1732 حَدِيثٌ رَابِعُ عِشْرِينَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، مَقْطُوعٌ يَتَّصِلُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ . وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى كُلُّهَا ثَابِتَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرٍ ، وَغَيْرِهِمْ . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ، يَقُولُ : بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ سَمُرَةَ بَاعَ خَمْرًا ، فَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : جَمَّلُوهَا ، يَعْنِي أَذَابُوهَا ، لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا مُفَسَّرًا فِي الْحَدِيثِ . حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا مُضَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ سَلَّامٍ الْكُوفِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ ، يَعْنِي ابْنَ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ شُحُومُ الْأَنْعَامِ فَأَذَابُوهَا ، ثُمَّ بَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا . أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ أَنَّ بِشْرَ بْنَ الْمُفَضَّلِ وَخَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَاهُمُ الْمَعْنَى ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ بَرَكَةَ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ ، قَالَ : فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ ، ثُمَّ قَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ - ثَلَاثًا ، قَالَ - إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ وَلَمْ يَقُلْ : عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُ ، وَقَالَ : قَاتَلَ اللَّهُ . وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا خَالِدٌ ، عَنْ بَرَكَةَ أَبِي الْعُرْيَانِ الْمُحَارِبِيِّ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ : كَذَا قَالَ ، عَنْ بَرَكَةَ أَبِي الْعُرْيَانِ وَسَمِعَتْ أَبِي يَقُولُ : وَأَبُو الْعُرْيَانِ الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْهُ خَالِدٌ اسْمُهُ أُنَيْسٌ . وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ قَاسِمِ بْنِ عِيسَى ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبَابَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِهِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِجَازَةِ بَيْعِ الزَّيْتِ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ مَعَ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِهِ ، وَإِقْرَارِهِ بِنَجَاسَتِهِ ، وَقَدْ دَفَعَ هَذَا التَّأْوِيلُ بَعْضَ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا كَانَ مِثْلُهُ إِنَّمَا خَرَجَ عَلَى مَا قَدْ حُرِّمَ بِذَاتِهِ مِثْلَ الْخَمْرِ وَشُحُومِ الْمَيْتَةِ . وَأَمَّا الزَّيْتُ الَّذِي تَمُوتُ فِيهِ الْفَأْرَةُ ، فَإِنَّمَا تَنَجَّسَ بِالْمُجَاوَرَةِ ، وَلَيْسَ بِنَجَسِ الذَّاتِ ، وَلَوْ كَانَ نَجِسَ الذَّاتِ مَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ ، وَلَا اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ كَمَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْخَمْرِ ، وَلَا الْخِنْزِيرِ ، وَلَا الْمَيْتَةِ فِي شَيْءٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُجَوَّدَةً فِي بَابِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِبَاحَةُ الدُّعَاءِ عَلَى الْيَهُودِ ، وَإِبَاحَةُ لَعْنِهِمْ اقْتِدَاءً بِهِ فِي ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ ، قَالَ : تَفَرَدَّ حَبِيبٌ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءٍ ، قَالَ : رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ : غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا ، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، اللَّهُمَّ الْعَنْ بَنِي لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ قَالَ خُفَافٌ : فَجُعِلَ لَعْنُ الْكُفَّارِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ، وَتَفَرَّدَ بِهِ حَبِيبٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ صَحِيحٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ لَمَّا لَعَنَ الْوَاصِلَةَ ، وَالْمُسْتَوْصِلَةَ ... الْحَدِيثَ - أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنْ لَعْنُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْخَبَرَ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا ، وَمُوكِلَهُ ، وَالْيَهُودَ ، وَغَيْرَهُمْ ، وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ لَعْنَتُهُ لِهَؤُلَاءِ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ ، فَمَنْ لَعَنَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُلْعَنَ فَمُبَاحٌ ، وَمَنْ لَعَنَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ فَقَدْ أَثِمَ ، وَمَنْ تَرَكَ اللَّعْنَ عِنْدَ الْغَضَبِ ، وَلَمْ يَلْعَنْ مُسْلِمًا ، وَلَمْ يَسُبَّهُ فَذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، أَخْبَرَنَا عَلِيٌّ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا سَحْنُونٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَلْعَنُ خَادِمًا قَطُّ غَيْرَ مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ غَضِبَ فِيهَا عَلَى بَعْضِ خَدَمِهِ ، فَقَالَ : لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ ، كَلِمَةٌ لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقُولَهَا ، وَقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخْتَفِي ، يَعْنِي نَبَّاشَ الْقُبُورِ ، وَلَعَنَ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا .... الْحَدِيثَ . وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ يَقُولُ : مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ . قَرَأْتُ عَلَى سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ ، وَعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ أَنَّ قَاسِمَ بْنَ أَصْبَغَ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، أَخْبَرَنِي فُلَانٌ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : رَأَيْتُ عُمَرَ ، يَقُولُ بِيَدِهِ ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ هَكَذَا ، يَعْنِي يُحَرِّكُهَا يَمِينًا وَشِمَالًا : عُوَيْمِلٌ لَنَا بِالْعِرَاقِ ، عُوَيْمِلٌ لَنَا بِالْعِرَاقِ خَلَطَ فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ أَثْمَانَ الْخَنَازِيرِ ، وَالْخَمْرِ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا ، قَالَ سُفْيَانُ : جَمَّلُوهَا ، يَعْنِي أَذَابُوهَا .
الشروح
التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ · ص 401 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيدالْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ · ص 339 حَدِيثٌ خَامِسٌ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْبَلَاغَاتِ مَالِكٌ ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ ، فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ ، وَقَامَ فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ ، فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً ، وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ، ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَأَكَلُوا مِنْهُ ، وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَسْتَنِدُ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَغَيْرِهِ ، وَفِيهِ مَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ ، وَشَظَفِ الْعَيْشِ ، وَمَا زَالَ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ يَجُوعُونَ مَرَّةً ، وَيَشْبَعُونَ أُخْرَى ، وَتُزْوَى عَنْهُمُ الدُّنْيَا ، وَفِيهِ طَلَبُ الرِّزْقِ وَالنُّزُولُ عَلَى الصَّدِيقِ ، وَأَكْلِ مَالِهِ ، وَالسُّنَّةُ فِي الضِّيَافَةِ ، وَبِرِّ الضَّيْفِ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُ ، وَيُحْضَرُ إِذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِذَلِكَ . وَفِيهِ كَرَاهِيَةُ ذَبْحِ مَا يَجْرِي نَفْعُهُ مياومة ومُدَاوَمَةً كَرَاهِيَةُ إِرْشَادٍ ، لَا كَرَاهِيَةُ تَحْرِيمٍ . وَفِيهِ اسْتِعْذَابُ الْمَاءِ ، وَتَخَيُّرُهُ ، وَتَبْرِيدُهُ لِلرِّيحِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا سَدَّ الْجُوعَ ، وَسَتَرَ الْعَوْرَةَ مِنْ خَشِنِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْمَرْءُ فِي الْقِيَامَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنِ النَّعِيمِ ، هَذَا قَالَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِآدَمَ : وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى وَبِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نَظَرٌ وَاخْتِلَافٌ ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِ ذَلِكَ ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ . وَأَمَّا أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ ، فَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ التَّيْهَانِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الصَّحَابَةِ ، وَنَسَبْنَاهُ ، وَذَكَرْنَا خَبَرَهُ ، فَأَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ هَاهُنَا . حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ؟ قَالَا : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا ، فَقُومُوا ، فَقَامُوا مَعَهُ ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ قَالَتْ : انْطَلَقَ لِيَسْتَعْذِبَ لَنَا مِنَ الْمَاءِ ، إِذا جَاءَ الْأَنْصَارِيُّ فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَصَاحِبَيْهِ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَمَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمُ أَضْيَافًا مِنِّي ، قَالَ : فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ ، وَتَمْرٌ رُطَبٌ ، فَقَالَ : كُلُوا مِنْ هَذَا ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ، فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً ، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ ، وَمِنْ ذَلِكَ الْعَذْقِ ، وَشَرِبُوا ، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوَوْا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَمْدَحُ بِهَا أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيْهَانِ : فَلَمْ أَرَ كَالْإِسْلَامِ عِزًّا لِأُمَّةٍ وَلَا مِثْلَ أَضْيَافِ الْأَرَاشِيِّ مَعْشَرَا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَفَارُوقُ أُمَّةٍ وَخَيْرُ بَنِي حَوَّاءَ فَرْعًا وَعُنْصُرًا فَوَافَقَ لِلْمِيقَاتِ قَدْرَ قَضِيَّةٍ وَكَانَ قَضَاءُ اللَّهِ قَدْرًا مُقَدَّرَا إِلَى رَجُلٍ نَجِدٍ يُبَارِي بِجُودِهِ شُمُوسَ الضُّحَى جُودًا وَمَجْدًا وَمَفْخَرَا وَفَارِسِ خَلْقِ اللَّهِ فِي كُلِّ غَارَةٍ إِذَا لَبِسَ الْقَوْمُ الْحَدِيدَ الْمُسَمَّرَا فَفَدَى وَحَيَّا ثُمَّ أَدْنَى قِرَاهُمُ فَلَمْ يُقْرِهِمْ إِلَّا سَمِينًا مُعَمِّرَا وَقَرَأْتُ عَلَى قَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعْدٍ حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ بِمَكَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيه ، وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ : خَرَجْتُ لِلِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّظَرِ فِي وَجْهِهِ ، قَالَ : فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ ، فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ ، قَالَ : وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ الَّذِي تَجِدُ ، انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ ، وَكَانَ كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ ، فَأَتَوْهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ ، وَوَجَدُوا امْرَأَتَهُ ، فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ فَقَالَتْ : ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ مِنْ قَنَاةِ بَنِي فُلَانٍ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ بِقِرْبَةٍ فَوَضَعَهَا ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلَ يَلْتَزِمُهُ وَيَفْدِيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى ظِلٍّ ، وَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلِهِ ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ ؟ فَقَالَ : أَرَدْتُ أَنْ تَتَخَيَّرُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهَ ، فَأَكَلُوا ثُمَّ شَرِبُوا مِنَ الْمَاءِ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مَسْؤولُونَ ، هَذَا الظِّلُّ الْبَارِدُ ، وَالرُّطَبُ الْبَارِدُ ، عَلَيْهِ الْمَاءُ الْبَارِدُ ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَصْنَعُ لَهُمْ طَعَامًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَذْبَحْ ذَاتَ دَرٍّ ، قَالَ : فَذَبَحَ لَهُمْ عَنَاقًا فَأَكَلُوا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَكَ مِنْ خَادِمٍ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَإِذَا أَتَانَا شَيْءٌ ، أَوْ قَالَ : سَبْيٌّ ، فَأْتِنَا ؛ قَالَ : فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسَانِ لَيْسَ لَهُمَا ثَالِثٌ ، فَأَتَاهُ - يَعْنِي أَبَا الْهَيْثَمِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَرْ أَحَدَهُمَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خِرْ لِي ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ ، خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي ، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا ، فأتى بِهِ امْرَأَتَهُ ، فَحَدَّثَهَا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ حَتَّى تُعْتِقَهُ ، قَالَ : هُوَ عَتِيقٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ : بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوهُ خَبَالًا ، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ الشَّرِّ فَقَدْ وُقِيَ . وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ أَبُو عَوَانَةَ ، وَأَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ ، كَمَا رَوَاهُ شَيْبَانُ ، وَقَدْ رَوَاهُ حُسَيْنٌ الْمَرْوَزِيُّ ، عَنْ شَيْبَانَ مُخْتَصَرًا ، حَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِغُ قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيْهَانِ الْأَنْصَارِيَّ ، فَأَكَلُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ ، وَشَرِبُوا مِنَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ النَّعِيمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَنْهُ مَسْؤولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، هَذَا الظِّلُّ الْبَارِدُ ، وَالرُّطَبُ الْبَارِدُ ، وَالْمَاءُ الْبَارِدُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَكَ مِنْ خَادِمٍ ؟ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى آخِرِهِ سَوَاءٌ . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مُخْتَصَرًا ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَمَّالُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ فَأَطْعَمْنَاهُمْ رُطَبًا ، وَسَقَيْنَاهُمْ مِنَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَأَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيْهَانِ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ بِأَسَانِيدَ صَالِحَةٍ ، وَمَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ . وَذَكَرَ الْفِرْيَانِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ مِنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارحديث يَا نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ إِحْدَاكُنَّ لِجَارَتِهَا وَلَوْ كُرَاعَ شَاةٍ مُحْرَقًا · ص 318 1732 1733 - مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ . 39788 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَحَدِيثِ جَابِرٍ . 39789 - وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي التَّمْهِيدِ . 39790 - وَقِيلَ : إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 39791 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ قَالَا : حَدَّثَنِي قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَيْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : [ بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ سَمُرَةَ ] بَاعَ خَمْرًا ، فَقَالَ : [ قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ ، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ] : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ ، فَجَمَّلُوهَا فَبَاعُوهَا . 39792 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَوْلُهُ : فَجَمَّلُوهَا . أَيْ أَذَابُوهَا . 39793 - وَقَدْ جَاءَ هَذَا مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَذْكُورًا فِي التَّمْهِيدِ . 39794 - وَأَمَّا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى سَمَاعَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 39795 - فَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ ، أَنَّ بِشْرَ بْنَ الْمُفَضَّلِ ، وَخَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَاهُ الْمَعْنَى عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ بَرَكَةَ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا عِنْدَ الرُّكْنِ قَالَ : فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَضَحِكَ ، فَقَالَ : لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ - ثَلَاثًا - إِنِ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ ، فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَها ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ ، حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ . 39796 - وَلَمْ يَقُلْ عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُ ، وَقَالَ ، قَاتَلَ . . . . . 39797 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ ، حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ يُرِيدُ ثَمَنَ مَا يُبَاعُ مِنْهُ لِلْأَكْلِ ، وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْأَكْلِ . 39798 - وَأَمَّا الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ ، وَمَا كَانَ مِثْلَهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَيَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فَجَائِزٌ بَيْعُهُ لِغَيْرِ الْأَكْلِ وَأَكْلُ ثَمَنِهِ . 39799 - وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الزَّيْتِ تَقَعُ فِيهِ الْمَيْتَةُ ، وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَذَاهِبِ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثاربلاغ مالك يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ · ص 321 1734 - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ ، وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ ، وَخُبْزِ الشَّعِيرِ ، وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ . 39800 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : الْمَاءُ الْقَرَاحُ هُوَ الصَّافِي الَّذِي لَا يَشُوبُهُ شَيْءٌ ، لَمْ يُمْزَجْ بِعَسَلٍ وَلَا زَيْتٍ ، وَلَا تَمْرٍ ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُصْنَعُ مِنْهُ الْأَشْرِبَةُ . 39801 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مَا جَاءَ فِي الْآثَارِ فِي أَنَّ قَوْلَ الْعَبْدِ عَلَى طَعَامِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، شُكْرُ تِلْكَ النِّعْمَةِ يُعَارِضُ خَبَرَ عِيسَى هَذَا . 39802 - وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، أَنَّهُ قَالَ : أَفْضَلُ الشُّكْرِ الْحَمْدُ لِلَّهِ . 39803 - وَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَشَدَّ الْأَنْبِيَاءِ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ زُهَّادًا فِيهَا ، وَمَا بُعِثَ نَبِيٌّ قَطُّ إِلَّا بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالنَّهْيِ عَنِ الرَّغْبَةِ فِيهَا . 39804 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ : حَدَّثَنِي شَرِيكٌ ، عَنْ عَاصِمٍ وَ[ الْأَعْمَشِ ] ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : اتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ مَسَاكِنَ وَاتَّخِذُوا الْبُيُوتَ مَنَازِلَ ، وَانْجُوا مِنَ الدُّنْيَا بِسَلَامٍ ، وَكُلُوا مِنْ بَقْلِ الْبَرِّيَّةِ . 39805 - وَزَادَ الْأَعْمَشُ فِيهِ : وَاشْرَبُوا مِنَ الْمَاءِ الْقَرَاحِ . 39806 - قَالَ : وَحَدَّثَنِي جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : كَانَ عِيسَى ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) : لَا يَرْفَعُ غَدَاءً لِعَشَاءٍ ، وَلَا عَشَاءً لِغَدَاءٍ ، وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ مَعَ كُلِّ يَوْمٍ رِزْقَهُ ، وَكَانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ ، وَيَنَامُ حَيْثُ أَمْسَى . 39807 - وَرَوَيْنَا أَنَّ عِيسَى ( عَلَيْهِ السَّلَامُ ) قَالَ لَهُ الْحَوَارِيُّونَ : يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، مَا تَأْكُلُ ؟ قَالَ : خُبْزَ الشَّعِيرِ قَالُوا : وَمَا تَلْبَسُ ؟ قَالَ : الصُّوفَ . قَالُوا : وَمَا تَفْتَرِشُ ؟ قَالَ : الْأَرْضَ . قَالُوا : كُلُّ هَذَا شَدِيدٌ ؟ قَالَ : لَنْ تَنَالُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى تُصِيبُوا هَذَا عَلَى لَذَّةٍ أَوْ قَالَ : عَلَى شَهْوَةٍ . 39808 - وَرَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ ، فَقَالَ : كَيْفَ أَصْبَحْتُمْ ؟ قَالُوا : بِخَيْرٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ أَمْ إِذَا غَدَا عَلَى أَحَدِكُمْ بِجَفْنَةٍ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِأُخْرَى وَسَتَرَ أَحَدُكُمْ بَيْتَهُ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ ؟ . 39809 - قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نُصِيبُ ذَلِكَ وَنَحْنُ عَلَى دِينِنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : فَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ ؛ نَتَصَدَّقُ وَنُعْتِقُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ ، إِنَّكُمْ إِذَا أَصَبْتُمْ ذَلِكَ ، تَحَاسَدْتُمْ ، وَتَبَاغَضْتُمْ ، وَتَقَاطَعْتُمْ . 39810 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصُدُّ أَصْحَابَهُ وَيَرْدَعُهُمْ عَلَى خَوَاطِرِ حُبِّ الدُّنْيَا ، وَمَا يَعْرِضُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ تَمَنِّيهَا ، وَيُزَهِّدُهُمْ فِيهَا ، مَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنه سَأَلَتْهُ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - خَادِمًا يَخْدِمُهَا مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَصُونُهَا عَنِ الطَّحِينِ وَمُؤْنَةِ الْبَيْتِ ، فَقَالَ لَهَا : أَلَا أَدُلَّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ ذَلِكَ ؟ تُسَبِّحِينَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَتَحْمَدِينَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ ، وَتُهَلِّلِينَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ . 39811 - وَمِثْلُ ذَلِكَ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ ، فَقَالَ : أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ ، فَيَأْتِي مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ [ كَوْمَاوَيْنِ ] فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ ؟ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ فَقَالَ : أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ، يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ ، فَيَتَعَلَّمُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَةٍ ، وَآيَتَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ . 39812 - وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ : وَاللَّهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ ، وَلَكِنَّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يَفْتَحُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ، فَتَتَنَافَسُونَ فِيهَا ، كَمَا تَنَافَسَ مَنْ قَبْلَكُمْ ، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ . 39813 - وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِدًّا ، وَمَنْ فَهِمَ وَوُفِّقَ ، فَالْقَلِيلُ يَكْفِيهِ .
الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثارالجوع أخرج النبي والصديق والفاروق · ص 324 1735 - مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخْلَ الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ . فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ ، وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً ، وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً ، فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ، ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ ، فَأَكَلُوا مِنْهُ ، وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ . 39814 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّمْهِيدِ ، وَأَتَمُّهَا وَأَكْمَلُهَا مَا : 39815 - حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ قَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قِرَاءَةً مِنِّي عَلَيْهِ قَالَ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ بِمَكَّةَ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا ، [ وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ ] ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ : خَرَجْتُ لِلِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّظَرِ فِي وَجْهِهِ قَالَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ ، فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ الْجُوعُ . قَالَ : وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ الَّذِي تَجِدُ ، انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ ، وَكَانَ كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ ، فَأَتَوْهُ ، فَلَمْ يَجِدُوهُ ، وَوَجَدُوا امْرَأَتَهُ ، فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ فَقَالَتْ ذَهَبَ لِيَسْتَعْذِبَ لَنَا [ الْمَاءَ ] مِنْ قَنَاةِ بَنِي فُلَانٍ ، مَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِقِرْبَتِهِ يَزْغُبُهَا ، فَوَضَعَهَا ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، جَعَلَ يَلْتَزِمُهُ وَيَفْدِيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى ظِلٍّ ، وَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ ؟ . فَقَالَ أَرَدْتُ أَنْ تَتَخَيَّرُوا مِنْ رُطَبِهِ وَبُسْرِهِ ، فَأَكَلُوا ، ثُمَّ شَرِبُوا مِنَ الْمَاءِ ، فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي أَنْتُمْ عَنْهُ مَسْئُولُونَ ، هَذَا ظِلٌّ بَارِدٌ ، وَالرُّطَبُ الْبَارِدُ ، عَلَيْهِ الْمَاءُ الْبَارِدُ ثُمَّ انْطَلَقَ يَصْنَعُ لَهُمْ طَعَامًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَذْبَحْ ذَاتِ دَرٍّ . قَالَ : فَذَبَحَ لَهُمْ عِنَاقًا ، فَأَكَلُوا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ لَكَ مِنْ خَادِمٍ ؟ قَالَ : لَا قَالَ [ فَإِذَا أَتَانَا شَيْءٌ ، أَوْ قَالَ سَبْيٌ - فَأْتِنَا . قَالَ : فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَانِ لَيْسَ لَهُمَا ثَالِثٌ ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذْ أَحَدَهُمَا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ : خِرْ لِي أَنْتَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ ، خُذْ هَذَا ، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي ، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا . فَأَتَى بِهِ امْرَأَتَهُ ، فَحَدَّثَهَا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَتْ : مَا أَنْتَ بِبَالِغٍ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ حَتَّى تَعْتِقَهُ قَالَ : هُوَ عَتِيقٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا وَلَا خَلِيفَةً إِلَّا وَلَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنْهَاهُ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَبِطَانَةٌ لَا تَأْلُوا خَبَالًا ، وَمَنْ يُوقَ بِطَانَةَ الشَّرِّ فَقَدْ وُقِيَ . 39816 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا كَانَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ ، وَشَظَفِ الْعَيْشِ ، وَمَا زَالَ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ يَجُوعُونَ مَرَّةً ، وَيَشْبَعُونَ أُخْرَى . 39817 - وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مَعَانِي الْآدَابِ وَغَيْرِهَا فِي التَّمْهِيدِ . 39818 - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، يَمْدَحُ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ . فَلَمْ أَرَ كَالْإِسْلَامِ عِزًّا لِأَهْلِهِ وَلَا مِثْلَ أَضْيَافِ الْأَرَاشِيِّ مَعْشَرَا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَفَارُوقُ أُمَّةٍ وَخَيْرُ بَنِي حَوَّاءَ فَرْعًا وَعُنْصُرَا فَوَافَقَ لِلْمِيقَاتِ قَدْرَ قَضِيَّةٍ وَكَانَ قَضَاءُ اللَّهِ قَدْرًا مُقَدَّرَا إِلَى رَجُلِ نَجْدٍ يُبَارِي بِجُودِهِ شُمُوسَ الضُّحَى جُودًا وَمَجْدًا وَمَفْخَرَا وَفَارِسُ خَلْقِ اللَّهِ فِي كُلِّ غَارَةٍ إِذَا لَبِسَ الْقَوْمُ الْحَدِيدَ الْمُسَمَّرَا فَفَدَى وَحَيَّا ثُمَّ أَدْنَى قِرَاهُمْ فَلَمْ يَقِرْهُمْ إِلَّا سَمِينًا مُعَمَّرَا 39819 - وَرَوَيْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ ، أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ مِنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا .
شرح الزرقاني على الموطأباب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ · ص 490 1682 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ؛ نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ . 1732 1682 - ( مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ) بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ ( أَنَّهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) مُرْسَلًا ، وَهُوَ مَوْصُولٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ : أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ : إِنِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمِيتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ ، وَيُدْهُنُ بِهَا الْجُلُودُ ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ؟ فَقَالَ : هُوَ حَرَامٌ ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاعِدًا خَلْفَ الْمَقَامِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ سَاعَةً ، ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ قَالَ ، ( قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ ) أَيْ لَعَنَهُمْ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَتَلَهُمْ ، وَالْمُفَاعَلَةُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا ، وَقَالَ غَيْرُهُ : عَادَاهُمْ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : مَنْ صَارَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَجَبَ قَتْلُهُ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : قَاتَلَ أَيْ عَادَى ، أَوْ قَتَلَ ، وَأُخْرِجَ فِي صُورَةِ الْمُغَالَبَةِ أَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِمَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ ، فَإِنَّهُمْ بِمَا اخْتَرَعُوا مِنَ الْحِيلَةِ انْتَصَبُوا لِمُحَارَبَةِ اللَّهِ وَمُقَاتَلَتِهِ ، وَمَنْ حَارَبَهُ حُرِبَ وَمَنْ قَاتَلَهُ قُتِلَ . ( نُهُوا عَنْ أَكْلِ الشَّحْمِ ) كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا ( سورة الْأَنْعَامِ : الْآيَةُ 146 ) ، ( فَبَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ : جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ - بِالْجِيمِ - أَيْ أَذَابُوهُ قَائِلِينَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الشَّحْمَ ، وَهَذَا وَدَكٌ . زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ : وَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ ، قَالَ عِيَاضٌ : كَثُرَ اعْتِرَاضُ مَلَاعِينِ الْيَهُودِ وَالزَّنَادِقَةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ مَوْطُوءَةَ الْأَبِ بِالْمِلْكِ لِوَلَدِهِ بَيْعُهَا دُونَ وَطْئِهَا ، وَهُوَ سَاقِطٌ لِأَنَّ مَوْطُوءَةَ الْأَبِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الِابْنِ مِنْهَا إِلَّا وَطْؤُهَا ، فَجَمِيعُ مَنَافِعِهَا غَيْرُهُ حَلَالٌ لَهُ ، وَشَحْمُ الْمَيْتَةِ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْأَكْلُ وَهُوَ حَرَامٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَحُرْمَتُهُ عَامَّةٌ عَلَى كُلِّ الْيَهُودِ فَافْتَرَقَا . وَقَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَمَالِيهِ : الْمُتَبَادَرُ إِلَى الْأَفْهَامِ مِنْ تَحْرِيمِ الشُّحُومِ ، إِنَّمَا هُوَ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا ، لِأَنَّهَا مِنَ الْمَطْعُومَاتِ فَيَحْرُمُ بَيْعُهَا ، مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَلِّقِ التَّحْرِيمِ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا لَعَنَ الْيَهُودَ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا غَيْرَ الْأَكْلِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ عُمُومُ مَنَافِعِهَا لَا خُصُوصُ أَكْلِهَا .
شرح الزرقاني على الموطأباب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ · ص 491 1683 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَقُولُ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ وَخُبْزِ الشَّعِيرِ ، وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ ؛ فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ . 1732 1683 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) أَوْلَادَ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ ، ( عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقِرَاحِ ) أَيِ الْخَالِصِ الَّذِي لَا يُمَازِجُهُ شَيْءٌ . ( وَالْبَقْلِ ) : كُلُّ نَبَاتٍ أخضرت بِهِ الْأَرْضُ ، ( الْبَرِّيِّ ) نِسْبَةً إِلَى الْبَرِّيَّةِ ، وَهِيَ الصَّحْرَاءُ . ( وَخُبْزِ الشَّعِيرِ ) - بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَقَدْ تُكْسَرُ - ( وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ ) : الْقَمْحِ ، أَيِ احْذَرُوا أَكْلَهُ ، ( فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ ) تَعْلِيلٌ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهُ .
شرح الزرقاني على الموطأباب جَامِعِ مَا جَاءَ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ · ص 492 1684 - وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ ، فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ ، وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَكِّبْ عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ ، فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً ، فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ، ثُمَّ أُتُوا بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ . 1732 1684 - ( مَالِكٌ : أَنَّهُ بَلَغَهُ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْبَزَّارُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَالْحَاكِمُ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فِي سِيَاقِهِمُ اخْتِلَافٌ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ ، ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ ) النَّبَوِيَّ ، وَفِي مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ هَكَذَا بِالشَّكِّ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فِي سَاعَةٍ لَا يَخْرُجُ فِيهَا ، وَلَا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ . ( فَوَجَدَ فِيهِ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَسَأَلَهُمَا ) فِي مُسْلِمٍ فَقَالَ : مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ ( فَقَالَا : أَخْرَجَنَا الْجُوعُ ) ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ : خَرَجْتُ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَنْظُرُ فِي وَجْهِهِ ، وَالتَّسْلِيمَ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكَ يَا عُمَرُ ؟ قَالَ : الْجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ مُسْلِمٌ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، ( وَأَنَا أَخْرَجَنِي الْجُوعُ ) قَالَهُ تَسْلِيَةً وَإِينَاسًا لَهُمَا لِمَا عَلِمَ مِنْ شِدَّةِ جُوعِهِمَا . وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ الْفُتُوحِ ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ ، فَرِوَايَتُهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَعْدَ فَتْحِهَا ، وَلَا يُنَافِي صَنِيعَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَبْذُلُونَ مَا يُسْأَلُونَ ، فَرُبَّمَا يَحْتَاجُونَ ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَعَلَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ ذَاتَ يَوْمٍ ، أَوْ لَيْلَةٍ ، فَلَوْ كَانَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ مُشَاهَدَةٍ مَا تَرَدَّدَ . وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّ الشَّكَّ مِنْهُ لِجَوَازِ أَنَّهُ مِنْ أَحَدِ رِجَالِ الْإِسْنَادِ . ( فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي الْهَيْثَمِ ) - بِفَتْحِ الْهَاءِ ، وَالْمُثَلَّثَةِ بَيْنَهُمَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ، ثُمَّ مِيمٌ - مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ، وَاسْمُهُ مَالِكُ ( ابْنُ التَّيِّهَانِ ) - بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ ، وَكَسْرِ التَّحْتِيَّةِ مُشَدَّدَةٌ - يُقَالُ أنه لَقَبٌ وَاسْمُهُ أَيْضًا مَالِكُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زَعُورَا ( الْأَنْصَارِيُّ ) الْأَوْسِيُّ ، وَزَعُورَا أَخُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ شَهِدَ العقبة وبَدْرًا ، وَالْمُشَاهِدَ كُلَّهَا ، مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ : لَمْ أَرَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَلَا يُثْبِتُهُ ، وَقِيلَ : مَاتَ فِي الْعَهْدِ النَّبَوِيِّ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ قَائِلُهُ . وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : فَانْطَلَقُوا إِلَى مَنْزِلِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشِّيَاهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ خَدَمٌ ، وَكَذَا عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَأَبِي يَعْلَى ، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا ، وَابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ أَبُو الْهَيْثَمِ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا ، وَابْنِ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ أَبُو أَيُّوبَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقِصَّةَ اتَّفَقَتْ مَرَّةً مَعَ أَبِي الْهَيْثَمِ ، كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ، وَمَرَّةً مَعَ أَبِي أَيُّوبَ ، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ ، وَوَقَعَ فِي مُسْلِمٍ بِالْإِبْهَامِ قَالَ : فَأَتَى بِهِمَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَذَهَابُهُمْ إِلَيْهِ لَا يُنَافِي كَمَالَ شَرَفِهِمْ ، فَقَدِ اسْتَطْعَمَ قَبْلَهُمْ مُوسَى وَالْخَضِرُ لِإِرَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِتَسْلِيَةِ الْخَلْقِ بِهِمْ ، وَأَنْ يُسْتَنَّ بِهِمُ السَّنَنَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ تَشْرِيعًا لِلْأُمَّةِ . وَهَلْ خَرَجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاصِدًا مِنْ أَوَّلِ خُرُوجِهِ إِنْسَانًا مُعَيَّنًا ، أَوْ جَاءَ التَّعْيِينُ بِالِاتِّفَاقِ ؟ احْتِمَالَانِ : قَالَ بَعْضُهُمُ : الْأَصَحُّ أَنَّ أَوَّلَ خَاطِرٍ حَرَّكَهُ لِلْخُرُوجِ ، لَمْ يَكُنْ إِلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ ؛ لِأَنَّ الْكُمَّلَ لَا يَعْتَمِدُونَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ، زَادَ فِي مُسْلِمٍ : فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ قَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، فَقَالَ لَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَيْنَ فُلَانٌ ؟ وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ قَالَتْ : ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا الْمَاءَ ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَ أَبُو الْهَيْثَمِ بِقِرْبَةٍ ، فَوَضَعَهَا ، ثُمَّ جَاءَ يَلْتَزِمُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَفْدِيهِ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ مَا أَجِدُ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي ، ( فَأَمَرَ لَهُمْ بِشَعِيرٍ عِنْدَهُ يُعْمَلُ ) خَبَزَا ، ( وَقَامَ يَذْبَحُ لَهُمْ شَاةً ) ، وَفِي مُسْلِمٍ : وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَكِّبْ ) - بِفَتْحِ النُّونِ ، وَكَسْرِ الْكَافِ الثَّقِيلَةِ ، وَمُوَحَّدَةٍ - أَيْ أَعْرِضْ ( عَنْ ذَاتِ الدَّرِّ ) أَيِ اللَّبَنِ . وَفِي مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ : إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ ، نَهَاهُ عَنْ ذَبْحِهَا شَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ بِانْتِفَاعِهِمْ بِلَبَنِهَا ، مَعَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِغَيْرِهَا ، فَهُوَ نَهْيُ إِرْشَادٍ لَا كَرَاهَةٍ فِي مُخَالَفَتِهِ لِزِيَادَةِ إِكْرَامِ الضَّيْفِ ، لَكِنَّهُ امْتَثَلَ الْأَمْرَ ، ( فَذَبَحَ لَهُمْ شَاةً ) عَنَاقًا ، أَوْ جَدْيًا كَمَا فِي التِّرْمِذِيِّ بِالشَّكِّ ، وَالْعَنَاقُ بِالْفَتْحِ أُنْثَى الْمَعْزِ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَقِيلَ : مَا لَمْ يُتِمَّ سَنَةً ، وَالْجَدْيُ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - : ذَكَرُ الْمَعْزِ لَمْ يَبْلُغْ سَنَةَ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : انْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى حَدِيقَةٍ ، فَبَسَطَ لَهُمْ بِسَاطًا ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلَةٍ ، فَجَاءَ بِقِنْوٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَقَالَ : كُلُوا ، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَفَلَا تَنَقَّيْتَ لَنَا مَنْ رُطَبِهِ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَخْتَارُوا . وَفِي رِوَايَةٍ : أَحْبَبْتُ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ تَمْرِهِ ، وَبُسْرِهِ ، وَرُطَبِهِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ بِمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ الَّذِي تَيَسَّرَ فَوْرًا بِلَا كُلْفَةٍ لَا سِيَّمَا مَعَ تَحَقُّقِهِ حَاجَتَهُمْ ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَلْوَانًا ثَلَاثَةً ، وَلِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِمَا يُتَفَكَّهُ بِهِ مِنَ الْحَلَاوَةِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ مُقَوٍّ لِلْمَعِدَةِ لِأَنَّهُ أَسْرَعُ هَضْمًا . ( وَاسْتَعْذَبَ لَهُمْ مَاءً ) أَيْ جَاءَ لَهُمْ بِمَاءٍ عَذْبٍ ، وَكَانَ أَكْثَرُ مِيَاهِ الْمَدِينَةِ مَالِحَةً ، وَفِيهِ حِلُّ اسْتِعْذَابِ الْمَاءِ ، وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي الزُّهْدَ . ( فَعُلِّقَ فِي نَخْلَةٍ ) لِيُصِيبَهُ بَرْدُ الْهَوَاءِ ، فَيَصِيرُ عَذْبًا بَارِدًا . ( ثُمَّ أَتَوْا بِذَلِكَ الطَّعَامِ ) خُبْزِ الشَّعِيرِ ، وَالشَّاةِ ، رُوِيَ أَنَّهُ شَوَى نِصْفَهُ ، وَطَبَخَ نِصْفَهُ ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بِهِ فَلَمَّا وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ مِنَ الْجَدْيِ ، فَوَضَعَهُ فِي رَغِيفٍ ، وَقَالَ لِلْأَنْصَارِيِّ : أَبْلِغْ بِهَذَا فَاطِمَةَ لَمْ تُصِبْ مِثْلَهُ مُنْذُ أَيَّامٍ ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَيْهَا ، ( فَأَكَلُوا مِنْهُ وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ ) الْعَذْبِ الْبَارِدِ ، ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَتُسْأَلُنَّ عَنْ نَعِيمِ هَذَا الْيَوْمِ ) قِيلَ : سُؤَالُ امْتِنَانٍ لَا سُؤَالُ حِسَابٍ . وَقِيلَ : سُؤَالُ حِسَابٍ دُونَ مُنَاقَشَةٍ حَكَاهُمَا الْبَاجِيُّ . وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ : هَذَا سُؤَالُ تَشْرِيفٍ وَإِنْعَامٍ وَتَعْدِيدِ فَضْلٍ ، لَا سُؤَالُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ وَمُحَاسَبَةٍ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُسْأَلُ عَنْ نَعِيمِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ هَلْ نَالَهُ مِنْ حِلِّهِ أَمْ لَا ؟ فَإِذَا خَلَصَ مِنْ ذَلِكَ ، سُئِلَ هَلْ قَامَ بِوَاجِبِ الشُّكْرِ فَاسْتَعَانَ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ أَمْ لَا ؟ فَالْأَوَّلُ سُؤَالٌ عَنْ سَبَبِ اسْتِخْرَاجِهِ ، وَالثَّانِي عَنْ مَحَلِّ صَرْفِهِ . وَفِي مُسْلِمٍ : فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا ، وَرَوَوْا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسْأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ . وَفِي التِّرْمِذِيِّ : فَقَالَ هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ ظِلٌّ بَارِدٌ وَرُطَبٌ طِيِّبٌ وَمَاءٌ بَارِدٌ . وَإِنَّمَا ذَكَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا فِي هَذَا الْمَقَامِ إِرْشَادًا لِلْآكِلِينَ وَالشَّارِبِينَ إِلَى حِفْظِ أَنْفُسِهِمْ فِي الشِّبَعِ عَنِ الْغَفْلَةِ ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْحَدِيقَةِ وَالتَّنَعُّمِ عَنِ الْآخِرَةِ ، أَوْ هُوَ تَسْلِيَةٌ لِلْحَاضِرِينَ الْمُفْتَقِرِينَ عَنْ فَقْرِهِمْ بِأَنَّهُمْ وَإِنْ حُرِمُوا عَنِ التَّنَزُّهِ ، فَقَدِ اتَّقَوُا السُّؤَالَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : إِذَا أَصَبْتُمْ مِثْلَ هَذَا فَصَارَ بِأَيْدِيكُمْ ، فَقُولُوا : بِسْمِ اللَّهِ ، فَإِذَا شَبِعْتُمْ فَقُولُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ أَشْبَعَنَا ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا وَأَفْضَلَ ، فَإِنَّ هَذَا كَفَاءُ هَذَا ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ فَضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : كِسْرَةٍ يَسُدُّ بِهَا الرَّجُلُ جُوعَهُ ، أَوْ ثَوْبٍ يَسْتُرُ بِهَا عَوْرَتَهُ ، أَوْ حُجْرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْقُرِّ وَالْحَرِّ .