مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، حَدِيثَانِ . وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ هَذَا يُكْنَى أَبَا مُحَمَّدٍ ، وَقِيلَ : يُكْنَى أَبَا الْحَارِثِ وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ وَوَلَائِهِ ، فَقِيلَ : هُوَ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَقِيلَ : هُوَ مَوْلًى لِبَنِي عَامِرٍ ، أَوْ بَنِي غِفَارٍ ، وَقِيلَ : مَوْلًى لِأَصْبَحَ ، وَقِيلَ : مَوْلًى لِدَوْسٍ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى صَالِح بْنِ كَيْسَانَ وَهُوَ يُوصِي ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّ وَلَائِي لِامْرَأَةٍ مَوْلَاةٍ لِآلِ مُعَيْقِيبٍ الدَّوْسِيِّ ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هُرْمُزَ : يَنْبَغِي أَنْ تَكْتُبَهُ ، فَقَالَ : إِنِّي لَأُشْهِدُكَ ، أَنْتَ شَكَّاكٌ - وَكَانَ سَعِيدٌ صَاحِبَ وُضُوءٍ وَشَكٍّ فِيهِ . قَالَ أَبُو عُمَرَ : كَانَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ وَالْفَهْمِ ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ ، ثِقَةً حُجَّةً فِيمَا نَقَلَ ، كَانَ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَضَمَّهُ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ الْوَلِيدِ ، وَكَانَ مُسِنًّا ، أَدْرَكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَسَمِعَ مِنْهُمَا ، ثُمَّ رَوَى عَنْ نَافِعٍ ، وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ كَثِيرًا . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ قَالَ : وَقَدْ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : كَانَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ مِنْ رِجَالِنَا عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ . يَعْنِي بِالْمَدِينَةِ . وَرَوَى مَعْمَرُ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، قَالَ : اجْتَمَعْتُ أَنَا وَالزُّهْرِيُّ وَنَحْنُ نَطْلُبُ الْعِلْمَ ، فَقُلْنَا : نَكْتُبُ السُّنَنَ ، فَكَتَبْنَا مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ الزُّهْرِيُّ : نَكْتُبُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِهِ ; فَإِنَّهُ سُنَّةٌ ، قَالَ : قُلْتُ أَنَا : لَيْسَ بِسُنَّةٍ ، فَلَا نَكْتُبُهُ . قَالَ : فَكَتَبَ وَلَمْ أَكْتُبْ ، فَأَنْجَحَ وَضَيَّعْتُ . وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : كُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ إِلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ فَكَانَ رُبَّمَا خَتَمَ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ فِي لَيْلَةٍ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِهِ ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ هُوَ الْقَائِلُ : إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَوَادٌ ، إِذَا أَشَارَ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى أَحَدٍ أَتَمَّهُ وَلَمْ يُنْقِصْ مِنْهُ شَيْئًا . فِي كَلَامٍ قَالَهُ لِصَدِيقِهِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ يُشَاوِرُهُ فِي شَيْءٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وَفَاتِهِ ، فَقِيلَ : كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَاتَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ بَعْدَ سَنَةِ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، قَبْلَ مَخْرَجِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ . 451 حَدِيثٌ أَوَّلٌ لِصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، مُسْنَدٌ مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ، فَقَالَ : أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي ، وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُقِمْهُ كَإِقَامَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، وَلَمْ يَسُقْهُ كَسِيَاقَتِهِ ، قَالَ فِيهِ : قَالَ اللَّهُ : مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ يَقُولُونَ : الْكَوْكَبُ وَبِالْكَوْكَبِ . هَكَذَا حَدَّثَ بِهِ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، وَفِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ هَهُنَا كُفْرُ النِّعَمِ لَا كُفْرٌ بِاللَّهِ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ بِإِسْنَادِهِ ، وَقَالَ فِيهِ : أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ : مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ ، يَقُولُونَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَبِنَوْءِ كَذَا ، فَأَمَّا مَنْ آمَنَ بِي وَحَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ ، فَذَلِكَ الَّذِي آمَنَ بِي وَكَفَرَ بِالْكَوْكَبِ ، وَمَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ، فَذَلِكَ الَّذِي كَفَرَ بِي وَآمَنَ بِالْكَوْكَبِ . وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَمِعَ رَجُلًا فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ يَقُولُ : مُطِرْنَا بِبَعْضِ عَثَانِينِ الْأَسَدِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَذَبَ ، بَلْ هُوَ سُقْيَا اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ سُفْيَانُ : عَثَانِينُ الْأَسَدِ : الذِّرَاعُ وَالْجَبْهَةُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ، وَإِنْ كَانَ النَّوْءُ عِنْدَنَا : الْوَقْتُ ، وَالْوَقْتُ مَخْلُوقٌ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ ، وَلَا يُمْطِرُ وَلَا يَحْبِسُ شَيْئًا مِنَ الْمَطَرِ ، وَالَّذِي أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ : مُطِرْنَا وَقْتَ كَذَا ، كَمَا يَقُولُ مُطِرْنَا شَهْرَ كَذَا ، وَمَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنَّ النَّوْءَ أَنْزَلَ الْمَاءَ كَمَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُ - فَهُوَ كَافِرٌ حَلَالٌ دَمُهُ ، إِنْ لَمْ يَتُبْ هذا مِنْ قَوْلِهِ . أَمَّا قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ سَحَابًا حَيْثُ نَزَلَ مِنَ اللَّيْلِ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي السَّحَابَ وَالْمَاءَ النَّازِلَ مِنْهُ سَمَاءً ، قَالَ الشَّاعِرُ - وَهُوَ أَحَدُ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ : إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا يَعْنِي : إِذَا نَزَلَ الْمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : رَعَيْنَاهُ ، يَعْنِي الْكَلَأَ النَّابِتَ مِنَ الْمَاءِ ، وَلَوْ أَرَادَ السَّمَاءَ لَأَنَّثَ ; لِأَنَّهَا مُؤَنَّثَةٌ ، فَقَالَ : رَعَيْنَاهَا ، وَقَوْلُهُ : رَعَيْنَاهُ . يَعْنِي الْكَلَأَ النَّابِتَ مِنَ الْمَاءِ فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الضَّمِيرِ ; إِذِ الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا مِنْ فَصِيحِ كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ . وَأَمَّا قَوْلُهُ حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ . فَمَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى وَجْهَيْنِ : أَمَّا أَحَدُهُمَا فَإِنَّ الْمُعْتَقِدَ أَنَّ النَّوْءَ هُوَ الْمُوجِبُ لِنُزُولِ الْمَاءِ ، وَهُوَ الْمُنْشِئُ لِلسَّحَابِ دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَذَلِكَ كَافِرٌ كُفْرًا صَرِيحًا ، يَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ عَلَيْهِ وَقَتْلُهُ ; لِنَبْذِهِ الْإِسْلَامَ وَرَدِّهِ الْقُرْآنَ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ النَّوْءَ يُنْزِلُ اللَّهُ بِهِ الْمَاءَ ، وَأَنَّهُ سَبَبُ الْمَاءِ عَلَى مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمِهِ ، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مُبَاحًا فَإِنَّ فِيهِ أَيْضًا كُفْرًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَجَهْلًا بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ ; لِأَنَّهُ يُنْزِلُ الْمَاءَ مَتَى شَاءَ ، مَرَّةً بِنَوْءِ كَذَا وَمَرَّةً دُونَ النَّوْءِ ، وَكَثِيرًا مَا يَخْوَى النَّوْءُ فَلَا يَنْزِلُ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ ، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لَا مِنَ النَّوْءِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ وَقَدْ مُطِرَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ ، ثُمَّ يَتْلُو مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَهَذَا عِنْدِي نَحْوُ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ اسْتَسْقَى بِهِ : يَا عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ ، كَمْ بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا ؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ : الْعُلَمَاءُ بِهَا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ سَبْعًا ، فَكَأَنَّ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدْ عَلِمَ أَنَّ نَوْءَ الثُّرَيَّا وَقْتٌ يُرْجَى فِيهِ الْمَطَرُ وَيُؤَمَّلُ ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ : أَخَرَجَ أَمْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ ؟ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : طَلَعَ سُهَيْلٌ وَبَرَدَ اللَّيْلُ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَقَالَ : إِنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَأْتِ قَطُّ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ ، وَكَرِهَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْغَيْمِ وَالسَّحَابَةِ : مَا أَخْلَقَهَا لِلْمَطَرِ ، وَهَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَعَ رِوَايَتِهِ : إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ . تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ احْتَاطُوا فَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الْكَلَامِ بِمَا فِيهِ أَدْنَى مُتَعَلِّقٍ مِنْ زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ، عَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ . فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالنَّوْءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَاحِدُ أَنْوَاءِ النُّجُومِ ، يُقَالُ : نَاءَ النَّجْمُ يَنُوءُ ، أَيْ : نَهَضَ يَنْهَضُ لِلطُّلُوعِ ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَمِيلَ لِلْمَغِيبِ ، وَمِمَّا قِيلَ : نَاوَأْتُ فُلَانًا بِالْعَدَاوَةِ ، أَيْ : نَاهَضْتُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : الْحَمْلُ يَنُوءُ بِالدَّابَّةِ ، أَيْ : يَمِيلُ بِهَا ، وَكُلُّ نَاهِضٍ - بِثِقَلٍ وَإِبْطَاءٍ - فَقَدْ نَاءَ ، وَالْأَنْوَاءُ عَلَى الْحَقِيقَةِ : النُّجُومُ الَّتِي هِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ ، وَهِيَ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً ، يَبْدُو لِعَيْنِ النَّاظِرِ مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَنْزِلًا ، وَيَخْفَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ ، فَكُلَّمَا غَابَ مِنْهَا مَنْزِلٌ بِالْمَغْرِبِ طَلَعَ رَقِيبُهُ مِنَ الْمَشْرِقِ ، فَلَيْسَ يُعْدَمُ مِنْهَا أَبَدًا أَرْبَعَةَ عَشَرَ لِلنَّاظِرِينَ فِي السَّمَاءِ ، وَإِذَا لَمْ يَنْزِلْ مَعَ النَّوْءِ مَاءٌ قِيلَ : خَوَى النَّجْمُ وَأَخْوَى ، وَخَوَى النَّوْءُ وَأَخْلَفَ ، وَأَمَّا الْعَرَبُ فَكَانَتْ تُضِيفُ الْمَطَرَ إِلَى النَّوْءِ ، وَهَذَا عِنْدَهُمْ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي أَخْبَارِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ نَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ وَأَدَّبَهُمْ وَعَرَّفَهُمْ مَا يَقُولُونَ عِنْدَ نُزُولِ الْمَاءِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولُوا : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْإِيمَانِ وَالتَّسْلِيمِ لِمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ ، وَأَمَّا أَشْعَارُ الْعَرَبِ فِي إِضَافَتِهَا نُزُولَ الْمَاءِ إِلَى الْأَنْوَاءِ ، فَقَالَ الطِّرِمَّاحُ : مَحَاهُنَّ صَيِّبُ نَوْءِ الرَّبِيعِ مِنْ نَجْمِ الْعَزْلِ وَالرَّامِحَهْ فَسَمَّى مَطَرَ السَّمَاكِ رَبِيعًا ، وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ صَيْفًا ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ الطِّرِمَّاحُ رَبِيعًا ; لِقُرْبِهِ مِنْ آخِرِ الشِّتَاءِ وَمِنْ أَمْطَارِهِ ، وَإِذَا كَانَ الْمَطَرُ بِأَوَّلِ نَجْمٍ مِنْ أَنْوَاءِ الصَّيْفِ جَازَ أَنْ يَجْعَلُوهُ رَبِيعًا ، وَيُقَالُ لِلسِّمَاكِ : الرَّامِحُ وَذُو السِّلَاحِ ، وَهُوَ رَقِيبُ الدَّلْوِ إِذَا سَقَطَ الدَّلْوُ طَلَعَ السِّمَاكُ ، وَالسِّمَاكُ ، وَالدَّلْوُ ، وَالْعَوَّاءُ ، مِنْ أَنْجُمِ الْخَرِيفِ ، قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ : فِي خَرِيفٍ سَقَاهُ نَوْءٌ مِنَ الدَّلْـ ـوِ تَدَلَّى وَلَمْ يُوَازِ الْعِرَاقَا وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْخَرِيفَ رَبِيعًا ; لِاتِّصَالِهِ بِالشِّتَاءِ ، وَتُسَمِّي الرَّبِيعَ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ النَّاسِ بِالرَّبِيعِ صَيْفًا ، وَتُسَمِّي الصَّيْفَ قَيْظًا ، وَتَذْهَبُ فِي ذَلِكَ كله غير مَذَاهِبَ الرُّومِ ، فَأَوَّلُ الْأَزْمِنَةِ عِنْدَهَا الْخَرِيفُ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ مَعَانِيهَا وَمَعَانِي الرُّومِ فِي ذَلِكَ ; وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَرْوِي بَيْتَ زُهَيْرٍ : وَغَيْثٍ مَنَ الْوَسْمِيِّ حُوٍّ تِلَاعُهُ وِجَادَتْهُ مِنْ نَوْءِ السِّمَاكِ هَوَاطِلُهُ وَقَالَ آخَرُ : وَلَا زَالَ نَوْءُ الدَّلْوِ يَسْكُبُ وَدَقَهُ بِكُنَّ وَمِنْ نَوْءِ السِّمَاكِ غَمَامُ وَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرِ النَّهْشَلِيُّ : بِيضٌ مُسَامِحٌ فِي الشِّتَاءِ وَإِنْ أَخْلَفَ نَجْمٌ عَنْ نَوْئِهِ وَبَلُوَا وَقَالَ الرَّاجِزُ : بَشِّرْ بَنِي عِجْلٍ بِنَوْءِ الْعَقْرَبِ إِذْ أَخَلَفَتْ أَنْوَاءُ كُلِّ كَوْكَبِ يَدُلُّكَ أَنَّ أَنْوَاءَ النُّجُومِ أَخْلَفَتْ كُلُّهَا فَلَمْ تُمْطِرْ ، فَأَتَاهُمُ الْمَطَرُ فِي آخِرِ الرَّبِيعِ بِنَوْءِ الْعَقْرَبِ ، وَهُوَ عندهم غير مَحْمُودٌ ; لِأَنَّهُ وَدْقٌ دَنِيءٌ ، وَقَالَ رُؤْبَةُ : وَجَفَّ أَنْوَاءُ السَّحَابِ الْمُرْتَزَقُ أَيْ : جَفَّ الْبَقْلُ الَّذِي كَانَ بِالْأَنْوَاءِ ، أَقَامَ ذِكْرَ الْأَنْوَاءِ مَقَامَ ذِكْرِ الْبَقْلِ اسْتِغْنَاءً بِأَنَّ الْمُرَادَ مَعْلُومٌ ، وَهَذَا نَحْوَ قَوْلِ الْقَائِلِ الَّذِي قَدَّمْنَا ذِكْرَ قَوْلِهِ : إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَاءَ النَّازِلَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَأَشْعَارُ الْعَرَبِ بِذِكْرِ الْأَنْوَاءِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَالْعَرَبُ تَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ الْأَنْوَاءِ وَسَائِرِ نُجُومِ السَّمَاءِ مَا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهَا ، لِكَثْرَةِ ارْتِقَابِهَا لَهَا وَنَظَرِهَا إِلَيْهَا ; لِحَاجَتِهَا إِلَى الْغَيْثِ وَفِرَارِهَا مِنَ الْجَدَبِ ، فَصَارَتْ لِذَلِكَ تَعْرِفُ النُّجُومَ الْجَوَارِيَ ، وَالنُّجُومَ الثَّوَابِتَ ، وَمَا يَسِيرُ مِنْهَا مُجْتَمِعًا وَمَا يَسِيرُ فَارِدًا ، وَمَا يَكُونُ مِنْهَا رَاجِعًا وَمُسْتَقِيمًا ; لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِي الصَّحَارِي وَالصَّحَاصِحِ الْمَلْسَاءِ حَيْثُ لَا أَمَارَةَ وَلَا هَادِيَ ، طَلَبَ الْمَنَائِرَ فِي الرَّمْلِ وَالْأَرْضِ ، وَعَرَفَ الْأَنْوَاءَ وَنُجُومَ الِاهْتِدَاءِ ، وَسُئِلَتْ أَعْرَابِيَّةٌ فَقِيلَ لَهَا : أَتَعْرِفِينَ النُّجُومَ ؟ فَقَالَتْ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَمَا أَعْرِفُ أَشْبَاحًا وُقُوفًا عَلَيَّ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ؟ وَسَمِعَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَضَرِ أَعْرَابِيًّا وَهُوَ يَتَفَنَّنُ فِي وَصْفِ نُجُومِ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَنُجُومِ الْأَنْوَاءِ ، فَقَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ : أَمَا تَرَى هَذَا الْأَعْرَابِيَّ يَعْرِفُ مِنَ النُّجُومِ مَا لَا يُعْرَفُ ، فَقَالَ : وَيْلَ أُمِّكَ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَجْدَاعَ بَيْتِهِ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي جَعَلَ زَوْجُهَا أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا - : خَطَّأَ اللَّهُ نَوْءَهَا ، أَيْ : أَخْلَى اللَّهُ نَوْءَهَا مِنَ الْمَطَرِ ، وَالْمَعْنَى : حَرَمَهَا اللَّهُ الْخَيْرَ كَمَا حَرَمَ مَنْ لَمْ يُمْطَرْ وَقْتَ الْمَطَرِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ هُوَ الِاسْتِمْطَارُ بِالْأَنْوَاءِ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَاكِرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ خُمَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُمَيْلٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ، قَالَ : مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَكَافِرٌ ، قَالَ بَعْضُهُمْ : هَذِهِ رَحْمَةٌ وَضَعَهَا اللَّهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ حَتَّى بَلَغَ : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قَالَ أَبُو عُمَرَ : الرِّزْقُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَعْنَى الشُّكْرِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ لِلَّهِ عَلَى مَا رَزَقَكُمْ مِنَ الْمَالِ أَنْ تَنْسِبُوا ذَلِكَ الرِّزْقَ إِلَى الْكَوْكَبِ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَمِنْ هَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ رُؤْبَةُ : وَجَفَّ أَنْوَاءُ السَّحَابِ الْمُرْتَزِقِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْقَطْرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ ، أَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ ، يَقُولُونَ : سُقِينَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ - فَمَعْنَاهُ كَمَعْنَى مَا مَضَى مِنَ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا الْمِجْدَحُ ، فَإِنَّ الْخَلِيلَ زَعَمَ أَنَّهُ نَجْمٌ كَانْتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّهَا تُمْطَرُ بِهِ ، قَالَ : وَيُقَالُ : أَرْسَلَ السَّمَاءَ مَجَادِيحُ الْغَيْثِ ، قَالَ : وَيُقَالُ : مِجْدَحٌ وَمُجْدَحٌ ، بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ . أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ثَلَاثٌ لَنْ يَزَلْنَ فِي أُمَّتِي : التَّفَاخُرُ فِي الْأَحْسَابِ ، وَالنِّيَاحَةُ ، وَالْأَنْوَاءُ .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ · ص 279 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرَيَّةٌ ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِيقَةٌ · ص 376 حَدِيثٌ خَامِسٌ وَأَرْبَعُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ، ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِيقَةٌ . هَذَا حَدِيثٌ لَا أَعْرِفُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ شَآمِيَّةً ، فَهُوَ أَمْطَرُ لَهَا . وَابْنُ أَبِي يَحْيَى مَطْعُونٌ عَلَيْهِ مَتْرُوكٌ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نُبْلٌ وَيَقَظَةٌ ، اتُّهِمَ بِالْقَدَرِ وَالرَّفْضِ ، وَبِلَاغُ مَالِكٍ خَيْرٌ مِنْ حَدِيثِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ فَمَعْنَاهُ : إِذَا ظَهَرَتْ سَحَابَةٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ وَارْتَفَعَتْ ، يُقَالُ : أَنْشَأَ فُلَانٌ ، يَقُولُ كَذَا إِذَا ابْتَدَأَ قَوْلَهُ ، وَأَظْهَرَهُ بَعْدَ سُكُوتٍ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : أَنْشَأَ فُلَانٌ حَائِطَ نَخْلٍ ، أَوْ بِئْرًا ، أَوْ كَرْمًا ، أَيْ عَمِلَ ذَلِكَ وَأَظْهَرَهُ لِلنَّاسِ ، وَكُلُّ مَا بَدَأَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَظَهَرَ فَقَدْ أَنْشَأَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ أَيِ السُّفُنُ الظَّاهِرَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالْجِبَالِ الظَّاهِرَاتِ فِي الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا سَمَّى السَّحَابَةَ بَحْرِيَّةً ، لِظُهُورِهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ ، يَقُولُ : إِذَا طَلَعَتْ سَحَابَةٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ ، وَنَاحِيَةُ الْبَحْرِ بِالْمَدِينَةِ الْغَرْبُ ، ثُمَّ تَشَاءَمَتْ ، أَيْ أَخَذَتْ نَحْوَ الشَّامِ ، وَالشَّامُ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : إِذَا مَالَتِ السَّحَابَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ إِلَى جِهَةِ الشَّمَالِ ، فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِيقَةٌ ، أَيْ مَاءٌ مَعِينٌ ، وَالْعَيْنُ مَطَرُ أَيَّامٍ لَا يُقْلِعُ ، وَقِيلَ : الْعَيْنُ مَاءٌ ، عَنْ يَمِينِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ ، وَقِيلَ : كُلُّ مَاءٍ مَرَّ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرَاتِ ، يَقُولُ : فَتِلْكَ سَحَابَةٌ يَكُونُ مَاؤُهَا غَدَقًا ، وَالْغَدِيقُ الْغَزِيرُ ، وَغُدَيْقَةٌ تَصْغِيرُ غَدَقَةٍ ، وَسُمِّي الرَّجُلُ الْغَيْدَاقُ ; لِكَثْرَةِ سَخَائِهِ ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا أَيْ غَزِيرًا كَثِيرًا . قَالَ كُثَيِّرٌ : وَتُغْدِقُ أَعْدَادٌ بِهِ وَمَشَارِبُ يَقُولُ : يَكْثُرُ الْمَطَرُ عَلَيْهِ ، وَأَعْدَادٌ جَمْعُ عَدٍّ ، وَهُوَ الْمَاءُ الْغَزِيرُ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي الْمَاءِ الْعَدِّ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ : إِذَا مَا زَيْنَبُ ذُكِرَتْ سَكَبْتُ الدَّمْعَ مُتَّسِقًا كَأَنَّ سَحَابَةً تَهْمِي بِمَاءٍ حُمِّلَتْ غَدَقًا وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا خَرَجَ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ، لَا عَلَى أَنَّهُ يَعْلَمُ نُزُولَ الْمَاءِ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ عِلْمًا صَحِيحًا لَا يُخْلَفُ ( لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ ) بَلْ قَدْ صَحَّ أَنَّ الْمُدْرِكَ لِعِلْمِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَرَّةً قَدْ يُخْطِئُ فِيهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أَصَابَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَلَيْسَ بِعِلْمٍ صَحِيحٍ يُقْطَعُ عَلَيْهِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّوْءَ قَدْ يُخْوِي فَلَا يُنْزِلُ شَيْئًا ، وَإِنَّمَا هِيَ تَجَارِبُ تُخْطِئُ وَتُصِيبُ ، وَعِلْمُ الْغَيْبِ عَلَى صِحَّةٍ هُوَ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَنُزُولُ الْغَيْثِ مِنْ مَفَاتِيحِ الْغَيْبِ الْخَمْس الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - . حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِسْحَاقَ الْجَوْهَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَا : حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ، لَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ إِلَّا اللَّهُ ، وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا ، وَمَا تَدْرِي بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ . هَكَذَا حَدَّثَنِي بِهِ مَوْقُوفًا ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ ، ثُمَّ تَلَا : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ وَمِمَّنْ رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَصَالِحُ بْنُ قُدَامَةَ ، رَوَوْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَهَذَا - عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ - مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ يَقُولُونَهُ مِنْ إِضَافَةِ الْمَطَرِ إِلَى الْأَنْوَاءِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ وَاعْتَقَدَهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَنَّ النَّوْءَ مَخْلُوقٌ ، وَالْمَخْلُوقُ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا . وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ، عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ النَّوْءَ الْوَقْتُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَيْضًا ، يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ يُعْهَدُ فِيهِ ، وَيُعْرَفُ نُزُولُ الْغَيْثِ بِفِعْلِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ . وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَبَّاسِ : مَا بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الثُّرَيَّا ، وَمَا بَقِيَ مِنْ نَوْءِ الرَّبِيعِ ؟ عَلَى الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ عِنْدَهُمْ أَنَّ تِلْكَ الْأَوْقَاتَ أَوْقَاتُ أَمْطَارٍ ، إِذَا شَاءَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارِ ، وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي بَابِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث زيد بن خالد الجهني صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ · ص 152 451 ( 3 ) بَابُ الِاسْتِمْطَارِ بِالنُّجُومِ 425 - مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ; أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ . فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : قَالَ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي ، وَكَافِرٌ بِي ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي ، كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ ، مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا . فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي ، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ . 9996 - الْحُدَيْبِيَةُ : مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ فِي آخِرِ الْجَبَلِ وَأَوَّلِ الْحَرَمِ ، وَفِيهِ كَانَ الصُّلْحُ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِ كَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ . 9997 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالسَّمَاءِ : الْمَطَرَ وَالْغَيْثَ ، وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ حَسَنَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِلْعَرَبِ : قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ إِلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ تُعْفِيهَا الرَّوَامِسُ وَالسَّمَاءُ يَعْنِي : مَاءَ السَّمَاءِ . 9999 - وَقَالَ غَيْرُهُ ، فَأَفْرَطَ فِي الْمَجَازِ وَفِي الِاسْتِعَارَةِ : إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا . 10000 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَمَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى وَجْهَيْنِ . 100001 - ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْقَائِلَ مُطِرْنَا بِنَوْءٍ كَذَا : أَيْ بِسُقُوطِ نَجْمِ كَذَا أَوْ بِطُلُوعِ نَجْمِ كَذَا ، إِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ النَّوْءَ هُوَ الْمُنْزِلُ لِلْمَطَرِ وَالْخَالِقُ لَهُ وَالْمُنْشِئُ لِلسَّحَابِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَهَذَا كَافِرٌ كُفْرًا صَرِيحًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا اسْتُتِيبَ . فَإِنْ رَجَعَ إِلَى ذَلِكَ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَإِلَّا قُتِلَ إِلَى النَّارِ . 10002 - وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - جَعَلَ النَّوْءَ عَلَّامَةً لِلْمَطَرِ وَوَقْتًا لَهُ وَسَبَبًا مِنْ أَسْبَابِهِ ، كَمَا تُحْيَى بالْأَرْضُ الْمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَيَنْبُتُ بِهِ الزَّرْعُ وَيَفْعَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ مِنْ خَلِيفتِهِ ، فَهَذَا مُؤْمِنٌ لَا كَافِرٌ وَيَلْزَمُهُ مَعَ هَذَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ نُزُولَ الْمَاءِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَحِمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ لَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مَرَّةً يُنْزِلُهُ بِالنَّوْءِ وَمَرَّةً بِغَيْرِ نَوْءٍ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . 10003 - وَالَّذِي أُحِبُّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَقُولَ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث زيد بن خالد الجهني صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ · ص 157 426 - مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، وَيَتْلُو الْآيَةَ إِنْ شَاءَ . 10003 م - رَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ قَالَ ذَلِكَ فِي الْأَنْوَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ لِلْقُرْآنِ . 10004 - وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ يَقُولُ : مُطِرْنَا بِبَعْضِ عَثَانِينِ الْأَسَدِ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كَذَبْتَ بَلْ هُوَ سُقْيَا اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَرِزْقُهُ . 10004 م - قَالَ سُفْيَانُ عَثَانِينُ الْأَسَدِ : الذِّرَاعُ وَالْجَبْهَةُ . 10005 - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ : طَلَعَ سُهَيْلٌ وَبَرَدَ اللَّيْلُ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ : إِنَّ سُهَيْلًا لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ . 10005 م - وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْغَيْمِ وَالسَّحَابَةِ : مَا أَخْلَفَهَا لِلْمَطَرِ . 10006 - وَهَذَا مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَعَ رِوَايَتَهِ إِذَا أَنْشَأَتْ بَحَرِيَّةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ احْتَاطُوا فَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الْكَلَامِ بِمَا فِيهِ أَدْنَى مُتَعَلِّقٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا عَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 10007 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي كِتَابِهِ الْمَبْسُوطِ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَاكِيًا عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ . . . الْحَدِيثَ . 10008 - قَالَ : هَذَا كَلَامٌ عَرَبِيٌّ مُحْتَمِلُ الْمَعَانِي . 10009 - وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَمُشْرِكِينَ ، فَالْمُؤْمِنُ يَقُولُ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَذَلِكَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْطِرُ وَلَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا النَّوْءُ ; لِأَنَّ النَّوْءَ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَلَا لِغَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَقْتٌ . 10010 - وَمَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا يُرِيدُ فِي وَقْتِ كَذَا فَهُوَ كَقَوْلِهِ ، مُطِرْنَا فِي شَهْرِ كَذَا وَهَذَا لَا يَكُونُ كُفْرًا . 10011 - وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ أَهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ كَانُوا يُضِيفُونَ الْمَطَرَ إِلَى النَّوْءِ أَنَّهُ أَمْطَرَهُ فَهَذَا كُفْرٌ يُخْرِجُ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ . 10012 - وَالَّذِي أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ : مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا وَلَا يَقُولُ بِنَوْءِ كَذَا وَإِنْ كَانَ النَّوْءُ هُوَ الْوَقْتُ . 10013 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : النَّوْءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَاحِدُ أَنْوَاءٍ : النُّجُومُ . 10014 - وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ الطَّالِعَ وَأَكْثَرُهُمْ يَجْعَلُهُ السَّاقِطَ . 10015 - وَقَدْ سَمَّى مَنَازِلَ الْقَمَرِ كُلَّهَا أَنْوَاءً ، وَهِيَ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ مَنْزِلَةً قَدْ أَفْرَدْتُ لِذِكْرِهَا جُزْءًا ، وَقَدْ ذَكَرَهَا النَّاسُ كَثِيرًا . 10016 - وَقَدْ أَوْضَحْنَا الْقَوْلَ فِي الْأَنْوَاءِ فِي التَّمْهِيدِ . 10017 - وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَتَّابِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْقَطْرَ عَلَى عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ لَأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ بِهِ كَافِرِينَ ، يَقُولُ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ فَمَعْنَاهُ كَمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا . 10018 - وَأَمَّا الْمِجْدَحُ فَإِنَّ الْخَلِيلَ زَعَمَ أَنَّهُ نَجْمٌ كَانْتِ الْعَرَبُ تَزْعُمُ أَنَّهَا تُمْطَرُ بِهِ . 10019 - فَيُقَالُ : أَرْسَلَتِ السَّمَاءُ بِمَجَادِحِ الْغَيْثِ . 10020 - وَيُقَالُ : مِجْدَحٌ وَمُجْدَحٌ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ . 10021 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ثَلَاثٌ لَنْ يَزَلْنَ فِي أُمَّتِي التَّفَاخُرُ بِالْأَنْسَابِ وَالنِّيَاحَةُ وَالْأَنْوَاءُ . 10022 - يَعْنِي : النِّيَاحَةَ عَلَى الْمَوْتَى وَالِاسْتِمْطَارَ بِالنُّجُومِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاربلاغ مالك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَنْشَأَتْ بِحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ · ص 160 427 - وَأَمَّا حَدِيثُهُ فِي هَذَا الْبَابِ ; أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ إِذَا أَنْشَأَتْ بِحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ . 10023 - هَذَا الْحَدِيثُ لَا أَعْرِفُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ وَمَنْ ذَكَرَهُ إِنَّمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الِاسْتِسْقَاءِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ اسْتَحَالَتْ شَامِيَّةً فَهُوَ أَمْطَرُ لَهَا . 10024 - وَابْنُ أَبِي يَحْيَى مَطْعُونٌ عَلَيْهِ مَتْرُوكٌ . 10025 - وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ أَبِي فَرْوَةَ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . 10026 - وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَحْتَجُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ . 10027 - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِهِ هَذَا : بَحْرِيَّةً ( بِالنَّصْبِ ) . 10028 - كَأَنَّهُ يَقُولُ : إِذَا ظَهَرَتِ السَّحَابُ بَحَرِيَّةً مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ . 10029 - وَمَعْنَى نَشَأَتْ : ظَهَرَتْ وَارْتَفَعَتْ . يُقَالُ : أَنْشَأَ فُلَانٌ يَقُولُ كَذَا . إِذَا ابْتَدَأَ قَوْلَهُ وَأَظْهَرَهُ بَعْدَ سُكُوتٍ . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ : أَنْشَأَ فُلَانٌ حَائِطَ نَخْلٍ . 10030 - وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ) أَيِ : السُّفُنُ الظَّاهِرَةُ فِي الْبَحْرِ كَالْجِبَالِ الظَّاهِرَةِ فِي الْأَرْضِ . 10031 - وَقَدْ قِيلَ : أَنْشَأَتْ تُمْطِرُ : أَيِ ابْتَدَأَتْ . 10032 - وَمِنْهُ قِيلَ لِلشَّاعِرِ : أَنْشَأَ يَقُولُ . 10033 - وَإِنَّمَا سَمَّى السَّحَابَةَ بَحَرِيَّةً لِظُهُورِهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ . 10034 - يَقُولُ : ( إِذَا طَلَعَتْ سَحَابَةٌ مِنْ نَاحِيَةٍ الْبَحْرِ ) وَنَاحِيَةُ الْبَحْرِ بِالْمَدِينَةِ : الْغَرْبُ ( ثُمَّ تَشَاءَمَتْ ) أَيْ أَخَذَتْ نَحْوَ الشَّامِ ، وَالشَّامُ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ . 10035 - يَقُولُ : إِذَا مَالَتِ السَّحَابَةُ الظَّاهِرَةُ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ إِلَى الشَّمَالِ - وَهُوَ عِنْدَنَا الْبَحْرِيَّةُ - وَلَا تَمِيلُ كَذَلِكَ إِلَّا بِالرِّيحِ النَّكْبَاءِ الَّتِي بَيْنَ الْغَرْبِ وَالْجَنُوبِ هِيَ الْقِبْلَةُ فَإِنَّهَا يَكُونُ مَاؤُهَا غَدَقًا ، يَعْنِي : غَزِيرًا مَعِينًا ; لِأَنَّ الْجَنُوبَ تَسُوقُهَا وَتَسْتَدِرُّهَا وَهَذَا مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ . 10036 - قَالَ الْكُمَيْتُ : مَرَتْهُ الْجَنُوبُ فَلَمَّا اكْفَهَرْ رَحَلَّتْ عَزَالِيَهُ الشَّمْأَلُ . 10037 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَتِلْكَ عَيْنٌ فَالْعَيْنُ مَطَرُ أَيَّامٍ لَا يَقْلَعُ . 10038 - كَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللُّغَةِ وَالْخَبَرِ . 10039 - قَالُوا : وَالْعَيْنُ أَيْضًا نَاحِيَةُ الْقِبْلَةِ . 10040 - وَالْعَرَبُ تَقُولُ : مُطِرْنَا بِالْعَيْنِ ، وَمِنَ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ السَّحَابُ نَاشِئًا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ . 10041 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْعَيْنَ مَاءٌ عَنْ يَمِينِ قِبْلَةِ الْعِرَاقِ . 10042 - وَغُدَيْقَةٌ : تَصْغِيرُ غَدَقَةٍ ، وَالْغَدَقَةُ الْكَثِيرَةُ الْمَاءِ . 10043 - قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ : مَاءً غَدَقًا 10044 - قَالَ كَثِيرٌ : وَتَغْدِقُ أَعْدَادٌ بِهِ وَمَشَارِبُ . 10045 - يَقُولُ : يَكْثُرُ الْمَطَرُ عَلَيْهِ . 10046 - وَأَعْدَادٌ : جَمْعُ عِدٍّ ، وَهُوَ الْمَاءُ الْغَزِيرُ . وَقَدْ يَكُونُ التَّصْغِيرُ هُنَا أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ كَمَا قَالَ عُمَرُ فِي ابْنِ مَسْعُودٍ كُنَيِّفٌ مُلِئَ عِلْمًا . 10047 - وَقِيلَ : إِنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ لِصِغَرِ قَدِّ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَطَافَةِ جِسْمِهِ . 10048 - وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا خَرَجَ عَلَى الْعَادَةِ الْمَعْهُودَةِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ ; لِأَنَّهُ يُعْلَمُ نُزُولُ الْغَيْثِ حَقِيقَةً بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ ظُهُورِ السَّحَابِ . 10049 - وَقَدْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْخَمْسَ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ . 10050 - وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ السَّحَابَةَ تَحْمِلُ الْمَاءَ مِنَ الْبَحْرِ . 10051 - وَاحْتَجَّ قَائِلُ هَذَا بِقَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ : شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَشِيجُ . 50 10052 وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ : بِمَاءِ الْبَحْرِ : لِلتَّبْعِيضِ . 10053 - وَالَّذِي قَدَّمْتُ لَكَ هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَكَيْفَ كَانَتِ الْحَالُ فَلَا يُنْزِلُ الْغَيْثَ مِنْ حَيْثُ نَزَلَ وَلَا يُنْشِئُ السَّحَابَ وَلَا يُرْسِلُ الرِّيَاحَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْاسْتِمْطَارِ بِالنُّجُومِ · ص 652 3 - بَاب الْاسْتِمْطَارِ بِالنُّجُومِ 452 - حَدَّثَنِي يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : قَالَ : أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي ، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ . 3 - بَابُ الِاسْتِمْطَارِ بِالنُّجُومِ 451 452 - ( مَالِكٌ ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ ، الْمَدَنِيِّ ، ثِقَةٌ ثَبْتٌ فَقِيهٌ تَقَدَّمَ ( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بِضَمِّ الْعَيْنِ ( ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ ) بِفَتْحِهَا ( ابْنِ عُتْبَةَ ) بِضَمِّهَا وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ ( ابْنِ مَسْعُودٍ ) أَحَدِ الْفُقَهَاءِ ( عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ) بِضَمِّ الْجِيمِ ، وَفَتْحِ الْهَاءِ ، هَكَذَا يَقُولُ صَالِحٌ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَخَالَفَهُ الزُّهْرِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ شَيْخِهِمَا ( عُبَيْدِ اللَّهِ ) فَقَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَقِبَ رِوَايَةِ صَالِحٍ فَصَحَّحَ الطَّرِيقَ ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ سَمِعَ مِنْ زَيْدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ جَمِيعًا عِدَّةَ أَحَادِيثَ ، مِنْهَا حَدِيثُ الْعَسِيفِ وَحَدِيثُ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ ، فَلَعَلَّهُ سَمِعَ هَذَا مِنْهُمَا فَحَدَّثَ بِهِ تَارَةً عَنْ هَذَا ، وَتَارَةً عَنْ هَذَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْمَعْهُمَا لِاخْتِلَافِ لَفْظِهِمَا ، وَقَدْ صَرَّحَ صَالِحٌ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ قَالَهُ الْحَافِظُ ( أَنَّهُ قَالَ : صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أَيْ : لِأَجْلِنَا ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى الْبَاءِ ؛ أَيْ : صَلَّى بِنَا وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ ذَلِكَ مَجَازًا وَإِنَّمَا الصَّلَاةُ لِلَّهِ تَعَالَى ( صَلَاةُ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّصْغِيرِ مُخَفَّفَةُ الْيَاءِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ، مُشَدَّدَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ ، يُقَالُ : سُمِّيَتْ بِشَجَرَةٍ حَدْبَاءَ كَانَتْ هُنَاكَ ، وَكَانَ تَحْتَهَا بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ ( عَلَى إِثْرِ ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَهُوَ مَا يَعْقِبُ الشَّيْءَ ؛ أَيْ : عَلَى عَقِبِ ( سَمَاءٍ ) أيْ : مَطَرٍ وَأَطْلَقَ عَلَيْهَا سَمَاءً لِنُزُولِهَا مِنْ جِهَةِ السَّمَاءِ ، وَكُلُّ جِهَةِ عُلُوٍّ يُسَمَّى سَمَاءً ( كَانَتِ ) السَّمَاءُ ( مِنَ اللَّيْلِ ) بِالْجَمْعِ لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنَ اللَّيْلَةِ بِالْإِفْرَادِ ، ( فَلَمَّا انْصَرَفَ ) مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ مِنْ مَكَانِهِ ( أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ) بِوَجْهِهِ الْوَجِيهِ ( فَقَالَ ) لَهُمْ ( أَتَدْرُونَ ) وَللِأُوَيْسِيٍّ : هَلْ تَدْرُونَ ؟ ( مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ) بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْنَاهُ التَّنْبِيهُ ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ صَالِحٍ : أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَبُّكُمُ اللَّيْلَةَ ؟ ( قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ) فِيهِ طَرْحُ الْإِمَامِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِدِقَّةِ نَظَرٍ ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّ لِلْوَلِيِّ الْمُتَمَكِّنِ مِنَ النَّظَرِ فِي الْإِشَارَاتِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا عِبَارَاتٍ يَنْسُبُهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنِ اسْتِفْهَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّحَابَةَ وَحَمَلَ الِاسْتِفْهَامَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، لَكِنَّهُمْ فَهِمُوا خِلَافَ ذَلِكَ ؛ وَلِذَا لَمْ يُجِيبُوا إِلَّا بِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ؛ قَالَهُ الْحَافِظُ . ( قَالَ : قَالَ ) رَبُّكُمْ وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ وَهِيَ تَحْتَمِلُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةٍ ( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي ) إِضَافَةُ تَعْمِيمٍ بِدَلِيلِ تَقْسِيمِهِ لِمُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ( سُورَةُ الْحِجْرِ : الْآيَةُ 42 ) فَإِضَافَةُ تَشْرِيفٍ ( مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي ) كُفْرُ إِشْرَاكٍ لِمُقَابَلَتِهِ بِالْإِيمَانِ أَوْ كُفْرُ نِعْمَةٍ لِمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَ اللَّهُ : مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ ( فَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ) بِالْإِفْرَادِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بِالْكَوَاكِبِ ؛ بِالْجَمْعِ . ( وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَالْهَمْزِ ؛ أَيْ : بِكَوْكَبِ ( كَذَا وَكَذَا ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ ؛ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الدَّالِّ وَمُهْمَلَةٍ ، وَيُقَالُ : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ الدَّبَرَانُ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا رَاءٌ - قِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِدْبَارِهِ الثُّرَيَّا وَهُوَ نَجْمٌ أَحْمَرُ مُنِيرٌ ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : النَّوْءُ سُقُوطُ نَجْمٍ فِي الْمَغْرِبِ مِنَ النُّجُومِ الثَّمَانِيَةِ وَعِشْرِينَ الَّتِي هِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ ، مِنْ نَاءَ إِذَا سَقَطَ . وَقَالَ آخَرُونَ : النَّوْءُ طُلُوعُ نَجْمٍ مِنْهَا ، مِنْ نَاءَ إِذَا نَهَضَ ، وَلَا خُلْفَ بَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ نَجْمٍ مِنْهَا إِذَا طَلَعَ فِي الشَّرْقِ طَلَعَ آخَرُ فِي الْمَغْرِبِ إِلَى انْتِهَاءِ الثَّمَانِيَةِ وَعِشْرِينَ ، وَكُلٌّ مِنَ النُّجُومِ الْمَذْكُورَةِ نَوْءٌ ، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهَا أَحْمَرُ وَأَغْزَرُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَنَوْءُ الدَّبَرَانِ لَا يُحْمَدُ عِنْدَهُمُ ، انْتَهَى . فَكَأَنَّ ذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ تَنْبِيهًا عَلَى مُبَالَغَتِهِمْ فِي نِسْبَةِ الْمَطَرِ إِلَى النَّوْءِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا أَوِ اتَّفَقَ وُقُوعُ ذَلِكَ الْمَطَرِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إِنْ كَانَتِ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً ، وَفِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ : أَنَّ الْقَائِلَ ذَلِكَ الْوَقْتُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الشِّعْرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، ( فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ كُفْرُ الشِّرْكِ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ بِالْإِيمَانِ ، وَلِأَحْمَدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ اللَّيْثِيِّ مَرْفُوعًا : يَكُونُ النَّاسُ مُجْدَبِينَ فَيُنْزِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِزْقًا مِنْ رِزْقِهِ ، فَيُصْبِحُونَ مُشْرِكِينَ يَقُولُونَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا ) وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ كُفْرُ النِّعْمَةِ وَيُرْشِدُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَسُفْيَانَ ، عَنْ صَالِحٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِمَا : فَأَمَّا مَنْ حَمِدَنِي عَلَى سُقْيَايَ وَأَثْنَى عَلَيَّ فَذَاكَ آمَنَ بِي وَقَالَ فِي آخِرِهِ : وَكَفَرَ بِي أَوْ كَفَرَ نِعْمَتِى ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : قَالَ اللَّهُ : مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ ، وَلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَعْلَاهُمْ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ فِي الْأُمِّ : مَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ؛ عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَطَرِ إِلَى أَنَّهُ مَطَرُ نَوْءِ كَذَا ، فَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ لِأَنَّ النَّوْءَ وَقْتٌ وَالْوَقْتُ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ شَيْئًا ، وَمَنْ قَالَ : مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا عَلَى مَعْنَى مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا فَلَا يَكُونُ كُفْرًا ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ ؛ يَعْنِي حَسْمًا لِلْمَادَّةِ ، وَكَانُوا يَظُنُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ نُزُولَ الْغَيْثِ بِوَاسِطَةِ النَّوْءِ إِمَّا بِصُنْعِهِ عَلَى زَعْمِهِمْ ، وَإِمَّا بِعَلَامَةٍ فَأَبْطَلَهُ الشَّرْعُ وَجَعَلَهُ كُفْرًا ، وَإِنِ اعْتُقِدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّجْرِبَةِ فَلَيْسَ بِكُفْرٍ ، لَكِنْ تَجُوزُ فِي إِطْلَاقِ اسْمِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ وَإِرَادَةِ كُفْرِ النِّعْمَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طرق الْحَدِيثِ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالشُّكْرِ وَاسِطَةٌ ، فَيُحْمَلُ الْكُفْرُ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ لِيَتَنَاوَلَ الْأَمْرَيْنِ ، وَلَا يُرَدُّ السَّاكِتُ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقِدَ قَدْ يَشْكُرُ بِقَلْبِهِ أَوْ يَكْفُرُ ، فَعَلَى هَذَا لِقَوْلِهِ : فَأَمَّا مَنْ قَالَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ النُّطْقِ وَالِاعْتِقَادِ كَمَا أَنَّ الْكُفْرَ أَعَمُّ مِنْ كُفْرِ الشِّرْكِ وَكُفْرِ النِّعْمَةِ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ لِوَجْهَيْنِ ؛ أَحَدِهِمَا : أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَنْتَظِرُ السُّقْيَا فِي الْأَنْوَاءِ فَقَطَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَالْكَوَاكِبِ . الثَّانِي : أَنَّ النَّاسَ أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ فِي زَمَانِ عُمَرَ فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ : كَمْ بَقِيَ مِنْ أَنْوَاءِ الثُّرَيَّا ؟ فَقَالَ الْعَبَّاسُ : زَعَمُوا أَنَّهَا تَعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ سَبْعًا ، فَمَا مَرَّتْ حَتَّى نَزَلَ الْمَطَرُ ، فَانْظُرْ إِلَى عُمَرَ وَالْعَبَّاسِ وَقَدْ ذَكَرَا الثُّرَيَّا وَنَوْءَهَا وَتَوَقَّعَا ذَلِكَ فِي وَقْتِهَا ، ثُمَّ مَنِ انْتَظَرَ الْمَطَرَ مِنَ الْأَنْوَاءِ عَلَى أَنَّهَا فَاعِلَةٌ لَهُ دُونَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا فَاعِلَةٌ بِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهَا فَهُوَ كَافِرٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ إِلَّا لِلَّهِ كَمَا قَالَ : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ( سُورَةُ الْأَعْرَافِ : الْآيَةُ 54 ) وَمَنِ انْتَظَرَهَا وَتَوَكَّفَ الْمَطَرَ مِنْهَا عَلَى أَنَّهَا عَادَةٌ أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَجْرَى الْعَوَائِدَ فِي السَّحَابِ وَالرِّيَاحِ وَالْأَمْطَارِ لِمَعَانٍ تَتَرَتَّبُ فِي الْخِلْقَةِ وَجَاءَتْ عَلَى نَسَقٍ فِي الْعَادَةِ ، انْتَهَى . وَذَكَرَ نَحْوَ تَفْصِيلِهِ الْبَاجِيِّ وَزَادَ أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لَا يُكَفِّرُ فِي الثَّالِثِ لَا يَجُورُ إِطْلَاقُ هَذَا اللَّفْظِ بِوَجْهٍ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ مَا ذَكَرَ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِمَنْعِهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ السَّامِعِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ عَنْ يَحْيَى ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ صَالِحٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْاسْتِمْطَارِ بِالنُّجُومِ · ص 655 453 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا أَنْشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ تَشَاءَمَتْ ، فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ . 451 453 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِوَجْهٍ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ اسْتَحَالَتْ شَامِيَّةً فَهُوَ أَمْطَرُ لَهَا ، قَالَ : وَابْنُ أَبِي يَحْيَى وَإِسْحَاقُ ضَعِيفَانِ لَا يُحْتَجُّ بِهِمَا ، ( كَانَ يَقُولُ : إِذَا أَنْشَأَتْ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ ؛ أَيْ : ظَهَرَتْ سَحَابَةٌ ( بَحْرِيَّةً ) أَيْ : مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرِ ، وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ الْغَرْبُ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِالنَّصْبِ كَمَا أَفَادَهُ أَبُو عُمَرَ ؛ أَيْ : عَلَى الْحَالِ ( ثُمَّ تَشَاءَمَتْ ) أَيْ : أَخَذَتْ نَحْوَ الشَّامِ ، وَالشَّامُ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي نَاحِيَةِ الشَّمَالِ ، يَعْنِي إِذَا مَالَتِ السَّحَابَةُ مِنْ جِهَةِ الْغَرْبِ إِلَى الشَّمَالِ دَلَّتْ عَلَى الْمَطَرِ الْغَزِيرِ وَلَا تَمِيلُ كَذَلِكَ إِلَّا الرِّيحُ النَّكْبَا الَّتِي بَيْنَ الْغَرْبِ وَالْجَنُوبِ . ( فَتِلْكَ عَيْنٌ غُدَيْقَةٌ ) بِالتَّنْوِينِ فِيهِمَا مُصَغَّرُ غَدِقَةٍ قَالَ تَعَالَى : مَاءً غَدَقًا ( سُورَةُ الْجِنِّ : الْآيَةُ 16 ) أَيْ : كَثِيرًا ، ا هـ كَلَامُ أَبِي عُمَرَ . وَقَالَ الْبَاجِيُّ : قَالَ مَالِكٌ : مَعْنَاهُ إِذَا ضَرَبَتْ رِيحٌ بَحْرِيَّةٌ فَأَنْشَأَتْ سَحَابًا ، ثُمَّ ضَرَبَتْ رِيحٌ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمَالِ فَتِلْكَ عَلَامَةُ الْمَطَرِ الْغَزِيرِ ، وَالْعَيْنُ : مَطَرُ أَيَّامٍ لَا يَقْلَعُ . وَقَالَ سَحْنُونٌ : مَعْنَاهُ كَمَا يَقُولُ مِنَ الْعَيْنِ ، قَالَ : وَأَهْلُ بَلَدِنَا يَرْوُونَ غُدَيْقَةً بِالتَّصْغِيرِ ، وَقَرَأَهُ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ وَضَبَطَهُ لِي بِخَطِّ يَدِهِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ ، وَهَكَذَا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَتَّانِيِّ قَالَ : وَأَدْخَلَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ إِثْرَ الْأَوَّلِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَهُ الْقَائِلُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ ، كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ بَلَدٍ أَنْ تُمْطِرَ بِالرِّيحِ الْغَرْبِيَّةِ وَآخَرُ بِالرِّيحِ الشَّرْقِيَّةِ مَعَ اعْتِقَادٍ أَنَّ الرِّيحَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِيهِ وَلَا سبب ، وَإِنَّمَا اللَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ لِمَا يَشَاءُ .
شرح الزرقاني على الموطأبَاب الْاسْتِمْطَارِ بِالنُّجُومِ · ص 656 454 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا أَصْبَحَ وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ : مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ . 451 454 - ( مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ : إِذَا أَصْبَحَ وَقَدْ مُطِرَ النَّاسُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ الْفَتْحِ ) أَيْ : فَتَحَ رَبُّنَا عَلَيْنَا فَاسْتُعْمِلَ النَّوْءُ فِي الْفَتْحِ الْإِلَهِيِّ لِلْإِشَارَةِ إِلَى رَدِّ مُعْتَقَدِ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ إِسْنَادِهِ لِلْكَوَاكِبِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : إِذَا لَمْ تَعْدِلُوا عَنْ لَفْظِ نَوْءٍ فَأَضِيفُوهُ إِلَى الْفَتْحِ . ( ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ : مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ مَطَرٍ وَرِزْقٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا أَيْ : لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَهَا عَنْهُمْ ، وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ إِضَافَتُهُ لِلْأَنْوَاءِ وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ ؟ وَالْحَاصِلُ كَمَا قَالَ الْبَاجِيُّ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ مَنْ أَضَافَ الْمَطَرَ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ وَلَا تَأْثِيرٍ ، وَمَا يُدَّعَى مِنْ تَأْثِيرِ الْكَوَاكِبِ قِسْمَانِ : أَنْ يَكُونَ الْكَوْكَبُ فَاعِلًا وَأَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهِ ، وَإِذَا حُمِلَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِاحْتِمَالِهِ لَهُمَا اقْتَضَى ظَاهِرُهُ تَكْفِيرَ مَنْ قَالَ بِأَحَدِهِمَا قَالَ تَعَالَى : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ ( سُورَةُ فَاطِرٍ : الْآيَةُ 3 ) وَقَالَ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَـزِّلُ الْغَيْثَ ( سُورَةُ لُقْمَانَ : الْآيَةُ 34 ) وَقَالَ تَعَالَى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ ( سُورَةُ النَّمْلِ : الْآيَةُ 65 ) ، وَقَوْلُ بَعْضِ الْجُهَّالِ : لَيْسَ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنِ الْغَيْبِ ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُخْبِرُ بِأَدِلَّةِ النُّجُومِ بَاطِلٌ ، فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ مَا تَصَوَّرَ غَيْبٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْبَارِي تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ سِرٍّ كَانَ وَيَكُونُ إِلَّا وَالنُّجُومُ تَدَلُّ عَلَيْهِ . وَأَمَّا إِنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْعَادَةَ نُزُولُ الْمَطَرِ عِنْدَ نَوْءٍ مِنَ الْأَنْوَاءِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ النَّوْءَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي نُزُولِهِ ، وَأَنَّ الْمُنْفَرِدَ بِإِنْزَالِهِ اللَّهُ ، فَلَا يَكْفَرُ مَعَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ بِوَجْهٍ ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ مَا ذَكَرْنَا لِوُرُودِ الشَّرْعِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ السَّامِعِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .