567 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نهيه رسله إلى الكفار في قتالهم أن ينزلوا أهل حصن من الحصون التي يحاصرونها على حكم الله عز وجل . 4109 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثني الليث بن سعد ، قال : حدثني جرير بن حازم ، عن شعبة بن الحجاج ، عن علقمة بن مرثد الحضرمي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيما يأمر الرجل إذا ولاه على السرية : إن أنت حاصرت أهل حصن ، فأرادوا أن تنزلهم على حكم الله عز وجل فلا تنزلهم على حكم الله ؛ فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله عز وجل . 4110 - وحدثنا فهد ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح . وحدثنا روح بن الفرج ، قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال كل واحد منهما : حدثني الليث بن سعد ، ثم ذكر بإسناده مثله . قال أبو جعفر : ففي هذا الحديث نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله أن ينزلوا الكفار على حكم الله ، وإعلامه إياهم بالسبب الذي منعهم من ذلك من أجله ، وهو أنهم لا يدرون أيصيبون حكم الله فيهم أم لا يصيبونه ، ولم نجد في حديث جرير ، عن شعبة ، عن علقمة في هذا المعنى من هذا الحديث زيادة على ما ذكرناه عنه فيه ، وقد وجدنا في أحاديث غيره عن شعبة زيادة على ذلك . 4111 - حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرني أحمد بن حفص ابن عبد الله ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني إبراهيم بن طهمان ، عن شعبة بن الحجاج . ثم ذكر بإسناده مثله ، وزاد : ولكن أنزلهم على حكمك . 4112 - وكما حدثنا أحمد ، قال : أخبرنا محمود بن غيلان ، قال : حدثنا عبد الصمد - يعني ابن عبد الوارث - ، قال : حدثنا شعبة ، ثم ذكر بإسناده مثله ، ووافق إبراهيم على الزيادة التي زادها على جرير في حديثه . ثم طلبنا في هذا الحديث من غير حديث شعبة هذه الزيادة ، فوجدنا غير واحد رواه عن علقمة بهذه الزيادة . منهم أبو حنيفة . 4113 - كما حدثنا جعفر بن أحمد بن الوليد الأسلمي ، قال : أخبرنا بشر بن الوليد ، قال : سمعت أبا يوسف ، قال : أخبرنا أبو حنيفة ، عن علقمة بن مرثد ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وفيه الزيادة التي زيدت على جرير . ومنهم سفيان بن سعيد الثوري . 4114 - كما حدثنا أبو غسان مالك بن يحيى الهمداني ، قال : حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم ، قال : حدثنا الأشجعي ، عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد الحضرمي ، عن سليمان بن بريدة الأسلمي ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله ، وفيه ذكر تلك الزيادة . 4115 - وكما حدثنا أبو بشر عبد الملك بن مروان الرقي ، قال : حدثنا الفريابي ، قال : حدثنا سفيان بن سعيد ، عن علقمة ، عن ابن بريدة ، عن أبيه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله ، وفيه تلك الزيادة . قال علقمة : فحدثت به مقاتل بن حيان ، قال : حدثني مسلم بن هيصم ، عن النعمان بن مقرن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . قال أبو جعفر : ولم نجد هذه الزيادة في حديث أحد من أصحاب الثوري غير الفريابي ، وغير إسحاق بن يوسف الأزرق . 4116 - أخبرنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام ، قال : حدثنا إسحاق الأزرق ، عن سفيان ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وفيه : وإن أنت حاصرت أهل حصن ، فسألوك أن تنزلهم على حكم الله عز وجل ، فلا تنزلهم على حكم الله ، ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أو لا . وفيه : قال علقمة : فحدثت بهذا الحديث مقاتل بن حيان ، فقال : حدثني مسلم بن هيصم ، عن النعمان بن مقرن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . قال أبو جعفر : فصارت هذه الزيادة في هذا الحديث التي ترجع إلى النعمان بن مقرن ، عن الفريابي ، وعن إسحاق بن يوسف جميعا ، عن الثوري . ومنهم إدريس الأودي . 4117 - كما حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : أخبرنا أحمد بن سليمان الرهاوي ، قال : حدثنا يعلى بن عبيد ، قال : حدثنا إدريس الأودي ، عن علقمة ، عن سليمان بن بريدة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وفيه ذكر الزيادة التي زيدت على جرير ، عن شعبة ، وليس فيه ذكر علقمة إياه لمقاتل بن حيان إلى آخر الحديث . ثم نظرنا في هذه الزيادة التي زادها الفريابي ، وإسحاق بن يوسف التي ترجع إلى النعمان بن مقرن : هل نجدها في حديث غير الثوري عن علقمة أم لا ؟ 4118 - فوجدنا محمد بن علي بن زيد المكي الصائغ قد حدثنا ، قال : حدثنا أحمد بن عمر العلاف ، قال : حدثنا جرير - يعني ابن عبد الحميد - ، عن حمزة الزيات ، عن علقمة بن مرثد ، عن سليمان بن بريدة ، عن مسلم بن هيصم العبدي ، عن النعمان بن مقرن المزني ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله ، وفيه ذكر الزيادة التي زيدت على جرير ، عن شعبة . غير أن حمزة والثوري اختلفا في الذي يحدث بهذا الحديث عن مسلم بن هيصم ، فقال حمزة في حديثه عن علقمة ، عن سليمان بن بريدة ، عن مسلم بن هيصم ، فصار المحدث به في هذا الحديث عن مسلم بن هيصم ، هو سليمان بن بريدة . وقال الثوري في حديثه : قال علقمة : فحدثت به مقاتل بن حيان ، ثم ذكر الحديث ، فصار الحديث عن علقمة ، عن مقاتل ، عن مسلم بن هيصم ، عن النعمان . والله أعلم بالصواب في ذلك ما هو . قال أبو جعفر : فتأملنا هذه الآثار فوقفنا على نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله أن ينزلوا أحدا من أهل الحصون على حكم الله فيهم إن سألوهم ذلك ، وإعلامه إياهم أن نهيه إياهم عن ذلك إنما هو لأنهم لا يدرون ما حكم الله عز وجل فيهم ، ووجدنا في أكثرها إطلاقه لهم أن ينزلوهم على حكمهم ، فعقلنا بذلك أن أحكام الله عز وجل في الأشياء التي لم نعلمها بأنها مسطورة أنزلها في كتابه ، أو سنة مأثورة أجراها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، أو بإجماع من الأمة على حكم الله عز وجل في ذلك ، إذا كانوا لا يجتمعون إلا من حيث لهم أن يجمعوا على ما يجمعون عليه من ذلك ، وإذ كان الله لا يجمعهم على ضلالة إذا عدمناها ، إذ كنا لم نكلفها ، ولم نتعبد بها ؛ لأن الله عز وجل لم يكلفنا ما لا نطيق ، ولم يتعبدنا بما نحن عنه عاجزون أن نرجع في الحوادث التي تحدث إلى اجتهادنا فيها ، وإلى طلب ما يؤدينا إليه اجتهادنا فيها بعد أن نكون من أهل الآلات التي لأهلها الاجتهاد في طلب مثل هذا ، فإذا أدانا ذلك إلى معنى - ونحن كذلك - وسعنا العمل به ، وإن كنا لا ندري هل هو عند الله عز وجل على ما أدانا إليه اجتهادنا فيه أم لا ، وعقلنا بذلك أن المفروض علينا في ذلك هو الاجتهاد الذي قد يدرك به الصواب فيه ، وقد يقصر عنه ، لا إصابة الصواب فيه بعينه . ومثل ذلك ما قد كان في أمر سعد بن معاذ لما نزلت قريظة على حكمه فأطلق له رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم . 4119 - كما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، قال : حدثنا أسد بن موسى ، قال : حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، قال : حدثنا محمد بن عمرو - يعني ابن علقمة بن وقاص الليثي - ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قالت عائشة : حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني قريظة ، فلما اشتد عليهم الحصار ، قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، فأرسل إلى سعد ، قال أبو سعيد الخدري : فلما طلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : قوموا إلى سيدكم أو إلى خيركم ، قال : احكم فيهم ، قال : أحكم أن تقتل قتلتهم ، وأن تسبى ذراريهم ، وأن تقسم أموالهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت بينهم بحكم الله وبحكم رسوله . 4120 - وكما حدثنا الربيع بن سليمان المرادي ، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال الربيع : حدثنا شعيب ، ، وقال محمد : حدثنا أبي وشعيب ، ثم اجتمعا جميعا ، فقالا عن الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أنه قال : رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ ، فقطعوا أبجله ، فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار ، فانتفخت يده ، فتركه ، فنزفه الدم ، فحسمه أخرى ، فانتفخت يده ، فلما رأى ذلك ، قال : اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة ، فاستمسك عرقه ، فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ، فأرسل إليه ، فحكم أن تقتل رجالهم ، وتستحيى نساؤهم وذراريهم ليستعين بها المسلمون ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصبت حكم الله فيهم ، وكانوا أربع مائة ، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات . قال أبو جعفر : أفلا ترى أن سعدا قد حكم في بني قريظة بما حكم به فيهم قبل أن يعلم ما حكم الله فيهم ، فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك منه ، فدل ذلك أن كذلك الأحكام في الحوادث يستعمل فيها من إليه الحكم فيها رأيه باجتهاده فيها طلب المفروض عليه فيها ، وأنه ليس عليه إصابة حقائقها ، إنما عليه الاجتهاد في ذلك ، وإن كان قد يقصر عنه ، وإذا كان ذلك واسعا في الدماء وفي الفروج ، كان في الأموال أوسع . والله نسأله التوفيق .
أصل
شرح مشكل الآثارص 199 الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابُ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ وَنَسْخِهِ · ص 724 وَمِنْ كِتَابِ السِّيَرِ باب وجوب الهجرة ونسخه ح 343 أنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْبَصَرِيُّ ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْرِيُّ ، ثنَا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ ، ثنَا أَبُو حُمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، ثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَذْكُرُ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنَ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ : اغْزُوا باِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تُمَثِّلُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ، وَإِذَا أَنْتَ لَقِيَتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ : ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ؛ فَإِنْ قَبِلُوا كُفَّ عَنْهُمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ ، وَأَخْبِرْهُمْ إِنْ فَعَلُوا فَإِنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ ؛ وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ أَبُو قُرَّةَ : وَهَذَا فِيمَا نَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَبْلَ الْفَتْحِ ؛ لِأَنَّهُ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ . وَأَمَّا الْهِجْرَةُ فَكَانَتْ وَاجِبَةٌ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهَا الْحَدِيثُ ، ثُمَّ صَارَتْ مَنْدُوبًا إِلَيْهَا غَيْرَ مَفْرُوضَةٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً نَزَلَتْ حِينَ اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ انْتِقَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَأُمِرُوا بِالِانْتِقَالِ إِلَى حَضْرَتِهِ ، لِيَكُونُوا مَعَهُ ، فَيَتَعَاوَنُوا وَيَتَظَاهَرُوا إِنْ حَزَبَهُمْ أَمْرٌ ، وَلِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ أَمْرَ دِينِهِمْ وَيَتَفَقَّهُوا فِيهِ ، وَكَانَ عِظَمُ الْخَوْفِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ وَبخعَتْ بِالطَّاعَةِ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَارْتَفَعَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ ، وَعَادَ الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ ، فَهُمَا هِجْرَتَانِ : فَالْمُنْقَطِعَةُ مِنْهُمَا هِيَ الْفَرْضُ ، وَالْبَاقِيَةُ هِيَ النَّدْبُ . فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا : إِسْنَادُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فِيهِ مَقَالٌ ؛ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ . قُلْتُ : أَرَادَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ ، وَأَرَادَ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ . ذِكْرُ أَحَادِيثَ تَدُلُّ عَلَى رَفْعِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ : ح 344 أخبرنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ ، عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ ، أَنَا الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي الْمُنْذِرِ ، أنَا عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ الْقَطَّانُ ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ ، أَوْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ جَاءَ بِأَبِيهِ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اجْعَلْ لِأَبِي نَصِيبًا فِي الْهِجْرَةِ ، فَقَالَ : إِنَّهَا لَا هِجْرَةَ . فَانْطَلَقَ مُدِلًّا فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ ، وَقَالَ : قَدْ عَرَفْتَنِي ؟ قَالَ : أَجَلْ . قال : فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ فِي قَمِيصٍ لَهُ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ عَرَفْتَ فُلَانًا وَالَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ، وجَاءَ بِأَبِيهِ لِيُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ ! فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّهُ لَا هِجْرَةَ . فَقَالَ الْعَبَّاسُ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ . قَالَ : فَمَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ فَمَسَّ يَدَهُ وَقَالَ : أَبْرَرْتُ عَمِّي وَلَا هِجْرَةَ . ث 048 قَالَ ابْنُ مَاجَهْ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ ، قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ : يَعْنِي لَا هِجْرَةَ مِنْ دَارٍ قَدْ أَسْلَمَ أَهْلُهَا . ح 345 أخبرنَا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ أَشْتَةَ ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْفَقِيهُ ، أنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ ، ثَنَا إِسْحَاقُ ، ثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أخبرني عَطَاءٌ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، إِنَّمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ قَبْلَ الْفَتْحِ حِينَ يُهَاجِرُ الرَّجُلُ بِدِينِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمَّا حِينَ كَانَ الْفَتْحُ فَحَيْثُ شَاءَ الرَّجُلُ عَبَدَ اللَّهَ لَا يَضِيعُ . ث 049 وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْرِيِّ ، أنَا إِبْرَاهِيمُ ، أنَا مَنْصُورٌ ، أنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَقْرِيِّ ، ثنا أبو بكر بن المنذر ، وَذَكَرَ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ عَلِيٌّ : إِنَّ الْهِجْرَةَ إِنَّمَا كَانَتْ وَاجِبَةٌ إِلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مَكَّةَ ، ثُمَّ زَالَ فَرْضُهَا . ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ ْفَتْحِ مكة : لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . ح 246 أنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَيْدَرِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْقَزْوِينِيُّ ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ ، أنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّاجِرُ ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ، أنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنَا مُسْلِمٌ ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَا : أخبرنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحُ مَكَّةَ - : لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ . ح 347 أخبرنَا أَبُو مُوسَى الْحَافِظُ ، أنَا أَحْمَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، أنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ ، أنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ نُمَيْرٍ الْمِصْرِيُّ ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، ثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، وَرِشْدِينَ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، وَقُرَّةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَعْلَى [ بن أمية ] قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَايِعْ أَبِي عَلَى الْهِجْرَةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أُبَايِعُهُ عَلَى الْجِهَادِ ؛ فَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ . رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عن يَعْلَى نَحْوَهُ ، وَزَادَ : وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ الْفَتْحِ . ( ح 348 ) أَخْبَرَنِي الْفَضْلُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْعَلَّافُ ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ ، أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ أَوْ أَحَدُهُمَا ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ : أَنْ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، فَلَقِيَهُ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ فَقَالَ : ارْتَدَدْتَ عَنْ هِجْرَتِكَ يَا سَلَمَةُ ؟ فَقَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ ، إِنِّي فِي إِذْنٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ابْدَوا يَا أَسْلَمُ ، فَسمُّوا الرِّيَاحَ وَاسْكُنُوا الشِّعَابَ ، فَقَالُوا : إنا نَخَافُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ هِجْرَتَنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْتُمْ مُهَاجِرُونَ حَيْثُ كُنْتُمْ . تم الجزء السادس ، والحمد لله وحده صلواته على سيدنا محمد وآله وسلم ، يتلوه في السابع إن شاء الله تعالى باب الأمر بالدعوة قبل القتال ونسخه .
الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابُ الْأَمْرِ بِالدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ وَنَسْخِهِ · ص 735 بَابُ الْأَمْرِ بِالدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ وَنَسْخِهِ ( ح 349 ) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ ، أنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْعَبْدِيُّ ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَازِنُ ، أنا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَنَدِيُّ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الزَّبِيدِيُّ ، ثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، قَالَ : ذَكَرَ سُفْيَانُ ، عَنْ ابن أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْمًا قَطُّ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ . ( ح 350 ) أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ أَحْمَدَ ، ثنا عَلِيُّ بْنُ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ ، أنا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، ثنا إِسْحَاقُ ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَالثَّوْرِيِّ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، ثُمَّ قَالَ : اغْزُوَا بِاسْمِ اللَّهِ ، فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا ، وَإِذَا أَنْتَ لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِلَالٍ أَوْ خِصَالٍ ، فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ ، وَكُفَّ عَنْهُمْ . الْحَدِيثَ . ( ح 351 ) أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمَقْرِئ ، أنا أَبُو سَعِيدٍ الشَّعْبِيُّ ، أنا أَبُو حُمَةَ ، أنا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ يَذْكُرُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُبَيِّتُ أَحَدًا ، وَلَكِنَّهُ يَنْزِلُ قَرِيبًا مِنْهُمْ ، فإِذَا أَصْبَحُوا فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ النداء أَغَارَ عَلَيْهِمْ . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ ثَابِتَةُ الْإِسْنَادِ صَحِيحَةٌ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ : فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يُغَزَى أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أَرَى أَنْ يُغْزُوا حَتَّى يُؤْذَنُوا ، وَلَا يُقَاتَلُوا حَتَّى يُؤْذَنُوا . وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى جَعُونَةَ وَأَمَّرَهُ عَلَى الدُّرُوبِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ . وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَبَاحُوا قِتَالَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْعُوا ، وَرَأَوُا الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مَنْسُوخًا ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، سُفْيَانُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ ، وَقَالَ سُفْيَانُ : وَيَدْعُوا أَحْسَنُ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَاحْتَجَّ اللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ بِقَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ ، وَاحْتَجَّ اللَّيْثُ بِقَتْلِ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ يَقُولَانِ : فَإِنْ كَانَ قَوْمٌ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ وَلَا لَهُمْ عِلْمٌ بِالْإِسْلَامِ لَمْ يُقَاتَلُوا حَتَّى يُدْعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كَذَلِكَ نَقُولُ . ذكر ما يدل على النسخ : ( ح 352 ) أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بن أحمد بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ إِذْنًا ، أنا أَبِي ، أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ ، أنا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ ، ثَنَا الدَّقِيقِيُّ ، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أنا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الْقَوْمِ إِذَا غَزَوْا يَدْعُونَ الْعَدُوَّ قَبْلَ أَنْ يُقَاتَلُوا ؟ فَكَتَبَ إِلَيَّ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ الدُّعَاءُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ أَغَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ ، وَسَبَا سَبْيَهُمْ ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ . وَحَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ عَبْدُ اللَّهِ ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَى ثُبُوتِهِ وَإِخْرَاجِهِ ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي الصِّحَاحِ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . ( ح 353 ) أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ ، عَنِ الْمُؤْتَمَنِ السَّاجِيِّ ، أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ الدَّقَّاقُ ، أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الْأَزْهَرِيُّ ، أنا أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفِرَايينِيُّ ، ثَنَا يُوسُفُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَغَارَ عَلَى خَيْبَرَ يَوْمَ الْخَمِيسَ وَهُمْ غَارُّونَ ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ : الْأَحَادِيثَ الْأُوَلَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْأَمْرِ بِدُعَاءِ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ ، وَأَمَّا بَنُو الْمُصْطَلِقِ وَأَهْلُ خَيْبَرَ وَابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ فَإِنَّ الدَّعْوَةَ كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا : وَأَغَارَ رَّسُولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ ، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبْغتَ الْمُشْرِكِينَ ، وَأَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أُبْنَا ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِيُقَاتِلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ دُعَاءهُمْ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالدُّعَاءِ مَنْ قَاتَلَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ ، فَإِنَّ قِتَالَهُمْ مُبَاحٌ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ يُحْدِثُهُ لَهُمْ مَنْ أَرَادَ قِتَالَهُمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالُوا أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : كَانَ يَنْزِلُ قَرِيبًا مِنْهُمْ حَتَّى يُصْبِحَ ، يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ ، وَثِقَتِهِ بِظُفْرِهِمْ ؛ لِئَلَّا يَجْيء بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضٍ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ .
الاعتبار في الناسخ والمنسوخبَابُ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ · ص 742 بَابُ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ ، وَالِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ ( ح 354 ) أَخْبَرَنِا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ ، ثنا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، ثنا الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف ، ثَنَا مُوسَى بْنُ طَارِقٍ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَذْكُرُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ، ثُمَّ قَالَ : اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ ، تُقَاتِلُونَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا ، وَلَا تُمَثِّلُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : فَطَائِفَةٌ ذَهَبَتْ إِلَى : مَنْعِ قتل النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ مُطْلَقًا ، وَرَأَتْ حَدِيثَ الصَّعْبِ بْنِ جُثَامَةَ - وَيَأْتِي ذِكْرُهُ - مَنْسُوخًا . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى : جَوَازِ قَتْلِهِمْ مُطْلَقًا ، وَرَأَتْ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَحَدِيثَ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ - وَيَأْتِي ذِكْرُهُ - مَنْسُوخًا . وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ فَرَّقَتْ وَقَالَتْ : إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُقَاتِلُ جَازَ قَتْلُهَا ، وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهَا صَبْرًا ، وَكَذَا فِي الْوِلْدَانِ قَالُوا : إِنْ كَانُوا مَعَ آبَائِهِمْ وَبَيَّتُوا جَازَ قَتْلَهُمْ وَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ صَبْرًا ، وَقَدْ تَمَسَّكَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بِحَدِيثٍ ، وَنَحْنُ نُورِدُ بَعْضُهَا مُخْتَصَرًا : ( ح 355 ) أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ ، أنا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثَنَا سَعِيدٌ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ، قَالَ : سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ سَمِعْتُهُ سُئِلَ عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ ؟ قَالَ : هُمْ مِنْهُمْ . هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ ، اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ . وَقَالَتِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى : حَدِيثُ بُرَيْدَةَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، وَقِصَّةُ حَدِيثِهِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وأَمَّا حَدِيثُ الصَّعْبِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْأَوَّلِ بِزَمَانٍ ، فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَأَتْ حَدِيثَ الصَّعْبِ مَنْسُوخًا ، فَحُجَّتُهُمْ : ( ح 356 ) مَا أخبرنا مَحْمُودُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ طَرَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيِّ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، أنَا أَبُو عُبَيْدٍ ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَأَصَابَ النَّاسُ ظَفَرًا حَتَّى قَتَلُوا الذُّرِّيَّةَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَلَا لَا تُقْتَلَنَّ ذُرِّيَّةٌ ، أَلَا لَا تُقْتَلَنَّ ذُرِّيَّةٌ . ( ح 357 ) أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا دَعْلَجٌ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثَنَا سَعِيدٌ ، ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، قَالَ : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ إِذْ بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ . وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ : سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَكَانَ يَقُولُ : حَدِيثُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ مَنْسُوخٌ ، وَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ . ( ح 358 ) قَالَ الشَّافِعِيُّ - رضي الله عنه - : أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّعْبِ . ( ح 359 ) وَقَالَ : وأخبرنا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه : فَكَانَ سُفْيَانُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُمْ مِنْهُمْ ، إِبَاحَةٌ لِقَتْلِهِمْ وَإِذْنٌ مِنْهُ ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَاسِخٌ لَهُ . وَقَالَ : كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حُدِّثَ حَدِيثَ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَتْبَعَهُ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبٍ . وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الثَّالِثَةُ قَالَتْ : مَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ تَعَذَّرَ ادِّعَاءُ النَّسْخِ ، وَفِي هَذَا الْبَابِ مُمْكِنٌ كَمَا ذَكَرْنَا . ثُمَّ حَدِيثُ رَياحِ بْنِ الرَّبِيعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ : ( ح 360 ) أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ ، أنا دَعْلَجٌ ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، ثَنَا سَعِيدٌ ، ثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، حَدَّثَنِي مُرَقِّعُ بْنُ صَيْفِيٍّ ، أَخْبَرَنِي جَدِّي رَياحُ بْنُ الرَّبِيعِ أَخِي حَنْظَلَةَ الْكَاتِب أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غُزَاةٍ عَلَى مُقَدِّمَةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَمَرَّ رَياحٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ مِمَّا أَصَابَتِ الْمُقَدِّمَةَ ، فَوَقَفُوا عَلَيْهَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى نَاقَتِهِ ، فَلَمَّا جَاءَ انْفَرَجُوا عَنِ الْمَرْأَةِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : أَكَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ ؟ أَلَمْ تَكُنْ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ ؟ ! ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ : الْحَقْ خَالِدًا ؛ فَلَا يَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً أو عَسِيفًا . وَقَدْ بَيَّنَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه مَا أُبْهِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلَخَّصَهَا . ( ح 361 ) أنا طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، أنا الْحَاكِمُ بن عَبْدِ اللَّهِ ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ ، أنا الرَّبِيعُ ، أنا الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه ، أنا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَخْبَرَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عَنْ أَهْلِ الدَّارِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُبَيِّتُونَ فَيُصَابُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هُمْ مِنْهُمْ . ( ح 362 ) وَعَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عَمِّهِ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا بَعَثَ إِلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ . قَالَ : فَكَانَ سُفْيَانُ يَذْهَبُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُمْ مِنْهُمْ ، أَنَّهُ إِبَاحَةٌ لِقَتْلِهِمْ ، وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ نَاسِخٌ لَهُ ، قَالَ : وَكَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أَتْبَعُهُ حَدِيثَ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ . قَالَ الشَّافِعِيُّ : حَدِيثُ الصَّعْبِ كَانَ فِي عُمْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَتِهِ الْأُولَى فَقَدْ قُتِلَ ابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ قَبْلَهَا ، وَقِيلَ فِي سنتِهَا ، وَإِنْ كَانَ فِي عُمْرَتِهِ الْآخِرَةِ فَهِيَ بَعْد أَمْرِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَمْ نَعْلَمْهُ رَخَّصَ فِي قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ ، وَمَعْنَى نَهْيهُ عِنْدَنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ، أَنْ يُقْصَدَ قَصْدَهُمْ بِقَتْلٍ وَهُمْ يُعْرَفُونَ مُتَمَيِّزِينَ مِمَّنْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ مِنْهُمْ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : هم مِنْهُمْ ، أَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ خَصْلَتَيْنِ ، أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِيمَانِ الَّذِي يُمْنَعُ بِهِ الدَّمُ ، وَلَا حُكْمَ دَارَ الْإِيمَانِ الَّذِي يَمَنْعُ بِهِ الْغَارَةَ عَلَى الدَّارِ ، وَإِذَا أَبَاحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيَاتَ وَالْغَارَةَ عَلَى الدَّارِ ، فَأَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ ، وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ الْبَيَاتَ وَالْغَارَةَ إِذَا حَلَّا بِإِحْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمْنَعْ أَحَدٌ بَيَّتَ أَوْ أَغَارَ مِنْ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ ، فَيَسْقُطُ الْمَأْثَمُ فِيهِمْ وَالْكَفَّارَةُ وَالْعَقْلُ وَالْقَوَدُ عَمَّنْ أَصَابَهُمْ ، إِذْ أُبِيحَ أَنْ يُبَيِّتَ وَيُغِيرَ وَلَيْسَت لَهُمْ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ ، وَلَا يَكُونُ لَهُ قَتْلَهُمْ عَامِدًا لَهُمْ مُتَمَيِّزِينَ عَارِفًا بِهِمْ ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغُوا كُفْرًا فَيَعْمَلُوا بِهِ فَيُقْتَلُوا بِهِ ، وَعَنْ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى فِيهِنَّ لِقِتَالٍ ، وَأَنَّهُنَّ وَالْوِلْدَانَ يُتَحوَّلُونَ فَيَكُونُ قُوَّةً لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - . قَالَ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : أَينْ هَذَا بِغَيْرِهِ ؟ قِيلَ فِيهِ : مَا اكْتَفَى الْعَالِمُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ قَالَ : أَفَتَجِدُ مَا تَشُدُّهُ بِهِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ اللَّهُ : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا الآية . قَالَ : فَأَوْجَبَ اللَّهُ لِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ خَطَأً الدِّيَةَ وَتَحْرِيرَ رَّقَبَةِ ، وَفِي قَتْلِ ذِي الْمِيثَاقِ الدِّيَةَ وَتَحْرِيرَ رَقَبَةٍ ؛ إِذْ كَانَا مَعًا مَمْنُوعَيِ الدَّمِ بِالْإِيمَانِ وَالْعَهْدِ وَالدَّارِ مَعًا . وَكَانَ الْمُؤْمِنُ فِي الدَّارِ غَيْرِ الْمَمْنُوعَةِ ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ الدم بِالْإِيمَانِ ، فَجُعِلَتْ فِيهِ قوة الْكَفَّارَةُ بِإِتْلَافِهِ ، وَلَمْ تجْعَلْ فِيهِ الدِّيَةَ وَهُوَ مَمْنُوعُ الدَّمِ بِالْإِيمَانِ . فَلَمَّا كَانَ الْوِلْدَانُ وَالنِّسَاءُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَا مَمْنُوعِينَ بِإِيمَانٍ وَلَا دَارٍ ؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَقْلٌ ، وَلَا قَوْدَ ، وَلَا دِيَةَ ، وَلَا مَأْثَمَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - وَلَا كَفَّارَةَ .