وَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ :
إِذَا كَانَ الْحَمْلُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ كَفَاهَا مِنَ الرَّضَاعِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا ، وَإِذَا حَمَلَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ كَفَاهَا مِنَ الرَّضَاعِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْرِجِ الْحَمْلَ وَالْفِصَالَ مِنَ الثَّلَاثِينَ شَهْرًا ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ كَانَ عِنْدَهُ لَا يَخْرُجُ عَنِ الثَّلَاثِينَ شَهْرًا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ الْحَمْلُ حَوْلَيْنِ كَانَ الْبَاقِي مِنَ الثَّلَاثِينَ شَهْرًا سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ سَأَلَ عَنْهُ بَعْضُ مَنْ سَأَلَ ، فَقَالَ : أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفِصَالُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ، وَأَبْدَانُ الصِّبْيَانِ لَا تَقُومُ بِهَا ؟ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَى مُدَّةٍ هِيَ أَكْثَرُ مِنْهَا . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ أَنَّهُ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْلُودُونَ بَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ السِّتَّةِ الْأَشْهُرِ يَرْجِعُونَ إِلَى لَطِيفِ الْغِذَاءِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَيْشًا لَهُمْ وَغِنًى لَهُمْ عَنِ الرَّضَاعِ ، غَيْرَ أَنَّا تَأَمَّلْنَا مَا فِي كِتَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ الْحَمْلِ وَالْفِصَالِ فَوَجَدْنَا مِنْهُ الْآيَةَ الَّتِي قَدْ تَلَوْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذَا الْبَابِ . وَوَجَدْنَا مِنْهُ قَوْلَ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ، فَجَعَلَ الْفِصَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْمُدَّةِ عَامَيْنِ . وَوَجَدْنَا مِنْهُ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ، فَكَانَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ إِثْبَاتُ الْحَوْلَيْنِ لِلْفِصَالِ ، فَاحْتَمَلَ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - جَعَلَ الْحَمْلَ وَالْفِصَالَ ثَلَاثِينَ شَهْرًا لَا أَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى مَا فِي الْآيَةِ الْأُولَى مِمَّا قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُدَّةُ الْفِصَالِ فِيهَا قَدْ تَرْجِعُ إِلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ زَادَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي مُدَّةِ الْفِصَالِ تَمَامَ الْحَوْلَيْنِ بِالْآيَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ ، فَرَدَّ حُكْمَ الْفِصَالِ إِلَى جِهَتِهِ مِنَ الثَّلَاثِينَ شَهْرًا وَعَلَى تَتِمَّةِ الْحَوْلَيْنِ عَلَى مَا فِي الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ ، وَبَقِيَ مُدَّةُ الْحَمْلِ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ الْأُولَى ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الثَّلَاثِينَ شَهْرًا ، وَأَخْرَجَ مُدَّةَ الْفِصَالِ مِنَ الثَّلَاثِينَ شَهْرًا إِلَى مَا أَخْرَجَهَا إِلَيْهِ بِالْآيَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ فِي ذَلِكَ وَبِمَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ . وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ الْمُرَاعَاةُ بِالرَّضَاعِ حَوْلَيْنِ ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .