36 - بَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ ، وهو لَا يَشْعُرُ ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ : مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ : إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ، وَيُذْكَرُ عَنْ الْحَسَنِ مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ ، وَمَا يُحْذَرُ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالْعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ 48 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قال : حدثنا شُعْبَةُ ، عَنْ زُبَيْدٍ قال : سألت أَبَا وَائِلٍ عَنْ الْمُرْجِئَةِ فَقال : حدثنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ ، وهو لَا يَشْعُرُ ) هَذَا الْبَابُ مَعْقُودٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ خَاصَّةً ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ مَا مَضَى مِنَ الْأَبْوَابِ قَدْ تَضَمَّنَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ ، لَكِنْ قَدْ يَشْرَكُهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، بِخِلَافِ هَذَا . وَالْمُرْجِئَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ بَعْدَهَا يَاءٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا بِلَا هَمْزٍ نُسِبُوا إِلَى الْإِرْجَاءِ ، وهو التَّأْخِيرُ ; لِأَنَّهُمْ أَخَّرُوا الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَالُوا : الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُهُمُ النُّطْقَ ، وَجَعَلُوا لِلْعُصَاةِ اسْمَ الْإِيمَانِ عَلَى الْكَمَالِ وَقَالُوا : لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ أَصْلًا ، وَمَقَالَاتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ . وَمُنَاسَبَةُ إِيرَادِ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ اتِّبَاعَ الْجِنَازَةِ مَظِنَّةٌ لِأَنْ يُقْصَدَ بِهَا مُرَاعَاةُ أَهْلِهَا أَوْ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ ، وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَجْرَ الْمَوْعُودَ بِهِ إِنَّمَا يَحْصُلُ لِمَنْ صَنَعَ ذَلِكَ احْتِسَابًا أَيْ : خَالِصًا ، فَعَقَّبَهُ بِمَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ قَدْ يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ مَا يُعَكِّرُ عَلَى قَصْدِهِ الْخَالِصِ فَيُحْرَمَ بِهِ الثَّوَابُ الْمَوْعُودُ ، وهو لَا يَشْعُرُ . فَقَوْلُهُ : أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ أَيْ : يُحْرَمُ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِأَنَّهُ لَا يُثَابُ إِلَّا عَلَى مَا أَخْلَصَ فِيهِ . وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يُقَوِّي مَذْهَبَ الْإِحْبَاطِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إِنَّ السَّيِّئَاتِ يُبْطِلْنَ الْحَسَنَاتِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ : الْقَوْلُ الْفَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ الْإِحْبَاطَ إِحْبَاطَانِ : أَحَدُهُمَا إِبْطَالُ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وَإِذْهَابُهُ جُمْلَةً كَإِحْبَاطِ الْإِيمَانِ لِلْكُفْرِ وَالْكُفْرِ لِلْإِيمَانِ ، وَذَلِكَ فِي الْجِهَتَيْنِ إِذْهَابٌ حَقِيقِيٌّ . ثَانِيهُمَا إِحْبَاطُ الْمُوَازَنَةِ إِذَا جُعِلَتِ الْحَسَنَاتُ فِي كِفَّةٍ وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةٍ ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ نَجَا ، وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ وُقِفَ فِي الْمَشِيئَةِ : إِمَّا أَنْ يُغْفَرَ لَهُ وَإِمَّا أَنْ يُعَذَّبَ . فَالتَّوْقِيفُ إِبْطَالٌ مَا ; لِأَنَّ تَوْقِيفَ الْمَنْفَعَةِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا إِبْطَالٌ لَهَا ، وَالتَّعْذِيبُ إِبْطَالٌ أَشَدُّ مِنْهُ إِلَى حِينَ الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ ، فَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إِبْطَالٌ نِسْبِيٌّ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْإِحْبَاطِ مَجَازًا ، وَلَيْسَ هُوَ إِحْبَاطٌ حَقِيقَةً ، لِأَنَّهُ إِذَا أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ عَادَ إِلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِهِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِ الْإِحْبَاطِيَّةِ الَّذِينَ سَوَّوْا بَيْنَ الْإِحْبَاطَيْنِ وَحَكَمُوا عَلَى الْعَاصِي بِحُكْمِ الْكَافِرِ ، وَهُمْ مُعْظَمُ الْقَدَرِيَّةِ . وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ ) هُوَ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَعُبَّادِهِمْ ، وَقَوْلُهُ : مُكَذَّبًا يُرْوَى بِفَتْحِ الذَّالِ يَعْنِي خَشِيتُ أَنْ يُكَذِّبَنِي مَنْ رَأَى عَمَلِي مُخَالِفًا لِقَوْلِي فَيَقُولُ : لَوْ كُنْتَ صَادِقًا مَا فَعَلْتَ خِلَافَ مَا تَقُولُ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَعِظُ النَّاسَ . وَيُرْوَى بِكَسْرِ الذَّالِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مَعَ وَعْظِهِ النَّاسَ لَمْ يَبْلُغْ غَايَةَ الْعَمَلِ . وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ مَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَقَصَّرَ فِي الْعَمَلِ فَقَالَ : كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ فَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ مُكَذِّبًا أَيْ : مُشَابِهًا لِلْمُكَذِّبِين ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي الزُّهْدِ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ . . . إِلَخْ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ ، لَكِنْ أَبْهَمَ الْعَدَدَ . وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مُطَوَّلًا فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ ، وَعَيَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مُخْتَصَرًا كَمَا هُنَا ، وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مِنْ أَجَلِّهِمْ عَائِشَةُ وَأُخْتُهَا أَسْمَاءُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَالْعَبَادِلَةُ الْأَرْبَعَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَالْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ، فَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُمْ ، وَقَدْ أَدْرَكَ بِالسِّنِّ جَمَاعَةً أَجَلَّ مِنْ هَؤُلَاءِ كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ النِّفَاقَ فِي الْأَعْمَالِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ إِجْمَاعٌ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَعْرِضُ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ مَا يَشُوبُهُ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِخْلَاصَ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْ ذَلِكَ وُقُوعُهُ مِنْهُمْ ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ مِنْهُمْ فِي الْوَرَعِ وَالتَّقْوَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : إِنَّمَا خَافُوا لِأَنَّهُمْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ حَتَّى رَأَوْا مِنَ التَّغَيُّرِ مَا لَمْ يَعْهَدُوهُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى إِنْكَارِهِ ، فَخَافُوا أَنْ يَكُونُوا دَاهَنُوا بِالسُّكُوتِ . قَوْلُهُ : ( مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ : إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ) أَيْ لَا يَجْزِمُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِعَدَمِ عُرُوضِ النِّفَاقِ لَهُمْ كَمَا يُجْزَمُ بِذَلِكَ فِي إِيمَانِ جِبْرِيلِ ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَذْكُورِينَ كَانُوا قَائِلِينَ بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِيمَانِ ، خِلَافًا لِلْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ إِيمَانَ الصِّدِّيقِينَ وَغَيْرِهِمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ . وَقَدْ رُوِيَ فِي مَعْنَى أَثَرِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ حَدِيثٌ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ ) هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْمُنَافِقِ لَهُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ . وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ تَرْكُ الْبُخَارِيِّ الْجَزْمَ بِهِ مَعَ صِحَّتِهِ عَنْهُ ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى قَاعِدَةٍ ذَكَرَهَا لِي شَيْخُنَا أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَافِظُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهِيَ : أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَا يَخُصُّ صِيغَةَ التَّمْرِيضِ بِضَعْفِ الْإِسْنَادِ ، بَلْ إِذَا ذَكَرَ الْمَتْنَ بِالْمَعْنَى أَوِ اخْتَصَرَهُ أَتَى بِهَا أَيْضًا ، لِمَا عَلِمَ مِنَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ ، فَهُنَا كَذَلِكَ ، وَقَدْ أَوْقَعَ اخْتِصَارُهُ لَهُ لِبَعْضِهِمُ الِاضْطِرَابَ فِي فَهْمِهِ فَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ . يَعْنِي اللَّهَ تَعَالَى . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ وَقَالَ : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ وَكَذَا شَرَحَهُ ابْنُ التِّينِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَقَرَّرَهُ الْكِرْمَانِيُّ هَكَذَا ، فَقَالَ : مَا خَافَهُ أَيْ : مَا خَافَ مِنَ اللَّهِ ، فَحَذَفَ الْجَارَّ وَأَوْصَلَ الْفِعْلَ إِلَيْهِ . قُلْتُ : وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَكِنَّهُ خِلَافُ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُ . وَالَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذَا هُوَ الِاخْتِصَارُ . وَإِلَّا فَسِيَاقُ كَلَامِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ يُبَيِّنُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ النِّفَاقَ ، فَلْنَذْكُرْهُ . قَالَ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ ، سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَحْلِفُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا مَضَى مُؤْمِنٌ قَطُّ وَلَا بَقِيَ إِلَّا وهو مِنَ النِّفَاقِ مُشْفِقٌ ، وَلَا مَضَى مُنَافِقٌ قَطُّ وَلَا بَقِيَ إِلَّا وهو مِنَ النِّفَاقِ آمِنٌ . وَكَانَ يَقُولُ : مَنْ لَمْ يَخَفِ النِّفَاقَ فَهُوَ مُنَافِقٌ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا مَضَى مُؤْمِنٌ وَلَا بَقِيَ إِلَّا وهو يَخَافُ النِّفَاقَ ، وَمَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ ، انْتَهَى . وَهَذَا مُوَافِقٌ لِأَثَرِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وهو قَوْلُهُ : كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ . وَالْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا مَحْمُودا لَكِنَّ سِيَاقَ الْبَابِ فِي أَمْرٍ آخَرَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا يُحَذَّرُ ) هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَيُرْوَى بِتَخْفِيفِهَا ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ لِأَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى خَوْفٍ ، أَيْ : بَابِ مَا يُحَذَّرُ . وَفَصَلَ بَيْنَ التَّرْجَمَتَيْنِ بِالْآثَارِ الَّتِي ذَكَرَهَا لِتَعَلُّقِهَا بِالْأُولَى فَقَطْ ، وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا تَعَلَّقَ بِالثَّانِيَةِ ، وَالثَّانِي يَتَعَلَّقُ بِالْأُولَى عَلَى مَا سَنُوَضِّحُهُ ، فَفِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ غَيْرُ مُرَتَّبٍ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ الْآيَةَ ، وَمُرَادُهُ أَيْضًا الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ حَيْثُ قَالُوا : لَا حَذَرَ مِنَ الْمَعَاصِي مَعَ حُصُولِ الْإِيمَانَ ، وَمَفْهُومُ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى مَدَحَ مَنِ اسْتَغْفَرَ لِذَنْبِهِ وَلَمْ يُصِرَّ عَلَيْهِ ، فَمَفْهُومُهُ ذَمُّ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ . وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي مَعْنَى التَّرْجَمَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَقَوْلُهُ : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَهَذِهِ الْآيَةُ أَدَلُّ عَلَى الْمُرَادِ مِمَّا قَبْلَهَا ، فَمَنْ أَصَرَّ عَلَى نِفَاقِ الْمَعْصِيَةِ خُشِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْضِيَ بِهِ إِلَى نِفَاقِ الْكُفْرِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمَّحَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُخَرَّجِ عِنْدَ أَحْمَدَ مَرْفُوعًا قَالَ : وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لَا يَسْتَغْفِرُونَ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَرْفُوعًا : مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ ، وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً : إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ . قَوْلُهُ : ( عَلَى التَّقَاتُلِ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وهو الْمُنَاسِبُ لِحَدِيثِ الْبَابِ ، وَفِي بَعْضِهَا ( عَلَى النِّفَاقِ ) وَمَعْنَاهُ صَحِيحٌ ، وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ الرِّوَايَةُ . قَوْلُهُ : ( زُبَيْدٌ ) تقدم أَنَّهُ بِالزَّايِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرًا ، وهو ابْنُ الْحَارِثِ الْيَامِيُّ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَمِيمٍ خَفِيفَةٍ ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ أَيْضًا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، وهو عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْأَدَبِ ، وَعَنِ الْأَعْمَشِ ، وهو عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعًا عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَفْعِهِ عَنْ زُبَيْدٍ وَاخْتُلِفَ عَلَى الْآخَرِينَ . وَرَوَاهُ عَنْ زُبَيْدٍ غَيْرُ شُعْبَةَ أَيْضًا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ الْمُرْجِئَةِ ) أَيْ : عَنْ مَقَالَةِ الْمُرْجِئَةِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ : لَمَّا ظَهَرَتِ الْمُرْجِئَةُ أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ . فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ سُؤَالَهُ كَانَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ ظُهُورِهِمْ ، وَكَانَتْ وَفَاةُ أَبِي وَائِلٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بِدْعَةَ الْإِرْجَاءِ قَدِيمَةٌ ، وَقَدْ تَابَعَ أَبَا وَائِلٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ الرَّحْمَنَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُصَحَّحًا ، وَلَفْظُهُ : قِتَالُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ كُفْرٌ ، وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَيْضًا مَرْفُوعًا ، فَانْتَفَتْ بِذَلِكَ دَعْوَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَبَا وَائِلٍ تَفَرَّدَ بِهِ . قَوْلُهُ : ( سِبَابُ ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ ، وهو مَصْدَرٌ يُقَالُ : سَبَّ يَسُبُّ سَبًّا وَسِبَابًا ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : السِّبَابُ أَشَدُّ مِنَ السَّبِّ ، وهو أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ مَا فِيهِ وَمَا لَيْسَ فِيهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ عَيْبَهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : السِّبَابُ هُنَا مِثْلُ الْقِتَالِ فَيَقْتَضِي الْمُفَاعَلَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا فِي بَابِ الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( الْمُسْلِمُ ) كَذَا فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ : الْمُؤْمِنُ ، فَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى . قَوْلُهُ : ( فُسُوقٌ ) الْفِسْقُ فِي اللُّغَةِ الْخُرُوجُ ، وَفِي الشَّرْعِ : الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وهو فِي عُرْفِ الشَّرْعِ أَشَدُّ مِنَ الْعِصْيَانِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ فَفِي الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْحُكْمُ عَلَى مَنْ سَبَّهُ بِغَيْرِ حَقٍّ بِالْفِسْقِ ، وَمُقْتَضَاهُ الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ . وَعُرِفَ مِنْ هَذَا مُطَابَقَةُ جَوَابِ أَبِي وَائِلٍ لِلسُّؤَالِ عَنْهُمْ كَأَنَّهُ قَالَ : كَيْفَ تَكُونُ مَقَالَتُهُمْ حَقًّا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ هَذَا ؟! قَوْلُهُ : ( وَقِتَالُهُ كُفْرٌ ) إِنْ قِيلَ : هَذَا وَإِنْ تَضَمَّنَ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ لَكِنَّ ظَاهِرَهُ يُقَوِّي مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالْمَعَاصِي . فَالْجَوَابُ : إِنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُبْتَدِعِ اقْتَضَتْ ذَلِكَ ، وَلَا مُتَمَسَّكَ لِلْخَوَارِجِ فِيهِ ; لِأَنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْقِتَالُ أَشَدَّ مِنَ السِّبَابِ - لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى إِزْهَاقِ الرُّوحِ - عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ أَشَدَّ مِنْ لَفْظِ الْفِسْقِ ، وهو الْكُفْرُ ، وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْكُفْرِ الَّتِي هِيَ الْخُرُوجُ عَنِ الْمِلَّةِ ، بَلْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ مُبَالَغَةً فِي التَّحْذِيرِ ، مُعْتَمِدًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنَ الْقَوَاعِدِ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُ عَنِ الْمِلَّةَ ، مِثْلُ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ ، وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى ذَلِكَ فِي بَابِ الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ . أَوْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ لِشَبَهِهِ بِهِ ; لِأَنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ مِنْ شَأْنِ الْكَافِرِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ هُنَا الْكُفْرُ اللُّغَوِيُّ ، وهو التَّغْطِيَةُ ; لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُعِينَهُ وَيَنْصُرَهُ وَيَكُفَّ عَنْهُ أَذَاهُ ، فَلَمَّا قَاتَلَهُ كَانَ كَأَنَّهُ غَطَّى عَلَى هَذَا الْحَقِّ ، وَالْأَوَّلَانِ أَلْيَقُ بِمُرَادِ الْمُصَنِّفِ وَأَوْلَى بِالْمَقْصُودِ مِنَ التَّحْذِيرِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ وَالزَّجْرِ عَنْهُ بِخِلَافِ الثَّالِثِ . وَقِيلَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُفْرٌ أَيْ قَدْ يَئُولُ هَذَا الْفِعْلُ بِشُؤْمِهِ إِلَى الْكُفْرِ ، وَهَذَا بَعِيدٌ ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُسْتَحِلِّ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ ، وَلَوْ كَانَ مُرَادًا لَمْ يَحْصُلِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ السِّبَابِ وَالْقِتَالِ ، فَإِنَّ مُسْتَحِلَّ لَعْنِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ يَكْفُرُ أَيْضًا . ثُمَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ . وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْمُحَارِبِينَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ فَفِيهِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةُ ، وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ بَعْدَ قَوْلِهِ : ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ الْآيَةَ . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْأَعْمَالِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكُفْرُ تَغْلِيظًا . وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ : لَعْنُ الْمُسْلِمِ كَقَتْلِهِ فَلَا يُخَالِفُ هَذَا الْحَدِيثَ ; لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ بِهِ فَوْقَ الْمُشَبَّهِ ، وَالْقَدْرُ الَّذِي اشْتَرَكَا فِيهِ بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي التَّأْثِيرِ : هَذَا فِي الْعَرْضِ ، وَهَذَا فِي النَّفْسِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ وَرَدَ لِهَذَا الْمَتْنِ سَبَبٌ ذَكَرْتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْفِتَنِ فِي أَوَاخِرِ الصَّحِيحِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لَا يَشْعُرُ · ص 135 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر · ص 176 فصل قال البخاري : 36 - باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر وقال إبراهيم التيمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا . وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كلهم يخاف النفاق على نفسه ، ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل . ويذكر عن الحسن : ما خافه إلا مؤمن ، ولا أمنه إلا منافق . وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة ؛ لقول الله تعالى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة القائلين بأن المؤمن يقطع لنفسه بكمال الإيمان ، وأن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل ، وأنه لا يخاف على نفسه النفاق العملي ما دام مؤمنا . فذكر عن إبراهيم التيمي أنه قال : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا . وهذا معروف عنه ، وخرجه جعفر الفريابي بإسناد صحيح عنه ، ولفظه ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون كذابا . ومعناه أن المؤمن يصف الإيمان بقوله ، وعمله يقصر عن وصفه ، فيخشى على نفسه أن يكون عمله مكذبا لقوله . كما روي عن حذيفة أنه قال : المنافق الذي يصف الإسلام ، ولا يعمل به . وعن عمر قال : إن أخوف ما أخاف عليكم المنافق العليم ، قالوا : وكيف يكون المنافق عليما ؟ قال : يتكلم بالحكمة ، ويعمل بالجور أو قال بالمنكر . وقال الجعد أبو عثمان : قلت لأبي رجاء العطاردي : هل أدركت من أدركت من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخشون النفاق ؟ قال : نعم ، إني أدركت بحمد الله منهم صدرا حسنا ، نعم شديدا نعم شديدا ، وكان قد أدرك عمر . وممن كان يتعوذ من النفاق ويتخوفه من الصحابة حذيفة ، وأبو الدرداء ، وأبو أيوب الأنصاري . وأما التابعون فكثير ، قال ابن سيرين : ما علي شيء أخوف من هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . وقال أيوب : كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي . وقال معاوية بن قرة : كان عمر يخشاه وآمنه أنا ؟! وكلام الحسن في هذا المعنى كثير جدا ، وكذلك كلام أئمة الإسلام بعدهم . قال زيد بن أبي الزرقاء ، عن سفيان الثوري : خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث : نقول : الإيمان قول وعمل ، وهم يقولون : الإيمان قول ولا عمل . ونقول : الإيمان يزيد وينقص ، وهم يقولون : لا يزيد ولا ينقص . ونحن نقول : النفاق ، وهم يقولون : لا نفاق . وقال أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي : قد خاف عمر على نفسه النفاق ! قال : فقلت للأوزاعي : إنهم يقولون : إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقا حين سأل حذيفة ، لكن خاف أن يبتلى بذلك قبل أن يموت ! قال : هذا قول أهل البدع . وقال الإمام أحمد في رواية ابن هانئ ، وسئل : ما تقول فيمن لا يخاف النفاق على نفسه ؟ فقال : ومن يأمن على نفسه النفاق ؟ وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره من أن النفاق أصغر وأكبر ، فالنفاق الأصغر هو نفاق العمل ، وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم ، وهو باب النفاق الأكبر ، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر في حياته أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية ، كما قال تعالى : فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وقال : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ والأثر الذي ذكره البخاري عن ابن أبي مليكة هو معروف عنه من رواية الصلت بن دينار ، عنه . وفي الصلت ضعف . وفي بعض الروايات عنه عن ابن أبي مليكة قال : أدركت زيادة على خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما مات أحد منهم إلا وهو يخاف النفاق على نفسه . وأما الأثر الذي ذكره عن الحسن فقال : ويذكر عن الحسن قال : ما خافه إلا مؤمن ، ولا أمنه إلا منافق - فهذا مشهور عن الحسن ، صحيح عنه . والعجب من قوله في هذا : ويذكر ، وفي قوله في الذي قبله : وقال ابن أبي مليكة - جزما . قال الإمام أحمد في كتاب الإيمان له : حدثنا مؤمل قال : سمعت حماد بن زيد قال : ثنا أيوب قال : سمعت الحسن يقول : والله ، ما أصبح على وجه الأرض مؤمن ، ولا أمسى على وجهها مؤمن - إلا وهو يخاف النفاق على نفسه ، وما أمن النفاق إلا منافق . حدثنا روح بن عبادة قال : ثنا هشام قال : سمعت الحسن يقول : والله ، ما مضى مؤمن ولا بقي إلا يخاف النفاق ، ولا أمنه إلا منافق . وروى جعفر الفريابي في كتاب صفة المنافق من حديث جعفر بن سليمان ، عن معلى بن زياد قال : سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو : ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن . قال : وكان يقول : من لم يخف النفاق فهو منافق . وعن حبيب بن الشهيد ، عن الحسن قال : إن القوم لما رأوا هذا النفاق يغول الإيمان لم يكن لهم هم غير النفاق . والروايات في هذا المعنى عن الحسن كثيرة . وقول البخاري بعد ذلك : وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة ؛ لقول الله تعالى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . فمراده أن الإصرار على المعاصي وشعب النفاق من غير توبة يخشى منها أن يعاقب صاحبها بسلب الإيمان بالكلية ، وبالوصول إلى النفاق الخالص وإلى سوء الخاتمة ، نعوذ بالله من ذلك ، كما يقال : إن المعاصي بريد الكفر . وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ويل لأقماع القول ، ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ! وأقماع القول الذين آذانهم كالقمع يدخل فيه سماع الحق من جانب ، ويخرج من جانب آخر لا يستقر فيه . وقد وصف الله أهل النار بالإصرار على الكبائر ، فقال : وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ والمراد بالحنث الذنب الموقع في الحنث ، وهو الإثم . وتبويب البخاري لهذا الباب يناسب أن يذكر فيه حبوط الأعمال الصالحة ببعض الذنوب كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ قال الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن موسى قال : ثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد ، عن الحسن قال : ما يرى هؤلاء أن أعمالا تحبط أعمالا ، والله عز وجل يقول : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ إلى قوله : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ . ومما يدل على هذا أيضا قول الله عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى الآية ، وقال : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ الآية . وفي صحيح البخاري أن عمر سأل الناس عنها ، فقالوا : الله أعلم ، فقال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل . قال عمر : لأي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل . قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله ، ثم يبعث الله إليه الشيطان ، فيعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله . وقال عطاء الخراساني : هو الرجل يختم له بشرك أو عمل كبيرة ، فيحبط عمله كله . وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من ترك صلاة العصر حبط عمله . وفي الصحيح أيضا إن رجلا قال : والله ، لا يغفر الله لفلان ! فقال الله : من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان ؟ قد غفرت لفلان ، وأحبطت عملك ! وقالت عائشة : أبلغي زيدا أنه أحبط جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن يتوب ! وهذا يدل على أن بعض السيئات تحبط بعض الحسنات ، ثم تعود بالتوبة منها . وخرج ابن أبي حاتم في تفسيره من رواية أبي جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية قال : كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرون أنه لا يضر مع الإخلاص ذنب ، كما لا ينفع مع الشرك عمل صالح ، فأنزل الله عز وجل يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ فخافوا الكبائر بعد أن تحبط الأعمال . وبإسناده عن الحسن في قوله : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ قال : بالمعاصي . وعن معمر ، عن الزهري في قوله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ قال : بالكبائر . وبإسناده عن قتادة في هذه الآية قال : من استطاع منكم أن لا يبطل عملا صالحا عمله بعمل سيئ فليفعل ، ولا قوة إلا بالله ؛ فإن الخير ينسخ الشر ، وإن الشر ينسخ الخير ، وإن ملاك الأعمال خواتيمها . وعن السدي قال في هذه الآية : يقول : لا تعصوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يأمركم به من القتال ، فتبطل حسناتكم . وعن مقاتل بن حيان قال : بلغنا أنها نزلت ، فشقت على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم – وهم يومئذ يرون أنه ليس شيء من حسناتهم إلا هي مقبولة . فلما نزلت هذه الآية قال أبو بكر : ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فبلغني - والله أعلم - أنهم ذكروا الكبائر التي وجبت لأهلها النار ، حتى جاءت الآية الأخرى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ فقال ابن عمر : لما جاءت هذه الآية كففنا عن القول في ذلك ، ورددنا إلى الله عز وجل ، وكنا نخاف على من ركب الكبائر والفواحش أنها تهلكه . والآثار عن السلف في حبوط الأعمال بالكبيرة كثيرة جدا يطول استقصاؤها . حتى قال حذيفة : قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة . وخرجه البزار عنه مرفوعا . وعن عطاء قال : إن الرجل ليتكلم في غضبه بكلمة يهدم بها عمل ستين سنة أو سبعين سنة . وقال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد ، عنه : ما يؤمن أحدكم أن ينظر النظرة ، فيحبط عمله . وأما من زعم أن القول بإحباط الحسنات بالسيئات قول الخوارج والمعتزلة خاصة - فقد أبطل فيما قال ، ولم يقف على أقوال السلف الصالح في ذلك . نعم ، المعتزلة والخوارج أبطلوا بالكبيرة الإيمان كله ، وخلدوا بها في النار ، وهذا هو القول الباطل الذي تفردوا به في ذلك .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر · ص 184 ثم خرج البخاري في هذا الباب حديثين : أحدهما : 48 - حديث شعبة ، عن زبيد قال : سألت أبا وائل عن المرجئة ، فقال : حدثني عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : سباب المسلم فسوق ، وقتاله كفر . فهذا الحديث رد به أبو وائل على المرجئة الذين لا يدخلون الأعمال في الإيمان ؛ فإن الحديث يدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا وهو قتال المسلمين ، فدل على أن بعض الأعمال يسمى كفرا ، وبعضها يسمى إيمانا . وقد اتهم بعض فقهاء المرجئة أبا وائل في رواية هذا الحديث . وأما أبو وائل فليس بمتهم ، بل هو الثقة العدل المأمون . وقد رواه معه عن ابن مسعود أيضا أبو عمرو الشيباني ، وأبو الأحوص ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ، لكن فيهم من وقفه . ورواه أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن أبي وقاص ، وغيره . ومثل هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . وقد سبق القول في تسمية بعض الأعمال كفرا وإيمانا مستوفى في مواضع . قال أبو الفرج زين الدين ابن رجب : وقد ظهر لي في القرآن شاهد لتسمية القتال كفرا ، وهو قوله تعالى مخاطبا لأهل الكتاب : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ والمعنى أن الله حرم على أهل الكتاب أن يقتل بعضهم بعضا ، أو يخرج بعضهم بعضا من داره ، وكان اليهود حلفاء الأوس والخزرج بين المدينة ، فكان إذا وقع بين الأوس أو الخزرج وبين اليهود قتال ساعد كل فريق من اليهود بحلافه من الأوس والخزرج على أعدائهم ، فقتلوهم معهم وأخرجوهم معهم من ديارهم بعد أن حرم عليهم ذلك في كتابهم وأقروا به وشهدوا به . ثم بعد أن يؤسر أولئك اليهود يفدوهم هؤلاء الذين قاتلوهم امتثالا لما أمروا به في كتابهم من افتداء الأسرى منهم . فسمى الله عز وجل فعلهم للافتداء لإخوانهم إيمانا بالكتاب ، وسمى قتلهم وإخراجهم من ديارهم كفرا بالكتاب . فدلت هذه الآية على أن القتال والإخراج من الديار إذا كان محرما يسمى كفرا ، وعلى أن فعل بعض الطاعات يسمى إيمانا ؛ لأنه سمى افتداءهم للأسارى إيمانا . وهذا حسن جدا ، ولم أر أحدا من المفسرين تعرض له ، ولله الحمد والمنة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر · ص 274 ( باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ) الكلام فيه على أنواع ، الأول أن قوله : "باب" مرفوع مضاف إلى ما بعده تقديره هذا باب في بيان خوف المؤمن من أن يحبط عمله ، وكلمة أن مصدرية تقديره : من حبط عمله ، وليس في بعض النسخ كلمة "من" ، وهي وإن لم تكن موجودة لكنها مقدرة إذ المعنى عليها ، قوله : "يحبط" على صيغة المعلوم من حبط عمله يحبط حبطا وحبوطا من باب علم يعلم ، وقال أبو زيد : حبط بالفتح ، وقرئ : "فقد حبط عمله" بفتح الباء وهو البطلان ، قال الكرماني : فإن قلت : القول بإحباط المعاصي للطاعات من قواعد الاعتزال ، فما وجه قول البخاري هذا ؟ قلت : هذا الإحباط ليس بذاك لأن المراد به الإحباط بالكفر أو بعدم الإخلاص ونحوه ، وقال النووي : المراد بالحبط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعل عالما بأنه يوجب الكفر ، قلت : فيه نظر لأن الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر ، وبالفعل الموجب للكفر ، وإن لم يعلم أنه كفر ، قوله : "يحبط عمله" المراد ثواب عمله فالمضاف فيه محذوف ، قوله : "وهو لا يشعر" جملة اسمية وقعت حالا من شعر يشعر من باب نصر ينصر ، وفي العباب : شعرت بالشيء بالفتح أشعر به بالضم شعرا وشعرة وشعرى بالكسر فيهن وشعرة بالفتح ، وشعورا ومشعورا ومشعورة علمت به ، وفطنت له ، ومنه قولهم : ليت شعري ، الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو أن حصول الثواب بالقيراطين أو بقيراط الذي هو مثل جبل أحد إنما يحصل إذا كان عمله احتسابا خالصا لله تعالى ، وفي هذا الباب ما يشير إلى أنه قد يعرض للعامل ما يحبط عمله فيحرم بسببه الثواب الموعود وهو لا يشعر ، وفي نفس الأمر ذكر هذا الباب استطرادي لأجل التنبيه على ما ذكرنا ، وإلا كان المناسب أن يذكر عقيب الباب السابق باب أداء الخمس من الإيمان ، لأن الأبواب المعقودة هاهنا في بيان شعب الإيمان ، الثالث : ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم : إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي ، ممن قال : لا إله إلا الله ولا يحبط شيء من أعماله بشيء من الذنوب ، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء ، فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين ، وما نقلوه عن الصحابة رضي الله عنهم وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه ، وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من عذاب الله تعالى وقال القاضي عياض : المرجئة أضداد الخوارج والمعتزلة ، الخوارج تكفر بالذنوب ، والمعتزلة يفسقون بها ، وكلهم يوجب الخلود في النار ، والمرجئة تقول : لا تضر الذنوب مع الإيمان ، وغلاتهم تقول : يكفي التصديق بالقلب وحده ، ولا يضر عدم غيره ، ومنهم من يقول : يكفي التصديق بالقلب والإقرار باللسان ، وقال غيره : إن من المرجئة من وافق القدرية كالصالحي والخالدي ، ومنهم من قال بالإرجاء دون القدر وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضا ، والمرجئة بضم الميم وكسر الجيم وبهمزة مشتق من الإرجاء ، وهو التأخير ، وقوله تعالى : "أرجئه وأخاه" أي أخره ، والمرجئ من يؤخر العمل عن الإيمان والنية والقصد ، وقيل : من الرجاء لأنهم يقولون : لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة ، وقيل : مأخوذ من الإرجاء بمعنى تأخير حكم الكبيرة فلا يقضى لها بحكم في الدنيا . وقال إبراهيم التيمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا . الكلام فيه على وجوه ، الأول : أن إبراهيم هو ابن زيد بن شريك التيمي تيم الرباب أبو أسماء الكوفي قيل : قتله الحجاج بن يوسف ، وقيل : مات في سجنه لما طلب الإمام إبراهيم النخعي فوقع الرسول بإبراهيم التيمي فأخذه وحبسه ، فقيل له : ليس إياك أراد ، فقال : أكره أن أدفع عن نفسي وأكون سببا لحبس رجل مسلم بريء الساحة فصبر في السجن حتى مات قال يحيى : هو ثقة مرجئ ، ومن غرائبه ما روى عن الأعمش عن إبراهيم التيمي قال : إني لأمكث ثلاثين يوما لا آكل ، ومات سنة اثنتين وتسعين ، روى له الجماعة ، وتيم الرباب بكسر الراء قال الحازمي : تيم الرباب وهو تيم بن عبد مناة بن ود بن طابخة ، وقال معمر بن المثنى : تيم الرباب ثور وعدي وعكل ومزينة بنو عبد مناة وضبة بن ود قيل : سموا به لأنهم غمسوا أيديهم في رب ، وتحالفوا عليه هذا قول ابن الكلبي ، وقال غيره : سموا به لأنهم ترببوا أي تحالفوا على بني سعد بن زيد ، قلت : الرب بضم الراء وتشديد الباء الموحدة الطلاء الخاثر ، الثاني : أن قول إبراهيم هذا رواه أبو قاسم اللالكائي في سننه بسند جيد عن القاسم بن جعفر ، أنبأنا محمد بن أحمد بن حماد ، حدثنا العباس بن عبد الله ، حدثنا محمد بن يوسف ، عن سفيان ، عن أبي حيان ، عن إبراهيم به ، ورواه البخاري في تاريخه ، عن أبي نعيم ، وأحمد بن حنبل في الزهد ، كلاهما عن سفيان الثوري ، عن أبي حيان التيمي ، عن إبراهيم التيمي به ، الثالثة : مطابقة هذا للترجمة من حيث إنه كان يخاف أن يكون مكذبا في قوله : "إنه مؤمن" لتقصيره في العمل فيحرم بذلك الثواب وهو لا يشعر ، الرابع : في معناه قوله : "مكذبا" روي بفتح الذال بمعنى خشيت أن يكذبني من رأى عملي مخالفا لقولي فيقول : لو كنت صادقا ما فعلت خلاف ما تقول ، وإنما قال ذلك لأنه كان يعظ الناس ، وروي بكسر الذال ، وهي رواية الأكثرين ومعناه أنه لم يبلغ غاية العمل وقد ذم الله تعالى من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وقصر في العمل فقال : كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ فخشي أن يكون مكذبا أي مشابها للمكذبين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر · ص 275 وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول : إنه على إيمان جبريل وميكائيل . الكلام فيه أيضا على وجوه الأول : أن ابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بتكبير الابن وتصغير الأب ، واسم أبي مليكة بضم الميم زهير بن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن تيم بن مرة القرشي التيمي المكي الأحول كان قاضيا لابن الزبير ومؤذنا اتفق على جلالته سمع العبادلة الأربعة ، وعائشة وأختها أسماء ، وأم سلمة ، وأبا هريرة ، وعقبة بن الحارث ، والمسور بن مخرمة ، وأدرك بالسن جماعة ، ولم يسمع منهم كعلي بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ، مات سنة سبع عشرة ومائة ، روى له الجماعة ، الثاني : أن قوله هذا أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه موصولا من غير بيان العدد ، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الإيمان له مطولا ، الثالث : في معناه فقوله : كلهم يخاف النفاق أي حصول النفاق في الخاتمة ، على نفسه إذ الخوف إنما يكون عن أمر في الاستقبال ، وما منهم من أحد يجزم بعدم عروض النفاق كما هو جازم في إيمان جبريل عليه السلام بأنه لا يعرضه النفاق هكذا فسره الكرماني ، وتبعه بعضهم على هذا المعنى ، وليس المعنى هكذا ، وإنما المعنى أنهم كلهم كانوا على حذر وخوف من أن يخالط إيمانهم النفاق ، ومع هذا لم يكن منهم أحد يقول : إن إيمانه كإيمان جبريل عليه السلام لأن جبريل معصوم لا يطرأ عليه الخوف من النفاق ، بخلاف هؤلاء فإنهم غير معصومين ، فإن قلت : روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مرفوعا : من شهد لا إله إلا الله وأني رسول الله كان مؤمنا كإيمان جبريل عليه السلام ، قلت : ذكره أبو سعيد النقاش في الموضوعات ، وقال ابن بطال : لما طالت أعمارهم حتى رأوا ما لم يقدروا على إنكاره خشوا على أنفسهم أن يكونوا في حيز من نافق أو داهن ، ويقال : عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي عليه السلام عن قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ فقال : هم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون ويفرقون أن لا يتقبل منهم ، وقال بعض السلف في قوله تعالى : وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ أعمال كانوا يحتسبونها حسنات بدت سيئات ، وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون قوله : وما منهم إشارة إلى مسألة زائدة استفادها من أحوالهم أيضا وهي أنهم كانوا قائلين بزيادة الإيمان ونقصانه ، قلت : لا يفهم ذلك من حالهم ، وإنما الذي يفهم من حالهم أنهم كانوا خائفين سوء الخاتمة لعدم العصمة ، ويؤيد ذلك ما روي عن عائشة وبعض السلف .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر · ص 276 ويذكر عن الحسن ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق . الحسن هو البصري رحمه الله ، أي ما خاف الله تعالى إلا مؤمن ، ولا أمن الله تعالى إلا منافق ، وكل واحد من خاف وأمن يتعدى بنفسه ، قال تعالى : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وقال الجوهري : أمنته على كذا وائتمنته بمعنى ، وقال تعالى : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ وقال : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ وقال الكرماني : ما خافه أي ما خاف من الله تعالى فحذف الجار ، وأوصل الفعل إليه ، وكذا في أمنه إذ معناه أمن منه وأمنه بفتح الهمزة وكسر الميم ، قلت : إذا كان الفعل متعديا بنفسه فلا يحتاج إلى تقدير حرف يوصل به الفعل إلا في موضع يحتاج فيه إلى تضمين معنى فعل بمعنى فعل آخر ، وهاهنا ليس كذلك ، وقال بعضهم عقب كلام الكرماني بعد نقله هذا الكلام : وإن كان صحيحا لكنه خلاف مراد المصنف ، ومن نقل عنه ، قلت : وأثر الحسن هذا أخرجه الفريابي عن قتيبة ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن المعلى بن زياد : سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ، ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن ، وكان يقول : من لم يخف النفاق فهو منافق ، قال : وحدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن الحسن : والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه ، وحدثنا عبد الأعلى بن حماد ، وحدثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد أن الحسن كان يقول : إن القوم لما رأوا هذا النفاق يقول الإنسان : لم يكن لهم هم غير النفاق ، وحدثنا هشام بن عمار ، حدثنا أسد بن موسى ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن : لما ذكر أن النفاق يغول الإيمان لم يكن شيء أخوف عندهم منه ، وحدثنا هشام ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا محمد بن سليمان قال : سأل أبان عن الحسن فقال : نخاف النفاق ، قال : وما يؤمنني وقد خافه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وحدثنا شيبان ، قال : حدثنا ابن الأشهب عن طريف قال : قلت للحسن رضي الله عنه : إن ناسا يزعمون أن لا نفاق أو لا يخافون - شك أبو الأشهب - فقال : والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبا ، وقال أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا هشام ، سمعت الحسن يقول : والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق ، وما أمنه إلا منافق ، فإن قلت : هذه الآثار الثلاثة صحيحة عند البخاري ، فلم ذكر الأولين بلفظ قال التي هي صيغة الجزم بالصحة ، وذكر الثالث بلفظ يذكر على صيغة المجهول التي هي صيغة التمريض ؟ قلت : لما نقل الأثرين الأولين بمثل ما نقل عن إبراهيم التيمي ، وابن أبي مليكة من غير تغيير ذكرهما بصيغة الجزم بالصحة ، ونقل أثر الحسن بالمعنى على وجه الاختصار ، فلذلك ذكره بصيغة التمريض وصيغة التمريض لا تختص عنده بضعف الإسناد وحده ، بل إذا وقع التغيير من حيث النقل بالمعنى أو من حيث الاختصار يذكره بصيغة التمريض ، وهذا هو التحقيق في مثل هذا الموضع ، وليس مثل ما ذكره الكرماني بقوله : قلت ، ليشعر بأن قولهما ثابت عنده صحيح الإسناد ، لأن قال هو صيغة الجزم وصريح الحكم بأنه صدر منه ، ومثله يسمى تعليقا بصيغة التصحيح بخلاف يذكر فإنه لا جزم فيه فيعلم أن فيه ضعفا ، ومثله تعليق بصيغة التمريض . وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ هذا عطف على قوله : خوف المؤمن والتقدير باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله ، وخوف التحذير من الإصرار على النفاق ، وكلمة ما مصدرية ، ويحذر على صيغة المجهول بتخفيف الذال وتشديدها ، والجملة محلها من الإعراب الجر لأنها عطف على المجرور كما قلنا ، وآثار إبراهيم التيمي وابن أبي مليكة والحسن البصري معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه فإن قلت : فلم أوقعها معترضة ؟ قلت : لأنه عقد الباب على ترجمتين الأولى الخوف من حبط العمل ، والثانية الحذر من الإصرار على النفاق ، وذكر فيه ثلاثة من الآثار ، وآية من القرآن ، وحديثين مرفوعين ، ولما كانت الآثار الثلاثة متعلقة بالترجمة الأولى ذكرها عقيبها ، والآية وأحد الحديثين وهو حديث عبد الله متعلقان بالترجمة الثانية ذكرهما عقيبها ، وأما الحديث الآخر وهو حديث عبادة فإنه يتعلق بالترجمة الأولى أيضا على ما نذكره ، وهذا فيه صيغة اللف والنشر غير مرتب ، والترجمة الثانية في الرد على المرجئة لأنهم قالوا : لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان ، وذكر البخاري الآية ردا عليهم لأنها في مدح من استغفر من ذنبه ولم يصر عليه ، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك ، وكأنه لمح في ذلك حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا أخرجه أحمد في مسنده بإسناد حسن قال : ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ، أي يعلمون أن من تاب تاب الله عليه ، ثم لا يستغفرون ، قاله مجاهد وغيره ، وحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعا أخرجه الترمذي بإسناد حسن : ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ، والآية المذكورة في سورة آل عمران وهي : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ يفهم من الآية أنهم إذا لم يستغفروا أي لم يتوبوا وأصروا على ذنوبهم يكونون محل الحذر والخوف ، وقال الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فضمها إلى نفسه ، وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكر له ذلك ، فنزلت هذه الآية ، وفي رواية الكلبي : أن رجلين أنصاريا وثقيفيا آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بينهما فكانا لا يفترقان ، قال : فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض مغازيه ، وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته ، وكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر أمراته ضاحية قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها ، فوقعت في نفسه ، فدخل عليها ، ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها ، فوضعت كفها على وجهها ، فقبل ظاهر كفها ، ثم ندم واستحيى ، وأدبر راجعا ، فقالت : سبحان الله ، خنت أمانتك وعصيت ربك ، ولم تصب حاجتك ، قال : فندم على صنعه ، فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي ، فأخبرته امرأته بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه ، فوافقه ساجدا لله عز وجل ، وهو يقول : رب ذنبي ذنبي ، قد خنت أخي ، فقال له يا فلان : قم فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك ، لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجا وتوبة ، فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة ، وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه الصلاة والسلام بتوبته فتلاها على رسول الله عليه الصلاة والسلام : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ إلى قوله : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ فقال علي رضي الله عنه : أخاص هذا لهذا الرجل أم للناس عامة ؟ قال : بل للناس عامة في التوبة ، قال : الحمد لله رب العالمين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر · ص 277 1- حدثنا محمد بن عرعرة ، قال : حدثنا شعبة ، عن زبيد ، قال : سألت أبا وائل عن المرجئة ، فقال : حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر . قد قلنا آنفا : إن حديث عبد الله هذا للترجمة الثانية ، وهي قوله : وما يحذر عن الإصرار إلى آخره ، فإن قلت : كيف مطابقته على الترجمة ؟ قلت : لما دل الحديث على إبطال قول المرجئة القائلين بعدم تفسيق مرتكبي الكبائر وعدم جعل السباب فسوقا ، وعدم مقاتلة المسلم كفرانا لحقه طابق قوله : وما يحذر عن الإصرار إلى آخره . ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول : أبو عبد الله محمد بن عرعرة بالعينين المهملتين والراء المكررة غير منصرف للعلمية والتأنيث ابن البرند بكسر الباء الموحدة والراء المكسورة ويقال بفتحهما وسكون النون وفي آخره دال مهملة ، وكأنه فارسي معرب ابن النعمان القرشي السامي بالسين المهملة نسبة إلى سامة بن لؤي بن غالب البصري مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن خمس وسبعين سنة قال الشيخ قطب الدين : انفرد به البخاري عن مسلم ، قلت : ليس كذلك ، فإن مسلما روى له معه ، وكذا أبو داود روى له نبه عليه الحافظ المزي ، واقتصر صاحب الكمال على أبي داود ، الثاني شعبة بن الحجاج وقد مر ذكره ، الثالث : زبيد بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة ابن الحارث بن عبد الكريم أبو عبد الرحمن ، ويقال له : أبو عبد الله اليامي بالياء آخر الحروف جد للقبيلة بطن من همدان ويقال : الإيامي أيضا الكوفي ، روى عن أبي وائل ، وجمع من التابعين ، وعنه الأعمش وغيره من التابعين ، وجلالته متفق عليها ، وكان من العباد المتنسكين ، قال البخاري : مات سنة اثنتين وعشرين ومائة ، وليس في الصحيحين زبيد بالضبط المذكور إلا هذا ، وأما زبيد بضم الزاي وباليائين باثنتين من تحت أبي الصلت فمذكور في الموطأ ، وليس له ذكر في الكتابين ، الرابع : أبو وائل بالهمزة بعد الألف شقيق بن سلمة الأسدي أسد خزيمة كوفي تابعي أدرك زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وقال : أدركت سبع سنين من سني الجاهلية ، وقال : كنت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن عشر سنين أرعى إبلا لأهلي ، وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليا وابن مسعود وعمارا وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ، وعنه خلق من التابعين ، وغيرهم ، وأجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه ، وهو من أجل أصحاب ابن مسعود ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يثني عليه ، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ ، وقال أبو سعيد بن صالح : كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مائة وخمسين سنة ، روى له الجماعة ، الخامس : عبد الله بن مسعود ، وقد تقدم . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصورة الجمع وصورة الإفراد والسؤال والعنعنة ، ومنها أن رجاله ما بين بصري وواسطي وكوفي ومنها أنهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه هنا عن محمد بن عرعرة عن شعبة ، وفي الأدب عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، وأخرجه مسلم في الإيمان أيضا عن محمد بن بكار بن الريان ، وعون بن سالم كلاهما عن محمد بن طلحة ، وعن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة ، وعن محمد بن المثنى ، عن عبد الرحمن ، عن سفيان ثلاثتهم عنه به ، وأخرجه الترمذي في البر عن محمود بن غيلان ، عن وكيع ، عن سفيان به ، وقال فيه : قال زبيد : قلت لأبي وائل : أنت سمعته من عبد الله ؟ قال : نعم ؟ وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمود بن غيلان به ، وعن عمر بن علي ، عن ابن أبي عدي ، وعن محمود بن غيلان ، عن أبي داود كلاهما عن شعبة به ، وعن قتيبة ، عن جرير به موقوفا . ( بيان اللغة ) قوله : عن المرجئة أي الفرقة الملقبة بالمرجئة ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، قوله : سباب المسلم بكسر السين وتخفيف الباء بمعنى السب ، وهو الشتم وهو التكلم في عرض الإنسان بما يعيبه ، وقال بعضهم : هو مصدر يقال : سب يسب سبا وسبابا ، قلت : هذا ليس بمصدر سب يسب وإنما هو اسم بمعنى السب كما قلنا ، أو مصدر من باب المفاعلة ، وفي المطالع السباب المشاتمة ، وهي من السب وهو القطع ، وقيل : من السبة وهي حلقة الدبر كأنها على القول الأول قطع المسبوب عن الخير والفضل وعلى الثاني كشف العورة وما ينبغي أن يستتر ، وفي ( العباب ) التركيب يدل على القطع ثم اشتق منه الشتم ، وقال إبراهيم الحربي : السباب أشد من السب ، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه ، قلت : هذا أيضا يصرح بأن السباب ليس بمصدر فافهم ، قوله : فسوق مصدر ، وفي ( العباب ) : الفسق الفجور ، يقال : فسق يفسق ويفسق أيضا عن الأخفش فسقا وفسوقا أي فجر ، وقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ أي خروج عن الحق يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ومنه قوله تعالى : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عن طاعة ربه ، وقال الليث : الفسق الترك لأمر الله تعالى ، وكذلك الميل إلى المعصية ، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها على الناس ، وقال أبو عبيدة : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي جاز عن طاعته ، وقال أبو الهيثم : الفسوق يكون الشرك ويكون الإثم ، قوله : وقتاله أي مقاتلته ، ويحتمل أن يكون معناها المخاصمة ، والعرب تسمي المخاصمة مقاتلة . ( بيان الإعراب ) قوله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أصله بأن النبي إلى آخره ، وقوله : قال جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ، قوله : سباب المسلم كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : فسوق خبره ، فإن قلت : هذا إضافة إلى الفاعل أو المفعول ؟ قلت : بل إضافة إلى المفعول ، قوله : وقتاله كذلك إضافته إلى المفعول ، وارتفاعه بالابتداء وخبره كفر . ( بيان المعاني ) قوله : عن المرجئة معناه سألت أبا وائل عن الطائفة المرجئة هل هم مصيبون في مقالتهم ، ومخطئون ؟ ولهذا قال أبو وائل في جوابه لزبيد بن الحارث : حدثني عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ، يعني أنهم مخطئون لأنهم لا يجعلون سباب المسلم فسوقا ، ولا قتاله كفرا في حق المسلم ، ولا يفسقون مرتكبي الذنوب ، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بخلاف ما ذهبوا إليه ، فدل ذلك على كونهم على خطأ وضلال ، وبهذا التقدير الذي قدرناه يطابق جواب أبي وائل سؤال زبيد ، وقال بعضهم في التقدير : أي عن مقالة المرجئة ، وهذا لا يصح لأن على هذا التقدير لا يطابق الجواب السؤال فإن قلت : في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد قال : لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك له فدل هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم ، وأن ذلك كان حين ظهورهم ، قلت : لا نسلم هذه الدلالة بل الذي يدل على أنه وقف على مقالتهم حتى سأل أبا وائل هل هي صحيحة أو باطلة ، فإن قلت : هذا الحديث وإن تضمن الرد على المرجئة لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذي يكفرون بالمعاصي ، قلت : لا نسلم ذلك لأنه لم يرد بقوله : وقتاله كفر حقيقة الكفر التي هي خروج عن الملة ، بل إنما أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير ، والإجماع من أهل السنة منعقد على أن المؤمن لا يكفر بالقتال ، ولا بفعل معصية أخرى ، وقال ابن بطال ليس المراد بالكفر الخروج عن الملة بل كفران حقوق المسلمين ، لأن الله تعالى جعلهم إخوة وأمر بالإصلاح بينهم ونهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن التقاطع والمقاتلة ، فأخبر أن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه المسلم ، ويقال : أطلق عليه الكفر لشبهه به لأن قتال المسلم من شأن الكافر ، ويقال : المراد به الكفر اللغوي ، وهو الستر لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه ، فلما قاتله كأنه كشف عنه هذا الستر ، وقال الكرماني : المراد أنه يؤول إلى الكفر لشؤمه أو أنه كفعل الكفار ، وقال الخطابي : المراد به الكفر بالله تعالى ، فإن ذلك في حق من فعله مستحلا بلا موجب ، ولا تأويل ، أما المؤول فلا يكفر ولا يفسق بذلك كالبغاة الخارجين على الإمام بالتأويل ، وقال بعضهم فيما قاله الكرماني بعد وما قاله الخطابي أبعد منه ثم قال : لأنه لا يطابق الترجمة ، ولو كان مرادا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال ، فإن مستحلا لعن المسلم بغير تأويل كفر أيضا ، قلت : إذا كان اللفظ محتملا لتأويلات كثيرة هل يلزم منه أن يكون جميعها مطابقا للترجمة فمن ادعى هذه الملازمة فعليه البيان ، فإذا وافق أحد التأويلات للترجمة فإنه يكفي للتطابق ، وقوله : ولو كان مرادا لم يحصل التفريق إلخ غير مسلم ، لأنه تخصيص الشق الثاني بالتأويل لكونه مشكلا بحسب الظاهر ، والشق الأول لا يحتاج إلى التأويل لكون ظاهره غير مشكل ، فإن قلت : جاء في رواية مسلم : لعن المسلم كقتله ، قلت : التشبيه لا عموم له ، ووجه التشبيه هو حصول الأذى بوجهين أحدهما في العرض ، والآخر في النفس ، فإن قلت : السباب والقتال كلاهما على السواء في أن فاعلهما يفسق ولا يكفر ، فلم قال في الأول : فسوق ، وفي الثاني : كفر ؟ قلنا : لأن الثاني أغلظ أو لأنه بأخلاق الكفار أشبه .