حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ : ثَنَا أَسَدٌ قَالَ : ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ :
رَأَيْتُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ يُصَلِّيَانِ الْمَغْرِبَ فِي رَمَضَانَ إِذَا أَبْصَرَ إِلَى اللَّيْلِ الْأَسْوَدِ ، ثُمَّ يُفْطِرَانِ بَعْدُ . فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْمَغْرِبِ ، حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ . وَهَذَا هُوَ النَّظَرُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّا قَدْ رَأَيْنَا دُخُولَ النَّهَارِ وَقْتًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ، فَكَذَلِكَ دُخُولُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللهُ ، وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي خُرُوجِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ فَقَالَ قَوْمٌ : إِذَا غَابَتِ الشَّفَقُ - وَهُوَ الْحُمْرَةُ - خَرَجَ وَقْتُهَا ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِذَا غَابَ الشَّفَقُ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي بَعْدَ الْحُمْرَةِ ، خَرَجَ وَقْتُهَا ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ . وَكَانَ النَّظَرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْحُمْرَةَ الَّتِي قَبْلَ الْبَيَاضِ مِنْ وَقْتِهَا ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْبَيَاضِ الَّذِي بَعْدَهُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : حُكْمُهُ حُكْمُ الْحُمْرَةِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : حُكْمُهُ خِلَافُ حُكْمِ الْحُمْرَةِ . فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَرَأَيْنَا الْفَجْرَ يَكُونُ قَبْلَهُ حُمْرَةٌ ثُمَّ يَتْلُوهَا بَيَاضُ الْفَجْرِ ، فَكَانَتِ الْحُمْرَةُ وَالْبَيَاضُ فِي ذَلِكَ وَقْتًا لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ الْفَجْرُ فَإِذَا خَرَجَا خَرَجَ وَقْتُهَا . فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْبَيَاضُ وَالْحُمْرَةُ فِي الْمَغْرِبِ أَيْضًا وَقْتًا لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَحُكْمُهُمَا حُكْمٌ وَاحِدٌ ، إِذَا خَرَجَا خَرَجَ وَقْتَا الصَّلَاةِ اللَّذَانِ هُمَا وَقْتٌ لَهَا . وَأَمَّا الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ فَإِنَّ تِلْكَ الْآثَارَ كُلَّهَا فِيهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ ، بَعْدَمَا غَابَ الشَّفَقُ ، إِلَّا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّاهَا قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ . فَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ - عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ جَابِرٌ عَنَى الشَّفَقَ الَّذِي هُوَ الْبَيَاضُ ، وَعَنَى الْآخَرُونَ الشَّفَقَ الَّذِي هُوَ الْحُمْرَةُ ، فَيَكُونَ قَدْ صَلَّاهَا بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الْحُمْرَةِ ، وَقَبْلَ غَيْبُوبَةِ الْبَيَاضِ ، حَتَّى تَصِحَّ هَذِهِ الْآثَارُ وَلَا تَتَضَادَّ . وَفِي ثُبُوتِ مَا ذَكَرْنَا مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الْحُمْرَةِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ يَغِيبَ الْبَيَاضُ . وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَأَبَا مُوسَى ، ذَكَرُوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَهَا إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ ، ثُمَّ صَلَّاهَا . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ صَلَّاهَا فِي وَقْتٍ - قَالَ بَعْضُهُمْ - هُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ . فَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صَلَّاهَا قَبْلَ مُضِيِّ الثُّلُثِ ، فَيَكُونُ مُضِيُّ الثُّلُثِ هُوَ آخِرَ وَقْتِهَا . وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ صَلَّاهَا بَعْدَ الثُّلُثِ ، فَيَكُونُ قَدْ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ وَقْتِهَا بَعْدَ خُرُوجِ الثُّلُثِ . فَلَمَّا احْتُمِلَ ذَلِكَ ، نَظَرْنَا فِيمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ .