ابن عمر يفعله ) مقول نافع ، والضمير المنصوب في يفعله يرجع إلى كل واحد من التعريض ، والتعديل اللذين يدل عليهما قوله : يعرض . وقوله : فيعدله من قبيل قوله تعالى : اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى أي : العدل أقرب للتقوى ، فافهم . ( ذكر ما يستفاد منه ) : قال الخطابي : فيه دليل على جواز السترة بما يثبت من الحيوان ، قال ابن بطال : وكذلك تجوز الصلاة إلى كل شيء طاهر ، وقال القرطبي : في هذا الحديث دليل على جواز التستر بالحيوان ، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل ؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء ، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها ، وإما لأنهم كانوا يتخلون بها مستترين بها ، وقيل : علة النهي في ذلك كون الإبل خلقت من الشياطين ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب الصلاة في مواضع الإبل .