106 - بَاب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ : قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الصُّبْحِ ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى أَخَذَتْهُ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ . وَقَرَأَ عُمَرُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنْ الْمَثَانِي . وَقَرَأَ الْأَحْنَفُ بِالْكَهْفِ فِي الْأُولَى وَفِي الثَّانِيَةِ بِيُوسُفَ أَوْ يُونُسَ . وَذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الصُّبْحَ بِهِمَا . وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِأَرْبَعِينَ آيَةً مِنْ الْأَنْفَالِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ . وَقَالَ قَتَادَةُ - فِيمَنْ يَقْرَأُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ يُرَدِّدُ سُورَةً وَاحِدَةً فِي رَكْعَتَيْنِ - : كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ ، وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِمِ ، وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ ، وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ ) اشْتَمَلَ هَذَا الْبَابُ عَلَى أَرْبَعِ مَسَائِلَ : فَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ سُورَتَيْنِ فَظَاهِرٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِالْخَوَاتِمِ فَيُؤْخَذُ بِالْإِلْحَاقِ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِالْأَوَائِلِ وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَعْضُ سُورَةٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ قَوْلِهِ : قَرَأَ عُمَرُ بِمِائَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِ قَتَادَةَ : كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ ، وَأَمَّا تَقْدِيمُ السُّورَةِ عَلَى السُّورَةِ عَلَى مَا فِي تَرْتِيبِ الْمُصْحَفِ فَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا وَمِنْ فِعْلِ عُمَرَ فِي رِوَايَةِ الْأَحْنَفِ عَنْهُ ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِأَوَّلِ سُورَةٍ فَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ) أَيِ ابْنِ أبي السَّائِبِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ عَابِدٍ بِمُوَحَّدَةٍ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ يَقُولُ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ سُفْيَانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْعَابِدِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ : صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصُّبْحَ بِمَكَّةَ فَاسْتَفْتَحَ بِسُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ - أَوْ ذِكْرُ عِيسَى ، شَكَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ - أَخَذَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْلَةٌ فَرَكَعَ ، وَفِي رِوَايَةٍ بِحَذْفِ فَرَكَعَ . وَقَوْلُهُ : ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهَمٌ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ فَقَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْقَارِئُ وَهُوَ الصَّوَابُ . وَاخْتُلِفَ فِي إِسْنَادِهِ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ عَنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ سُفْيَانَ - أَوْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ - وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ وَيُذْكَرُ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ ، مَعَ أَنَّ إِسْنَادَهُ مِمَّا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ ابْنِ الْعَاصِ غَلَطٌ عِنْدَ الْحُفَّاظِ ، فَلَيْسَ هَذَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الصَّحَابِيَّ الْمَعْرُوفَ ، بَلْ هُوَ تَابِعِيٌّ حِجَازِيٌّ ، قَالَ : وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ قَطْعِ الْقِرَاءَةِ وَجَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِبَعْضِ السُّورَةِ ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ . انْتَهَى . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي كَرِهَهُ مَالِكٌ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى بَعْضِ السُّورَةِ مُخْتَارًا ، وَالْمُسْتَدَلُّ بِهِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ ، وَكَذَا يُرَدُّ عَلَى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ قِرَاءَةُ بَعْضِ الْآيَةِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ : حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ أَوْ ذِكْرُ عِيسَى ، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ يَقَعُ فِي وَسَطِ آيَةٍ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ . نَعَمْ ، الْكَرَاهَةُ لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ ، وَأَدِلَّةُ الْجَوَازِ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ الْأَعْرَافَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ ضَرُورَةً فَفِيهِ الْقِرَاءَةُ بِالْأَوَّلِ وَبِالْأَخِيرِ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ أَمَّ الصَّحَابَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَقَرَأَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ مِنْهُمْ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ مَفْتُوحَةٌ خَفِيفَةٌ ثُمَّ نُونٌ - مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : غَزَوْنَا خُرَاسَانَ وَمَعَنَا ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُصَلِّي بِنَا فَيَقْرَأُ الْآيَاتِ مِنَ السُّورَةِ ثُمَّ يَرْكَعُ أَخْرَجَهُ ابْنُ حَزْمٍ مُحْتَجًّا بِهِ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَآيَةً مِنَ الْبَقَرَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ . قَوْلُهُ : ( أَخَذَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْلَةٌ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنَ السُّعَالِ ، وَيَجُوزُ الضَّمُّ ، وَلِابْنِ مَاجَهْ شَرْقَةٌ بِمُعْجَمَةٍ وَقَافٍ . وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَحَذَفَ أَيْ تَرَكَ الْقِرَاءَةَ . وَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِرَمْيِ النُّخَامَةِ النَّاشِئَةِ عَنِ السَّعْلَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ فَرَكَعَ وَلَوْ كَانَ أَزَالَ مَا عَاقَهُ عَنِ الْقِرَاءَةِ لَتَمَادَى فِيهَا . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ السُّعَالَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ وَاضِحٌ فِيمَا إِذَا غَلَبَهُ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الْمُسْنَدِ : قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ مَكِّيَّةٌ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ ، قَالَ : وَلِمَنْ خَالَفَ أَنْ يَقُولَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِمَكَّةَ أَيْ فِي الْفَتْحِ أَوْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ . قُلْتُ : قَدْ صَرَّحَ بِقَضِيَّةِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ لِعَارِضِ السُّعَالِ وَنَحْوِهِ أَوْلَى مِنَ التَّمَادِي فِي الْقِرَاءَةِ مَعَ السُّعَالِ وَالتَّنَحْنُحِ ، وَلَوِ اسْتَلْزَمَ تَخْفِيفَ الْقِرَاءَةِ فِيمَا اسْتُحِبَّ فِيهِ تَطْوِيلُهَا . قَوْلُهُ : ( وَقَرَأَ عُمَرُ إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : كَانَ عُمَرُ يَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِمِائَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ وَيُتْبِعُهَا بِسُورَةٍ مِنَ الْمَثَانِي . انْتَهَى . وَالْمَثَانِي قِيلَ مَا لَمْ يَبْلُغْ مِائَةَ آيَةٍ أَوْ بَلَغَهَا وَقِيلَ مَا عَدَا السَّبْعَ الطِّوَالَ إِلَى الْمُفَصَّلِ ، قِيلَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا ثَنَّيتِ السَّبْعَ ، وَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ الْمَثَانِيَ لِأَنَّهَا تُثَنَّى فِي كُلِّ صَلَاةٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي فَالْمُرَادُ بِهَا سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَقَرَأَ الْأَحْنَفُ ) وَصَلَهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : صَلَّى بِنَا الْأَحْنَفُ فَذَكَرَهُ وَقَالَ : فِي الثَّانِيَةِ يُونُسُ وَلَمْ يَشُكَّ . قَالَ : وَزَعَمَ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ عُمَرَ كَذَلِكَ . وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ . قَوْلُهُ : ( وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِلَخْ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ : فَافْتَتَحَ الْأَنْفَالَ حَتَّى بَلَغَ وَنِعْمَ النَّصِيرُ . انْتَهَى . وَهَذَا الْمَوْضِعُ هُوَ رَأْسُ أَرْبَعِينَ آيَةً ، فَالرِّوَايَتَانِ مُتَوَافِقَتَانِ ، وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ قَرَأَ بِأَرْبَعِينَ مِنْ أَوَّلِهَا ، فَانْدَفَعَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى قِرَاءَةِ خَاتِمَةِ السُّورَةِ بِخِلَافِ الْأَثَرِ عَنْ عُمَرَ فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ . قَالَ ابْنُ التِّينِ إِنْ لَمْ تُؤْخَذِ الْقِرَاءَةُ بِالْخَوَاتِمِ مِنْ أَثَرِ عُمَرَ أَوِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِلَّا فَلَمْ يَأْتِ الْبُخَارِيُّ بِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ ، وَفَاتَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالْإِلْحَاقِ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِ قَتَادَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ قَتَادَةُ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَقَتَادَةُ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ يُسْتَدَلُّ لِقَوْلِهِ وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ : ( كُلٌّ كِتَابُ اللَّهِ ) فَإِنَّهُ يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ جَوَازُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ فِي التَّرْجَمَةِ ، وَأَمَّا قَوْلُ قَتَادَةَ فِي تَرْدِيدِ السُّورَةِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي التَّرْجَمَةِ ، فَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : لَعَلَّهُ لَا يَقُولُ بِهِ ، لِمَا رُوِيَ فِيهِ مِنَ الْكَرَاهَةِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ . قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّهُ لَا يُرَاعَى هَذَا الْقَدْرُ إِذَا صَحَّ لَهُ الدَّلِيلُ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : ذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنْ يَقْرَأَ الْمُصَلِّي فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِسُورَةٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لِكُلِّ سُورَةٍ حَظُّهَا مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ . قَالَ : وَلَا تُقْسَمُ السُّورَةُ فِي رَكْعَتَيْنِ ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضِهَا وَيَتْرُكُ الْبَاقِيَ ، وَلَا يَقْرَأُ بِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ يُخَالِفُ تَرْتِيبَ الْمُصْحَفِ ، قَالَ : فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ ، بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى . قَالَ : وَجَمِيعُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ لَا يُخَالِفُ مَا قَالَ مَالِكٌ ، لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ . انْتَهَى . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ سُورَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ . وَقَدْ نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، وَعَنْ أَحْمَدَ وَالْحَنَفِيَّةِ كَرَاهِيَةُ قِرَاءَةِ سُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ تُخَالِفُ تَرْتِيبَ الْمُصْحَفِ ، وَاخْتُلِفَ هَلْ رَتَّبَهُ الصَّحَابَةُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُمْ ؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : الصَّحِيحُ الثَّانِي ، وَأَمَّا تَرْتِيبُ الْآيَاتِ فَتَوْقِيفِيٌّ بِلَا خِلَافٍ . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ ؛ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ التَّكْرِيرَ أَخَفُّ مِنْ قَسْمِ السُّورَةِ فِي رَكْعَتَيْنِ انْتَهَى . وَسَبَبُ الْكَرَاهَةِ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّ السُّورَةَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَأَيُّ مَوْضِعٍ قَطَعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ كَانْتِهَائِهِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، فَإِنَّهُ إِنْ قَطَعَ فِي وَقْفٍ غَيْرِ تَامٍّ كَانَتِ الْكَرَاهَةُ ظَاهِرَةً ، وَإِنْ قَطَعَ فِي وَقْفٍ تَامٍّ فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ قِصَّةُ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي رَمَاهُ الْعَدُوُّ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ وَقَالَ : كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَهَا وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ · ص 298 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ · ص 301 774 م - وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بن عمر عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا : إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ ثُمَّ لَا تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى ، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى ، فَقَالَ : مَا أَنَا بِتَارِكِهَا ، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ . وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ؟ فَقَالَ : إِنِّي أُحِبُّهَا ، فَقَالَ : حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ) أَيِ ابْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ، وَحَدِيثُهُ هَذَا وَصَلَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْبَزَّارُ ، عَنِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحْرِزِ بْنِ سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْهُ بِطُولِهِ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ ثَابِتٍ ، قَالَ : وَقَدْ رَوَى مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْ آخِرِهِ ، وَذَكَرَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ أَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ خَالَفَ عُبَيْدَ اللَّهِ فِي إِسْنَادِهِ فَرَوَاهُ عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سُبَيْعَةَ مُرْسَلًا قَالَ : وَهُوَ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ، وَإِنَّمَا رَجَّحَهُ لِأَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ مُقَدَّمٌ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ ، لَكِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَافِظٌ حُجَّةٌ ، وَقَدْ وَافَقَهُ مُبَارَكٌ فِي إِسْنَادِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِثَابِتٍ فِيهِ شَيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ ) هُوَ كُلْثُومُ بْنُ الْهِدْمِ ، رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، كَذَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ . وَالْهِدْمُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سُكَّانِ قُبَاءٍ ، وَعَلَيْهِ نَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَدِمَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى قُبَاءٍ . قِيلَ وَفِي تَعْيِينِ الْمُبْهَمِ بِهِ هُنَا نَظَرٌ ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُ كَانَ أَمِيرَ سَرِيَّةٍ . وَكُلْثُومُ بْنُ الْهِدْمِ مَاتَ فِي أَوَائِلِ مَا قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ السَّرَايَا . ثُمَّ رَأَيْتُ بِخَطِّ بَعْضِ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى رِجَالِ الْعُمْدَةِ كُلْثُومَ بْنَ زَهْدَمٍ وَعَزَاهُ لِابْنِ مَنْدَهْ ، لَكِنْ رَأَيْتُ أَنَا بِخَطِّ الْحَافِظِ رَشِيدِ الدِّينِ الْعَطَّارِ فِي حَوَاشِي مُبْهَمَاتِ الْخَطِيبِ نَقْلًا عَنْ صِفَةِ التَّصَوُّفِ لِابْنِ طَاهِرٍ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ عَنْ أَبِيهِ فَسَمَّاهُ كُرْزَ بْنَ زَهْدَمٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَلَى هَذَا فَالَّذِي كَانَ يَؤُمُّ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ غَيْرُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى تَغَايُرِهِمَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأُ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ كَانَ يَخْتِمُ بِهَا ، وَفِي هَذَا أَنَّهُ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ فِي قِصَّةِ الْآخَرِ ، وَفِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَهُ وَأَمِيرَ السَّرِيَّةِ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ ، وَفِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ إِنَّهُ يُحِبُّهَا فَبَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ وَأَمِيرُ السَّرِيَّةِ قَالَ إِنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ فَبَشَّرَهُ بِأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ . وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا التَّغَايُرِ كُلِّهِ مُمْكِنٌ لَوْلَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ مَاتَ قَبْلَ الْبُعُوثِ وَالسَّرَايَا ، وَأَمَّا مَنْ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ فَأَبْعَدَ جِدًّا ، فَإِنَّ فِي قِصَّةِ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا فِي اللَّيْلِ يُرَدِّدُهَا ، لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَمَّ بِهَا لَا فِي سَفَرٍ وَلَا فِي حَضَرٍ ، وَلَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ وَلَا بُشِّرَ . وَسَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ . وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ ) أَيْ مِنَ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ . قَوْلُهُ : ( افْتَتَحَ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ : لَا يُشْتَرَطُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَذْكُرِ الْفَاتِحَةَ اعْتِنَاءً بِالْعِلْمِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهَا فَيَكُونُ مَعْنَاهُ افْتَتَحَ بِسُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْفَاتِحَةِ . قَوْلُهُ : ( فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ ) يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ صَنِيعَهُ ذَلِكَ خِلَافُ مَا أَلِفُوهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ ) إِمَّا لِكَوْنِهِ مِنْ أَفْضَلِهِمْ كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِمَّا لِكَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ . قَوْلُهُ : ( مَا يَأْمُرُكُ بِهِ أَصْحَابُكُ ) أَيْ يَقُولُونَ لَكَ ، وَلَمْ يُرِدِ الْأَمْرَ بِالصِّيغَةِ الْمَعْرُوفَةِ لَكِنَّهُ لَازِمٌ مِنَ التَّخْيِيرِ الَّذِي ذَكَرُوهُ كَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ افْعَلْ كَذَا وَكَذَا . قَوْلُهُ : ( مَا يَمْنَعُكَ وَمَا يَحْمِلُكَ ) سَأَلَهُ عَنْ أَمْرَيْنِ فَأَجَابَهُ بِقَوْلِهِ : إِنِّي أُحِبُّهَا ، وَهُوَ جَوَابٌ عَنِ الثَّانِي مُسْتَلْزِمٌ لِلْأَوَّلِ بِانْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ إِقَامَةُ السُّنَّةِ الْمَعْهُودَةِ فِي الصَّلَاةِ ، فَالْمَانِعُ مُرَكَّبٌ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْأَمْرِ الْمَعْهُودِ ، وَالْحَامِلُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَحَبَّةُ وَحْدَهَا ، وَدَلَّ تَبْشِيرُهُ لَهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى الرِّضَا بِفِعْلِهِ ، وَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ الْمَاضِي فِي قَوْلِهِ أَدْخَلَكَ وَإِنْ كَانَ دُخُولُ الْجَنَّةِ مُسْتَقْبَلًا تَحْقِيقًا لِوُقُوعِ ذَلِكَ ، قَالَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْمُنِيرِ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَقَاصِدَ تُغَيِّرُ أَحْكَامَ الْفِعْلِ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ إِنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى إِعَادَتِهَا أَنَّهُ لَا يَحْفَظُ غَيْرَهَا لَأَمْكَنَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِحِفْظِ غَيْرِهَا ، لَكِنَّهُ اعْتَلَّ بِحُبِّهَا فَظَهَرَتْ صِحَّةُ قَصْدِهِ فَصَوَّبَهُ . قَالَ : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ بَعْضِ الْقُرْآنِ بِمَيْلِ النَّفْسِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ هِجْرَانًا لِغَيْرِهِ ، وَفِيهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ مَكِّيَّةٌ .
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْجَمْعِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْخَوَاتِيمِ وَبِسُورَةٍ قَبْلَ سُورَةٍ وَبِأَوَّلِ سُورَةٍ · ص 302 775 - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ : قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ اللَّيْلَةَ فِي رَكْعَةٍ ، فَقَالَ : هَذًّا كَهَذِّ الشِّعْرِ ، لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ ، فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ من آل حاميم فِي كُلِّ رَكْعَةٍ . قَوْلُهُ : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ) هُوَ نَهِيكٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ابْنُ سِنَانٍ الْبَجْلِيُّ ، سَمَّاهُ مَنْصُورٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَسَيَأْتِي مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . قَوْلُهُ : ( قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ ق إِلَى آخِرِ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَسُمِّيَ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفَصْلِ بَيْنَ سُوَرِهِ بِالْبَسْمَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ . وَلِقَوْلِ هَذَا الرَّجُلِ قَرَأْتُ الْمُفَصَّلَ سَبَبٌ بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ سِنَانٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ تَقْرَأُ هَذَا الْحَرْفَ : مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ أَوْ غَيْرِ يَاسِنٍ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كُلُّ الْقُرْآنِ أَحْصَيْتُ غَيْرَ هَذَا ، قَالَ : إِنِّي لَأَقْرَأُ الْمُفَصَّلَ فِي رَكْعَةٍ . قَوْلُهُ : ( هَذًّا ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، أَيْ سَرْدًا وَإِفْرَاطًا فِي السُّرْعَةِ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ ، وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ بِحَذْفِ أَدَاةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ تِلْكَ الصِّفَةَ كَانَتْ عَادَتَهُمْ فِي إِنْشَادِ الشِّعْرِ . وَزَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ وَكِيعٍ أَيْضًا أَنَّ أَقْوَامًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، وَزَادَ أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَإِسْحَاقُ ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشِ فِيهِ : وَلَكِنْ إِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ فَرَسَخَ فِيهِ نَفَعَ وَهُوَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ دُونَ قَوْلِهِ نَفَعَ . قَوْلُهُ : ( لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ ) أَيِ السُّوَرَ الْمُتَمَاثِلَةَ فِي الْمَعَانِي كَالْمَوْعِظَةِ أَوِ الْحُكْمِ أَوِ الْقَصَصِ ، لَا الْمُتَمَاثِلَةَ فِي عَدَدِ الْآيِ ، لِمَا سَيَظْهَرُ عِنْدَ تَعْيِينِهَا . قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْعَدِّ ، حَتَّى اعْتَبَرْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا شَيْئًا مُتَسَاوِيًا . قَوْلُهُ : ( يَقْرُنُ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا . قَوْلُهُ : ( عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنَ آل حم فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ) وَقَعَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ رِوَايَةِ وَاصِلٍ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ : ثَمَانِي عَشْرَةَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ وَسُورَتَيْنِ مِنَ آل حم وَبَيَّنَ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ قَوْلَهُ عِشْرِينَ سُورَةً إِنَّمَا سَمِعَهُ أَبُو وَائِلٍ مِنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَلَفْظُهُ : فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ وَدَخَلَ عَلْقَمَةُ مَعَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ : عِشْرُونَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ آخِرُهُنَّ حم الدُّخَانُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ مِثْلُهُ وَزَادَ فِيهِ : فَقَالَ الْأَعْمَشُ : أَوَّلُهُنَّ الرَّحْمَنُ وَآخِرُهُنَّ الدُّخَانُ ثُمَّ سَرَدَهَا ، وَكَذَلِكَ سَرَدَهَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، وَالْأَسْوَدُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ : كَانَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ : الرَّحْمَنَ وَالنَّجْمَ فِي رَكْعَةٍ وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّةَ فِي رَكْعَةٍ وَالذَّارِيَاتِ وَالطُّورَ فِي رَكْعَةٍ وَالْوَاقِعَةَ وَنُونَ فِي رَكْعَةٍ وَسَأَلَ وَالنَّازِعَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وَعَبَسَ فِي رَكْعَةٍ وَالْمُدَّثِّرَ وَالْمُزَّمِّلَ فِي رَكْعَةٍ وَهَلْ أَتَى وَلَا أُقْسِمُ فِي رَكْعَةٍ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَالْمُرْسَلَاتِ فِي رَكْعَةٍ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَالدُّخَانَ فِي رَكْعَةٍ هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ وَالْآخَرُ مِثْلُهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي رَكْعَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَذَكَرَ السُّورَةَ الرَّابِعَةَ قَبْلَ الثَّالِثَةِ وَالْعَاشِرَةَ قَبْلَ التَّاسِعَةِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِي الِاقْتِرَانِ ، وَقَدْ سَرَدَهَا أَيْضًا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ لَكِنْ قَدَّمَ وَأَخَّرَ فِي بَعْضٍ وَحَذَفَ بَعْضَهَا ، وَمُحَمَّدٌ ضَعِيفٌ . وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ وَاصِلٍ وَسُورَتَيْنِ مِنَ آل حم مُشْكِلٌ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ لَمْ تَخْتَلِفْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْحَوَامِيمِ غَيْرُ الدُّخَانِ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّغْلِيبِ . أَوْ فِيهِ حَذْفٌ كَأَنَّهُ قَالَ وَسُورَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مِنَ آل حم ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي حَمْزَةَ : آخِرُهُنَّ حم الدُّخَانُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ حم الدُّخَانَ آخِرُهُنَّ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ . وَأَمَّا عَمَّ فَهِيَ فِي رِوَايَةِ أَبِي خَالِدٍ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ فَكَأَنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا ، لِأَنَّ عَمَّ وَقَعَتْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عِشْرِينَ سُورَةً مِنَ الْمُفَصَّلِ تَجَوُّزًا لِأَنَّ الدُّخَانَ لَيْسَتْ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ فَصَلَهَا مِنَ الْمُفَصَّلِ فِي رِوَايَةِ وَاصِلٍ . نَعَمْ يَصِحُّ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْآرَاءِ فِي حَدِّ الْمُفَصَّلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ أَيْضًا فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ كَرَاهَةُ الْإِفْرَاطِ فِي سُرْعَةِ التِّلَاوَةِ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْمَطْلُوبَ مِنَ التَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ السَّرْدِ بِدُونِ تَدَبُّرٍ لَكِنَّ الْقِرَاءَةَ بِالتَّدَبُّرِ أَعْظَمُ أَجْرًا ، وَفِيهِ جَوَازُ تَطْوِيلِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ حَدِيثٍ مَوْصُولٍ أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ، فَلِهَذَا صَدَّرَ التَّرْجَمَةَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ، وَفِيهِ مَا تَرْجَمَ لَهُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ السُّوَرِ لِأَنَّهُ إِذَا جُمِعَ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ سَاغَ الْجَمْعُ بَيْنَ ثَلَاثٍ فَصَاعِدًا لِعَدَمِ الْفَرْقِ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : سَأَلْتُ عَائِشَةَ : أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْمَعُ بَيْنَ السُّوَرِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، وَلَا يُخَالِفُ هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي التَّهَجُّدِ أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الطِّوَالِ ، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى النَّادِرِ . وَقَالَ عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَانَ قَدْرَ قِرَاءَتِهِ غَالِبًا ، وَأَمَّا تَطْوِيلُهُ فَإِنَّمَا كَانَ فِي التَّدَبُّرِ وَالتَّرْتِيلِ ، وَمَا وَرَدَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَةِ الْبَقَرَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَكْعَةٍ فَكَانَ نَادِرًا . قُلْتُ : لَكِنْ لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ ، بَلْ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرُنُ بَيْنَ هَذِهِ السُّوَرِ الْمُعَيَّنَاتِ إِذَا قَرَأَ مِنَ الْمُفَصَّلِ ، وَفِيهِ مُوَافَقَةٌ لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ صَلَاتَهُ بِاللَّيْلِ كَانَتْ عَشْرَ رَكَعَاتٍ غَيْرَ الْوِتْرِ ، وَفِيهِ مَا يُقَوِّي قَوْلَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْمُتَقَدِّمَ : إِنَّ تَأْلِيفَ السُّوَرِ كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، لِأَنَّ تَأْلِيفَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورَ مُغَايِرٌ لِتَأْلِيفِ مُصْحَفِ عُثْمَانَ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 464 106 - باب الجمع بين السورتين في الركعة ، والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة ، وبأول سورة ويذكر ، عن عبد الله بن السائب : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين في الصبح ، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون - أو ذكر عيسى - أخذته سعلة فركع . هذا الحديث خرجه مسلم من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، سمعت محمد بن عباد بن جعفر يقول : أخبرني أبو سلمة بن سفيان ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن المسيب العابدي ، عن عبد الله بن السائب ، قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة ، فاستفتح بسورة المؤمنين ، حتى جاء ذكر موسى وهارون - أو ذكر عيسى ، محمد بن عباد يشك ، أو اختلفوا عليه - أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة فركع ، وعبد الله بن السائب حاضر ذلك . وخرجه أيضاً من طريق حجاج ، عن ابن جريج ، وقال فيه : وعبد الله بن عمرو بن العاص ، في أحد الرواة الثلاثة عن ابن السائب . وقيل : إنه وهم ؛ فإن عبد الله بن عمرو هذا ليس بابن العاص . وكذا رواه أبو عاصم ، عن ابن جريج ، كما رواه عنه عبد الرزاق وحجاج . ورواه يحيى بن سعيد عن ابن جريج ، فقال مرة : عن أبي سفيان ، عن عبد الله بن السائب . ورواه ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة ، عن ابن السائب . وقال أبو حاتم الرازي : هو خطأ من ابن عيينة . و ( السعلة ) : من السعال ، قيده كثير من الناس بفتح السين ، وقيل : إنه وهم ، وإن الصواب بضمها . والله أعلم . وهذا الحديث قد يستدل به على قراءة السورة في ركعتين ، وقد سبق ذكر ذلك ، إلا أنه ليس فيه تصريح بأنه أتمها في الركعة الثانية ، فإنما يستدل به على جواز قراءة أول السور في ركعة . وأكثر العلماء على أنه لا يكره قراءة أوائل السور وأوساطها وخواتيمها في الصلاة . وقد روي عن ابن مسعود ، أنه كان يقرأ في المفروضة بخواتيم السور . وعن أحمد : يكره القراءة من أوساط السور دون خواتيمها . وعنه : أنه يكره قراءة أواخر السور . كذا حكاها طائفة من أصحابنا عن أحمد ، ومنهم من حملها على كراهة المداومة على ذلك دون فعله أحياناً ؛ لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الغالب عليهم قراءة السورة التامة ، فيكره مخالفتهم في أفعالهم .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 465 ثم قال البخاري : وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة ، وفي الثانية بسورة من المثاني . هذا يدل على قراءة سورة وبعض أخرى في ركعتين ، وقد سبق ذكر حكم ذلك ، وأنه غير مكروه . والقرآن : ينقسم إلى ( السبع الطوال ) ، وهي : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس ، كذا قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وغيرهما ، وإلى ( المئين ) ، وهي ما كان من السور وعدد آياته مائة آية ، أو يزيد ، أو ينقص شيئا ، وإلى ( المفصل ) وأوله الحجرات على الأشهر ، و ( المثاني ) ، وهو ما عدا ذلك . وقد سأل ابن عباس عثمان ، فقال : ما حملكم على أن عمدتم إلى ( براءة ) - وهي من المئين - وإلى الأنفال - وهي من المثاني - فجعلتموها في السبع الطوال ، وذكر الحديث . خرجه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه . وفي ( المسند ) عن واثلة بن الأسقع مرفوعا : ( أعطيت مكان التوراة السبع الطول ، وأعطيت مكان الزبور المئين ، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني ، وفضلت بالمفصل ) . وروى الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن إدريس ، أبنا يزيد بن أبي زياد ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن ابن أبزى ، قال : صليت خلف عمر ، فقرأ بسورة يوسف حتى إذا بلغ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ وقع عليه البكاء فركع ، ثم قرأ سورة النجم ، فسجد فيها ، ثم قام ، فقرأ : إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ وهذا فيه - أيضاً - جمع قراءة سورتين في ركعة وبعض سورة في أخرى .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 467 قال البخاري : وقرأ الأحنف الكهف في الأولى ، وفي الثانية بيوسف أو يونس ، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما . هذا يدل على أنه لا يكره قراءة القرآن على غير ترتيب المصحف ، فيقرأ في الركعة الأولى سورة ، وفي الثانية بسورة قبلها في ترتيب المصحف . وقد روي هذا عن عمر من وجه آخر ، وعن أنس : روى وكيع بإسناده ، عن عمرو بن ميمون ، قال : أمنا عمر في المغرب فقرأ بالتين في الركعة الأولى ، ثم قرأ وَطُورِ سِينِينَ ثم قرأ في الثانية : ألم تر و لِإِيلَافِ . وفي هذا جمع بين سورتين في ركعة أيضاً . وروي عن أنس ، أنه قرأ في صلاة المغرب في أول الركعة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقد روي مثل هذا من حديث ابن عمر مرفوعاً . خرجه حرب الكرماني . ولا يصح إسناده . والأكثرون على أن ذلك غير مكروه ، وعن أحمد رواية أنه يكره تعمد ذلك ؛ لمخالفته ترتيب المصحف . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في قيامه من الليل سورة البقرة ، ثم النساء ، ثم آل عمران . وترتيب سور المصحف على هذا الترتيب ليس توقيفاً على الصحيح ، بل هو أمر اجتهد فيه عثمان مع الصحابة ، وحديث سؤال ابن عباس لعثمان المشار إليه فيما سبق يدل عليه .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 468 قال البخاري : وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال ، وفي الثانية بسورة من المفصل . هذا الأثر رواه وكيع في ( كتابه ) ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، قال : أمنا عبد الله في العشاء ، فقرأ الأنفال ، فلما بلغ رأس الأربعين وَنِعْمَ النَّصِيرُ ركع ، ثم قام ، فقرأ في الثانية بسورة من المفصل . وهذا فيه قراءة سورة وبعض أخرى في ركعتين كما تقدم عن عمر .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 469 قال البخاري : وقال قتادة فيمن يقرأ سورة واحدة في الركعتين ، أو يردد سورة واحدة في ركعتين : كل كتاب الله عز وجل . أما قراءة سورة يقسمها في ركعتين فغير مكروه ، وقد فعله أبو بكر وعمر وغيرهما ، وقد سبق ذكره ، وكذلك ترداد السورة في الركعتين كلتيهما ، وقد سبق حديث الرجل الجهيني أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الصبح إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ في الركعتين كلتيهما ، قال : فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أم قرأ ذلك عمداً ؟ خرجه أبو داود . ونص أحمد على أنه جائز في الفرض من غير كراهة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 469 قال البخاري : 774 م - وقال عبيد الله بن عمر ، عن ثابت عن أنس بن مالك : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، وكان كلما استفتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلمه أصحابه ، فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى ، فإما أن تقرأ بها ، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى ، فقال : ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت ، وإن كرهتم تركتكم ، وكان يرون أنه من أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر ، فقال : ( يا فلان ، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ؟ ) قال : إني أحبها ، قال : ( حبك إياها أدخلك الجنة ) . هذا الحديث خرجه الترمذي في ( جامعه ) عن البخاري ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني عبد العزيز بن محمد ، عن عبيد الله بن عمر ، فذكره ، وقال : حسن غريب من هذا الوجه . وإنما لم يخرجه البخاري - هاهنا - مسنداً ؛ لأن حماد بن سلمة رواه عن ثابت ، عن حبيب بن سبيعة ، عن الحارث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال الدارقطني : هو أشبه بالصواب . وحماد بن سلمة ذكر كثير من الحفاظ أنه أثبت الناس في حديث ثابت ، وأعرفهم به . والحارث هذا اختلف : هل هو صحابي ، أو لا ؟ فقال أبو حاتم الرازي : له صحبة ، وقال الدارقطني : حديثه مرسل . وخرجا في ( الصحيحين ) معنى هذا الحديث من رواية أبي الرجال ، عن عمرة ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم ، فيختم بـ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( سلوه لأي شيء يصنع ذلك ) ؟ فسألوه ، فقال : لأنها صفة الرحمن ، فأنا أحب أن أقرأها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أخبروه أن الله يحبه ) . وقد دل حديث أنس وعائشة على جواز جمع سورتين مع الفاتحة في ركعة واحدة من صلاة الفرض ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهه عن ذلك . ويدل على أنه ليس هو الأفضل ؛ لأن أصحابه استنكروا فعله ، وإنما استنكروه لأنه مخالف لما عهدوه من عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صلاتهم ؛ ولهذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ؟ ) . فدل على أن موافقتهم فيما أمروه به كان حسناً ، وإنما اغتفر ذلك لمحبته لهذه السورة . وأكثر العلماء على أنه لا يكره الجمع بين السور في الصلاة المفروضة ، وروي فعله عن عمر وابن عمر وعمر بن عبد العزيز وعلقمة ، وهو قول قتادة والنخعي ومالك ، وعن أحمد في كراهته روايتان ، وكرهه أصحاب أبي حنيفة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 471 قال البخاري : 775 - حدثنا آدم ، ثنا شعبة ، ثنا عمرو بن مرة ، قال : سمعت أبا وائل قال : جاء رجل إلى ابن مسعود ، فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة ، قال : هذا كهذ الشعر ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من المفصل ، سورتين في كل ركعة . ( الهذ ) : متابعة القراءة في سرعة ، وكرهه ابن مسعود لما فيه من قلة التدبر لما يقرأوه . و ( النظائر ) : قيل : إنها سميت بذلك ؛ لأنها متشابهة في الطول ، فتكون جمع نظيرة ، وقيل : لفظ لما . . . فيكون جمع نظورة ، وهي الخيار ، يقال : نظائر الجيش بمعنى أفاضلهم وأماثلهم . وسمي المفصل مفصلاً لكثرة الفصول بين سوره . وأول المفصل سورة ق ، وروي ذلك في حديث مرفوع ، وقيل : أوله سورة القتال ، وكان ابن مسعود أول مفصله الرحمن ، لكن ترتيب سوره على غير هذا الترتيب . وقد روي تفسير هذه السور التي ذكرها ابن مسعود في روايات أخر عنه . وفي رواية لمسلم في هذا الحديث : ثمان عشرة من المفصل ، وسورتين من آل حم . وفي رواية لأبي داود من طريق أبي إسحاق ، عن الأسود وعلقمة ، عن عبد الله : تفسير ذلك ، فقال : الرَّحْمَنُ، وَالنَّجْمِ في ركعة ، و اقْتَرَبَت ِو الْحَاقَّةُ في ركعة ، وَالطُّورِ و وَالذَّارِيَات ِفي ركعة ، و إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ و ن في ركعة ، و سَأَلَ سَائِلٌ ، وَالنَّازِعَاتِ في ركعة ، و وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ و عبس في ركعة ، و ( المدثر ) و ( المزمل ) في ركعة ، و هَلْ أَتَى و لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ في ركعة ، و عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، وَالْمُرْسَلَاتِ في ركعة ، و ( الدخان ) و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ في ركعة . قال أبو داود : هذا تأليف من ابن مسعود . وليس في هذه الرواية من آل حم سوى سورة الدخان ، وهذا يخالف رواية مسلم المتقدمة : وسورتين من آل حم . وخرج الإمام أحمد من رواية إبراهيم ، عن نهيك بن سنان السلمي ، أنه أتى ابن مسعود فقال : إني قرأت المفصل الليلة في ركعة ، فقال : هذا مثل هذ الشعر ، أو نثرا كنثر الدقل ، إنما فصل لتفصلوا ، لقد علمت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن : عشرين سورة : الرحمن ، والنجم على تأليف ابن مسعود ، كل سورتين في ركعة ، وذكر ( الدخان ) و عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ في ركعة . وخرجه يعقوب بن شيبة في ( مسنده ) ، وقال : هو حسن الإسناد . وفي هذه الرواية اقتران الدخان بـ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، وهي تخالف رواية أبي داود السابقة في اقتران الدخان بـ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ . وخرج الطبراني من رواية محمد بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن أبي وائل ، قالَ : قالَ عبد الله : لقد علمت النظائر التي كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بهن : ( الذاريات ) ، وَالطُّورِ ، وَالنَّجْمِ ، و اقْتَرَبَتِ ، و الرَّحْمَنُ و ( الواقعة ) ، و ن و الْحَاقَّةُ ، و سَأَلَ سَائِلٌ و ( المزمل ) و لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ و هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ، وَالْمُرْسَلَاتِ ، و عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ، وَالنَّازِعَاتِ ، و عَبَسَ و وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ، و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ . وهذه الرواية تخالف ما تقدم ، وتلك الرواية أصح ، ومحمد بن سلمة بن كهيل تكلم فيه ، وتابعه عليه أخوه يحيى ، وهو أضعف منه . وخرج أبو داود من رواية عبد الله بن شقيق ، قال : سألت عائشة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بين السور ؟ قالت : من المفصل . والظاهر : أن حديث ابن مسعود وعائشة إنما هو في صلاة الليل . وخرج مسلم من حديث حذيفة ، قال : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة ، فقلت : يركع عند المائة ، ثم مضى ، فقلت : يصلي بها في ركعة ، فمضى ، فقلت : يركع بها ، ثم افتتح سورة النساء فقرأها ، ثم افتتح آل عمران فقرأها ، وذكر الحديث . وهذا كله يدل على جواز الجمع بين السور في صلاة التطوع . وروى أبو العالية ، قال : أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لكل سورة حظها من الركوع والسجود ) . وخرجه الإمام أحمد . وقد حمل هذا - على تقدير صحته - على الصلاة المفروضة . وروى وكيع ، عن عيسى الخياط ، عن الشعبي ، عن زيد بن خالد الجهني ، قال : ما أحب أني قرنت سورتين في ركعة ، وأن لي حمر النعم . عيسى هذا فيه ضعف .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 39 ( باب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة ) أي هذا باب في بيان حكم الجمع بين السورتين في الركعة الواحدة من الصلاة ، وفي بيان قراءة الخواتيم أي خواتيم السور أي أواخرها ، وفي بيان حكم قراءة سورة قبل سورة وهو أن يجعل سورة متقدمة على الأخرى في ترتيب المصحف متأخرة في القراءة ، وهذا أعم من أن تكون في ركعة أو ركعتين . قوله : " وبأول سورة " أي وبالقراءة بأول سورة ، هذه الترجمة تشتمل على أربعة أجزاء قد ذكر للثلاثة منها ما يطابقها من الحديث والأثر ولم يذكر شيئا للجزء الثاني وهو قوله : " والقراءة بالخواتيم " قال بعضهم : وأما القراءة بالخواتيم فتؤخذ من إلحاق القراءة بالأوائل والجامع بينهما أن كلاهما بعض سورة ، قلت : الأولى أن يؤخذ ذلك من قول قتادة كل كتاب الله سبحانه وتعالى . ( ويذكر عن عبد الله بن السائب ، قرأ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنون في الصبح ، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع ) مطابقة هذا التعليق للجزء الرابع للترجمة لأن الترجمة أربعة أجزاء ، فالجزء الرابع هو قوله : وبأول سورة ، والذي رواه عبد الله بن السائب يدل على أنه قرأ أول سورة المؤمنين إلى أن وصل إلى قوله : ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ أخذته سعلة ، فقطع القراءة ، ولم يكمل السورة ، فدل على أنه لا بأس بقراءة بعض سورة والاقتصار عليه من غير تكميل السورة على ما يجيء بيانه الآن ، وهذا التعليق ذكره البخاري بلفظ يذكر على صيغة المجهول وهو صيغة التمريض ؛ لأن في إسناده اختلافا على ابن جريج ، فقال عيينة عنه عن أبي مليكة ، عن عبد الله السائب ، قال أبو عاصم عنه ، عن محمد بن عباد ، عن أبي سلمة بن سفيان أو سفيان بن أبي سلمة ، عن عبد الله بن السائب ، ووصله مسلم في صحيحه ، وقال : حدثني هارون بن عبد الله قال : حدثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، وحدثني محمد بن رافع ، وتقاربا في اللفظ قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : سمعت محمد بن جعفر بن عباد بن جعفر يقول : أخبرني أبو سلمة بن سفيان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن المسيب العابدي ، عن عبد الله بن السائب قال : " صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة ، فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون ، أو ذكر عيسى عليهم الصلاة والسلام - شك محمد بن عباد أو اختلفوا عليه - أخذت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سعلة فركع ، وعبد الله بن السائب حاضر ذلك " وفي حديث عبد الرزاق " فحذف فركع " وفي حديثه : وعبد الله بن عمرو ولم يقل ابن العاص ، وعبد الله بن السائب بن أبي السائب واسمه صيفي بن عابد بالباء الموحدة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم القريشي المخزومي القاري يكنى أبا السائب ، وقيل أبو عبد الرحمن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بمكة قبل ابن الزبير بيسير ، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة أحاديث ، وروى له مسلم هذا الحديث فقط ، وأخرج الطحاوي هذا الحديث عن عبد الله بن السائب ، ولفظه : " حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة الفتح صلاة الصبح ، فاستفتح بسورة المؤمنين ، فلما أتى على ذكر موسى وعيسى أو موسى وهارون أخذته سعلة فركع " انتهى ، وليس في إسناده ذكر عبد الله بن عمرو بن العاص ولا ذكر عبد الله بن المسيب بل فيه عن أبي سلمة ، عن سفيان ، عن عبد الله بن السائب ، وقال النووي : ابن العاص غلط عند الحفاظ ، وليس هذا عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي المعروف ، بل هو تابعي حجازي ، وفي مصنف عبد الرزاق ، عن عبد الله بن عمرو القاري وهو الصواب . قوله : " قرأ النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين " أي سورة المؤمنين . قوله : " أو ذكر عيسى " هو قوله تعالى : وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وفي رواية الطحاوي على ذكر موسى وعيسى هو قوله : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ المؤمنون وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً قوله : " أخذته سعلة " بفتح السين وضمها ، وعند ابن ماجه " فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة أو قال شهقة " وفي رواية " شرقة " بفتح الشين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف ، قوله في مسلم " الصبح بمكة " وفي رواية الطبراني " يوم الفتح " . ذكر ما يستفاد منه : فيه استحباب القراءة الطويلة في صلاة الصبح ولكن على قدر حال الجماعة ، وفيه جواز قطع القراءة ، وهذا لا خلاف فيه ولا كراهة إن كان القطع لعذر وإن لم يكن لعذر فلا كراهة أيضا عند الجمهور ، وعن مالك في المشهور كراهته ، وفيه جواز القراءة ببعض السورة ، وفي شرح الهداية إن قرأ بعض سورة في ركعة وبعضها في الثانية ، الصحيح أنه لا يكره وقيل يكره ، ويجاب عن حديث سعلته صلى الله عليه وسلم أنه إنما كان قراءته لبعضها لأجل السعلة ، والطحاوي منع هذا الجواب في معاني الآثار فقال عقيب رواية حديث السعلة : فإن قال قائل إنما فعل ذلك للسعلة التي عرضت ، قيل له : فإنه قد روي عنه أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر بآيتين من القرآن ، قد ذكرنا ذلك في باب القراءة في ركعتي الفجر ، انتهى ، قلت : الذي ذكره في هذا الباب هو ما رواه عن ابن عباس أنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْنَا الآية ، وفي الثانية : آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 40 ( وقرأ عمر في الركعة الأولى بمائة وعشرين آية من البقرة ، وفي الثانية بسورة من المثاني ) مطابقته لجزء من أجزاء الترجمة غير ظاهرة ، ولكنه يدل على تطويل القراءة في الركعة الأولى على القراءة في الركعة الثانية ؛ لأن التيمي فسر المثاني بما لم يبلغ مائة آية ، وقيل : المثاني عشرون سورة ، والمئون إحدى عشرة سورة ، وقال أهل اللغة : سميت مثاني ؛ لأنها ثنت المئين : أي أتت بعدها ، وفي المحكم : المثاني من القرآن ما ثني مرة بعد مرة ، وقيل : فاتحة الكتاب ، وقيل : سور أولها البقرة وآخرها براءة ، وقيل : القرآن العظيم كله مثاني ؛ لأن القصص والأمثال ثنيت فيه ، وقيل : سميت المثاني لكونها قصرت عن المئين وتزيد على المفصل ، كأن المئين جعلت مبادي والتي تليها مثاني ، ثم المفصل ، وعن ابن مسعود ، وطلحة بن مصرف : المئون إحدى عشرة سورة ، والمثاني عشرون سورة ، وقال صاحب التلويح ومن تبعه من الشراح : وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن عبد الأعلى ، عن الجريري ، عن أبي العلاء ، عن أبي رافع قال : كان عمر رضي الله تعالى عنه يقرأ في الصبح بمائة من البقرة ، ويتبعها بسورة من المثاني أو من صدور المفصل ، ويقرأ بمائة من آل عمران ، ويتبعها بسورة من المثاني أو من صدور المفصل . قلت : في لفظ ما ذكره البخاري فصل بقوله في الركعة الأولى وفي الثانية ، وفي رواية ابن أبي شيبة لم يفصل ، ويحتمل أن تكون قراءته بمائة من البقرة وإتباعها بسورة من المفصل في الركعة الأولى وحدها ، وفي الركعة الثانية كذلك ، ويحتمل أن يكون هذا في الركعتين جميعا ، فعلى الاحتمال الأول تظهر المطابقة بينه وبين الجزء الأول للترجمة . فإن قلت : الجزء الأول للترجمة الجمع بين السورتين ، وهذا على ما ذكرت جمع بين سورة وبعض من سورة ، قلت: المقصود من الجمع بين السورتين أعم من أن يكون بين سورتين كاملتين أو بين سورة كاملة وبين شيء من سورة أخرى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 41 ( وقرأ الأحنف بالكهف في الأولى ، وفي الثانية بيوسف أو يونس ، وذكر أنه صلى مع عمر رضي الله عنه الصبح بهما ) مطابقته للجزء الثالث للترجمة وهي أن يقرأ في الركعة الأولى سورة ، ثم يقرأ في الثانية سورة فوق تلك السورة ، والأحنف بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة ، وفتح النون ، وفي آخره فاء ابن قيس بن معدي كرب الكندي الصحابي ، وقد مر ذكره في باب المعاصي في كتاب الإيمان . قوله : " وذكر " أي ذكر الأحنف أنه صلى مع عمر : أي وراء عمر ، الصبح أي صلاة الصبح بهما : أي بالكهف في الأولى وبإحدى السورتين في الثانية أي بيوسف أو يونس . وهذا التعليق وصله أبو نعيم في المستخرج ، حدثنا مخلد بن جعفر ، حدثنا جعفر الفريابي ، حدثنا قتيبة ، حدثنا حماد بن زيد ، عن بديل ، عن عبد الله بن شقيق قال : " صلى بنا الأحنف بن قيس الغداة فقرأ في الركعة الأولى بالكهف ، وفي الثانية بيونس ، وزعم أنه صلى خلف عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقرأ في الأولى بالكهف والثانية بيونس " . وقال ابن أبي شيبة : حدثنا معتمر ، عن الزهري بن الحارث ، عن عبد الله بن قيس ، عن الأحنف قال : " صليت خلف عمر الغداة فقرأ بيونس وهود ونحوهما " . وعد أصحابنا هذا الصنيع مكروها ، فذكر في الخلاصة : وإن قرأ في الركعة سورة وفي ركعة أخرى سورة فوق تلك السورة أو فعل ذلك في ركعة فهو مكروه . قلت : فكأنهم نظروا في هذا إلى أن رعاية الترتيب العثماني مستحبة ، وبعضهم قال : هذا في الفرائض دون النوافل ، وقال مالك : لا بأس أن يقرأ سورة قبل سورة ، قال : ولم يزل الأمر على ذلك من عمل الناس ، وذكر في شرح الهداية أيضا أنه مكروه ، قال : وعليه جمهور العلماء منهم أحمد ، وقال عياض : هل ترتيب السور من ترتيب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو من اجتهاد المسلمين ، قال ابن الباقلاني : الثاني أصح القولين مع احتمالهما وتأولوا النهي عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها ، وأما ترتيب الآيات فلا خلاف أنه توقيف من الله تعالى على ما هو عليه الآن في المصحف .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 41 ( وقرأ ابن مسعود بأربعين آية من الأنفال ، وفي الثانية بسورة من المفصل ) مطابقته للجزء الرابع من الترجمة وهو قوله : " بأول سورة " فإن قلت : هذا لا يدل على أنه قرأ أربعين آية من أول الأنفال فإنه يحتمل أن يكون من أوله ويحتمل أن يكون من أوسطه ، قلت : هذا الأثر رواه سعد بن منصور بلفظ " فافتتح الأنفال " والافتتاح لا يكون إلا من الأول أي قرأ عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بأربعين آية من سورة الأنفال في الركعة الأولى ، وقرأ في الركعة الثانية بسورة من المفصل وهو من سورة القتال أو الفتح أو الحجرات أو قاف إلى آخر القرآن . وهذا التعليق وصله عبد الرزاق بلفظه من رواية عبد الرحمن بن يزيد النخعي عنه ، وأخرجه هو وسعيد بن منصور من وجه آخر ، عن عبد الرحمن بلفظ " فافتتح الأنفال حتى بلغ : وَنِعْمَ النَّصِيرُ " انتهى ، وهذا الموضع هو رأس أربعين آية .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 42 ( وقال قتادة فيمن يقرأ سورة واحدة في ركعتين أو يردد سورة واحدة في ركعتين : كل كتاب الله ) قوله " وقال قتادة " هذا لا يطابق شيئا من أجزاء الترجمة ، فكأن البخاري أورد هذا تنبيها على جواز كل ما ذكر من الأجزاء الأربعة في الترجمة وغيرها أيضا ؛ لأنه قال كل أي كل ذلك كتاب الله عز وجل فعلى أي وجه يقرأ هو كتاب الله تعالى فلا كراهة فيه ، وذكر فيه صورتين ، إحداهما أن يقرأ سورة واحدة في ركعتين بأن يفرق السورة فيهما ، والثانية أن يكرر سورة واحدة في ركعتين بأن يقرأ في الركعة الثانية السورة التي قرأها في الركعة الأولى ، أما الصورة الأولى فلما روى النسائي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في ركعتين " وروى ابن أبي شيبة أيضا من حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالأعراف في ركعتين " وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قرأ بالبقرة في الفجر في الركعتين ، وقرأ عمر رضي الله تعالى عنه بآل عمران في الركعتين الأوليين من العشاء قطعها فيهما ، ونحوه عن سعيد بن جبير وابن عمر والشعبي وعطاء ، وأما الصورة الثانية فلما روى أبو داود : أخبرنا أحمد بن صالح ، أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو بن أبي هلال ، عن معاذ بن عبد الله الجهني " أن رجلا من جهينة أخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح : إِذَا زُلْزِلَتِ في الركعتين كلتيهما ، فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله عليه وسلم أم قرأ ذلك عمدا " وبهذا استدل بعض أصحابنا أنه إذا كرر سورة في ركعتين لا يكره ، وقيل يكره ، وقد ذكر في المبسوط أنه لا ينبغي أن يفعل وإن فعل فلا بأس به ، والأفضل أن يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة كاملة في المكتوبة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 42 ( وقال عبيد الله ، عن ثابت ، عن أنس رضي الله عنه : كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء ، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ، ثم يقرأ سورة أخرى معها ، وكان يصنع ذلك في كل ركعة ، فكلمه أصحابه فقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى ، فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى ، فقال : ما أنا بتاركها ، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت ، وإن كرهتم تركتكم ، وكانوا يرون أنه من أفضلهم ، وكرهوا أن يؤمهم غيره ، فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر ، فقال : يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك ، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة ، فقال : إني أحبها ، فقال : حبك إياها أدخلك الجنة ) مطابقته للجزء الأول من الترجمة وهو الجمع بين السورتين في الركعتين ؛ فإن الإمام في هذا الحديث كان إذا افتتح الصلاة بقل هو الله أحد يقرأ سورة أخرى بعد فراغه من قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وكان يفعل ذلك في كل ركعة ، وهذا هو الجمع بين السورتين في ركعة . ذكر رجاله : وهم ثلاثة ؛ الأول : عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم وقد تكرر ذكره ، الثاني : ثابت البناني ، الثالث : أنس بن مالك ، وهذا تعليق بصيغة التصحيح ، وصله الترمذي في جامعه ، عن محمد بن إسماعيل البخاري ، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال : حدثني عبد العزير بن محمد ، عن عبيد الله بن عمرو ، عن ثابت ، عن أنس رضي الله تعالى عنه فذكره بنحوه ، وقال : صحيح غريب من حديث عبيد الله ، عن ثابت . ذكر معناه . قوله : " كان رجل من الأنصار " هو كلثوم بن هدم كذا ذكره أبو موسى في كتاب الصحابة ، والهدم بكسر الهاء وسكون الدال ، وهو من بني عمرو بن عوف سكان قباء ، وعليه نزل النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم في الهجرة إلى قباء ، وقيل : هو قتادة بن النعمان ، وليس بصحيح ، فإن في قصة قتادة أنه كان يقرؤها في الليل يرددها ، ليس فيه أنه أم بها لا في سفر ولا في حضر ولا أنه سئل عن ذلك ولا بشر . قوله : " سورة يقرؤها " سورة بالنصب لأنه مفعول يفتتح ويقرأ في محل النصب لأنه صفة لسورة . قوله : " مما يقرأ به " أي من الصلوات التي يقرأ فيها جهرا قوله " افتتح " جواب قوله " كلما افتتح " أي كلما افتتح بسورة افتتح بسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لا يقال إذا افتتح بالسورة كيف يكون الافتتاح بقل هو الله أحد ؛ لأن المراد إذا أراد الافتتاح بسورة افتتح أولا بسورة قل هو الله أحد . قوله : " معها " أي مع قل هو الله أحد . قوله : " فكان يصنع ذلك " أي الذي ذكره مع أنه إذا افتتح بسورة افتتح أولا بقل هو الله أحد . قوله : " إنها لا تجزيك " أي إن السورة التي تفتتح بها لا تجزيك بفتح التاء ويروى بضم التاء ، فالأول من جزى يجزي أي كفى ، والثاني من الإجزاء . قوله : " أن تدعها " أي تتركها وتقرأ سورة أخرى غير قل هو الله أحد . قوله : " أخبروه الخبر " وهو المعهود من ملازمته لقراءة سورة قل هو الله أحد . قوله : " ما يأمرك به أصحابك " معناه ما يقول لك أصحابك لأنه ليس هنا أمر مصطلح لأن الأمر هو قول القائل لغيره افعل على سبيل الاستعلاء ، وقول الكرماني : إن الاستعلاء في الأمر لا يشترط غير موجه ، وأما صورة الأمر الذي لا استعلاء فيه لا يسمى أمرا وإنما يسمى التماسا ، وكلمة ما " في " ما يأمرك به موصولة وفي قوله : " ما يحملك " استفهامية ، ومعناه ما الباعث لك في التزام ما لا يلزم من قراءة سورة قل هو الله أحد في كل ركعة . قوله : " قال إني أحبها " أي أحب سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وهو جواب لسؤال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، فإن قلت : السؤال شيآن والجواب عن أيهما ، قلت : عن الثاني ولا يكون عن الأول أيضا لأنهم خيروه بين قراءته لها فقط وقراءة غيرها فلا يصح أن يقول محبتي لها هو المانع من اختياري قراءتها فقط ، وإنما ما أجاب عن الأول فقط لأنه يعلم منه فكأنه قال : أقرؤها لمحبتي لها وأقرأ سورة أخرى إقامة للسنة كما هو المعهود في الصلاة ، فالمانع مركب من المحبة وعهد الصلوات . قوله : " حبك إياها " أي حبك لسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والحب مصدر مضاف إلى فاعله وارتفاعه بالابتداء وخبره . قوله : " أدخلك الجنة " ومعناه يدخلك الجنة لأن الدخول في المستقبل ؛ ولكنه لما كان محقق الوقوع فكأنه قد وقع فأخبر بلفظ الماضي . ذكر ما يستفاد منه : فيه جواز الجمع بين السورتين في ركعة واحدة وعليه جزء من التبويب ، وإليه ذهب سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعلقمة وسويد بن غفلة وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية ، ويروى ذلك عن عثمان وحذيفة وابن عمر وتميم الداري رضي الله تعالى عنهم ، وقال قوم منهم الشعبي وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وأبو العالية رفيع بن مهران لا ينبغي للرجل أن يزيد في كل ركعة من صلاته على سورة مع فاتحة الكتاب ، واحتجوا في ذلك بما رواه عبد الرزاق في مصنفه ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، عن ابن لبيبة قال : قلت لابن عمر أو قال غيري إني قرأت المفصل في ركعة ، قال : أفعلتموها ، إن الله تعالى لو شاء لأنزله جملة واحدة فأعطوا كل سورة حظها من الركوع والسجود ، وأخرجه الطحاوي أيضا من حديث يعلى بن عطاء قال : سمعت ابن لبيبة قال : قال رجل لابن عمر : إني قرأت المفصل في ركعة أو قال في ليلة ، فقال ابن عمر : إن الله تبارك وتعالى لو شاء لأنزله جملة واحدة ؛ ولكن فصله ليعطي كل سورة حظها من الركوع والسجود ، وأخرجه الطحاوي أيضا من حديث يعلى بن عطاء ، وابن لبيبة هو عبد الرحمن بن نافع بن لبيبة الحجازي وثقه ابن حبان ، وأجيب عن هذا بأن حديث ابن مسعود الآتي ذكره عن قريب ، وحديث عائشة وحذيفة في هذا الباب يخالف هذا ، فإذا ثبتت المخالفة يصار إلى أحاديث هؤلاء لقوتها واستقامة طرقها ، أما حديث عائشة فرواه الطحاوي من حديث عبد الله بن شعبة قال : " قلت لعائشة : أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن السورة ؟ قالت : المفصل ، أي نعم يقرن المفصل " وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة في مصنفه ، وأما حديث حذيفة فأخرجه النسائي من حديث صلة بن زفر ، عن حذيفة " إن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البقرة وآل عمران والنساء في ركعة " الحديث ، وأخرجه الطحاوي أيضا ، وفيه دليل صريح على عدم اشتراط قراءة الفاتحة في الصلاة ، وقال بعضهم : وأجيب بأن الراوي لم يذكر الفاتحة اعتناء بالعلم لأنه لا بد منها ، فيكون معناه افتتح بسورة بعد الفاتحة انتهى ، قلت : هذا خلاف معنى التركيب ظاهرا ، وأيضا إن أهل مسجد قباء أنكروا على هذا الأنصاري في جمعه بين السورتين في ركعة واحدة الذي هو لم يكن يضر صلاتهم ، فلو كانت قراءة الفاتحة شرطا لكانوا أنكروا أكثر من ذلك بل كانوا أعادوا صلاتهم ، وفيه جواز تخصيص بعض القرآن للصلاة لميل النفس إليه ولا يعد ذلك هجرانا لغيره ، وفيه إشعار بأن سورة الإخلاص مكية ، وفيه ما يشعر أن الذي ينبغي أن يكون الإمام من أفضل القوم ، وفيه أن الصلاة تكره وراء من يكرهه القوم ، وفيه ما يدل على أن تبشيره صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل بالجنة على أنه رضي بفعله .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الجمع بين السورتين في الركعة والقراءة بالخواتيم وبسورة قبل سورة وبأول سورة · ص 44 163 - حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا وائل قال : جاء رجل إلى ابن مسعود فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة فقال : هذا كهذ الشعر ، لقد عرفت النظائر التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن ، فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في كل ركعة مطابقته للجزء الأول من الترجمة ، وهو الجمع بين السورتين في ركعة ، فقوله : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن إلى آخره يدل على ذلك ، وليس في هذا الباب حديث موصول غير هذا ، فلذلك صدرت الترجمة بالجزء الذي دل عليه . ذكر رجاله : وهم خمسة ؛ الأول : آدم بن إياس وشعبة بن الحجاج وعمرو بن مرة بضم الميم وتشديد الراء ابن عبد الله الكوفي الأعمى ، وأبو وائل شقيق بن سلمة . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين عسقلاني وواسطي وكوفي . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن محمد بن المثنى ومحمد بن بشار كلاهما ، عن غندر ، وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود ، عن خالد بن الحارث . ذكر معناه . قوله : جاء رجل هو نهيك بن سنان البجلي سماه منصور في روايته ، عن أبي وائل عند مسلم ، ونهيك بفتح النون وكسر الهاء وسنان بكسر السين المهملة وبنونين بينهما ألف . قوله : المفصل قد مر غير مرة أن المفصل من سورة القتال أو الفتح أو الحجرات أو قاف إلى آخر القرآن . قوله : هذا بفتح الهاء وتشديد الذال المعجمة من هذ يهذ هذا ، وفي التهذيب للأزهري الهذ سرعة القطع وسرعة القراءة ، وقال ابن التياني : هذه القراءة سردها وانتصابه على المصدرية والتقدير انهذ هذا ، وحرف الاستفهام فيه محذوف تقديره أهذا والاستفهام على سبيل الإنكار ، وهي ثابتة في رواية منصور عند مسلم ، وإنما قال ذلك لأن تلك الصفة كانت عادتهم في إنشاد الشعر ، وقال المهلب : إنما أنكر عليه عدم التدبر وترك الترسل لا جواز الفعل . قوله : النظائر جمع نظيرة ، وهي السورة التي يشبه بعضها بعضا في الطول والقصر ، وقال صاحب التلويح : النظائر المتماثلة في العدد ، والمراد هنا المتقاربة لأن الدخان ستون آية وعم يتساءلون أربعون آية ، وقال بعضهم : النظائر السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص لا المتماثلة في عدد الآي ، ثم قال المحب الطبري : كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العدد حتى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئا متساويا ، قلت : هذا الذي قاله هذا القائل من أن المراد من النظائر السور المتماثلة في المعاني إلى آخره ليس كذلك ولا دخل للتماثل في المعاني في هذا الموضع ، وإنما المراد التقارب في المقدار ، والذي يدل على هذا ما رواه الطحاوي ، حدثنا ابن أبي داود قال : حدثنا هشام بن عبد الملك قال : حدثنا أبو عوانة ، عن حصين قال : أخبرني إبراهيم ، عن نهيك بن سنان السلمي أنه أتى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فقال : قرأت المفصل الليلة في ركعة ، فقال : أهذا مثل هذا الشعر أو نثرا مثل نثر الدقل ، وإنما فصل لتفصلوه ، لقد علمنا النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن عشرين سورة الرحمن والنجم على تأليف ابن مسعود ، كل سورتين في ركعة ، وذكر الدخان وعم يتساءلون في ركعة ، فقلت لإبراهيم : أرأيت ما دون ذلك كيف أصنع ؟ قال : ربما قرأت أربعا في ركعة انتهى ، وهذا ينادي بأعلى صوته إن المراد من النظائر السور المتقاربة في المقدار لا في المعاني لأنه ذكر فيه الرحمن والنجم وهما متقاربان في المقدار ؛ لأن الرحمن ست وسبعون آية والنجم ثنتان وستون آية وهي قريبة من سورة الرحمن في كونهما من النظائر ، وكذا ذكر فيه الدخان وعم يتساءلون فإنهما أيضا متقاربان في المقدار ، فإن الدخان سبع أو تسع وخمسون آية وعم يتساءلون أربعون أو إحدى وأربعون آية ، وقوله : فقلت لإبراهيم : أرأيت ما دون ذلك كيف أصنع معناه ما دون السور الأربع المذكورة في المقدار وهو الطول والقصر ، كيف أصنع ؟ قال : ربما قرأت أربعا ، أي أربع سور من السور التي هي أقصر في المقدار من السور المذكورة التي هي الرحمن والنجم والدخان وعم يتساءلون . قوله : على تأليف ابن مسعود أراد به أن سورة النجم كانت بحذاء سورة الرحمن في مصحف ابن مسعود بخلاف مصحف عثمان . قوله : في لفظه أي البخاري يقرن بينهن أي بين النظائر ، ويقرن بضم الراء وكسرها . قوله : فذكر عشرين سورة أي فذكر ابن مسعود عشرين سورة التي هي النظائر ، ولكن لم يفسرها هاهنا وقد فسرها في رواية أبي داود ، قال : حدثنا عباد بن موسى ، حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن علقمة والأسود قالا : أتى ابن مسعود رجل فقال : إني أقرأ المفصل في ركعة فقال : أهذا كهذا الشعر ونثرا كنثر الدقل ؛ لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرن النظائر ، السورتين في ركعة ، الرحمن والنجم في ركعة ، واقتربت والحاقة في ركعة ، والذاريات والطور في ركعة ، والواقعة والنون في ركعة ، وسأل والنازعات في ركعة ، وويل للمطففين وعبس في ركعة ، والمدثر والمزمل في ركعة ، وهل أتى ولا أقسم في ركعة ، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة ، وإذا الشمس كورت والدخان في ركعة ، فإن قلت : الدخان ليست من المفصل فكيف عدها من المفصل ؟ قلت : فيه تجوز ، فلذلك قال في فضائل القرآن من رواية واصل ، عن أبي وائل ، ثماني عشرة سورة من المفصل ، وسورتين من آل حم حيث أخرج الدخان من المفصل ، والتقدير فيه وسورتين إحداهما من آل حم حتى لا يشكل هذا أيضا . ذكر ما يستفاد منه : فيه النهي عن الهذ ، وفيه الحث على الترسل والتدبر وبه قال جمهور العلماء ، وقال القاضي : وأباحت طائفة قليلة الهذ ، وفيه جواز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها والأولى التساوي فيهما إلا في الصبح فالأفضل فيه تطويل الركعة الأولى على الثانية وقد ذكرناه مع الخلاف فيه ، وفيه جواز الجمع بين السور لأنه إذا جاز الجمع بين السورتين فكذلك يجوز بين السور ، والدليل عليه حديث عائشة حين سألها عبد الله بن شقيق أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع بين السور ؟ قالت : نعم ، من المفصل ولا يخالف هذا ما جاء في التهجد أنه جمع بين البقرة وغيرها من الطوال لأنه كان نادرا ، وقال عياض في حديث ابن مسعود : هذا يدل على أن هذا القدر كان قدر قراءته غالبا ، وأما تطويله فإنما كان في التدبر والترسل ، وأما ما ورد غير ذلك من قراءة البقرة وغيرها في ركعة فكان نادرا ، وقال بعضهم : ليس في حديث ابن مسعود ما يدل على المواظبة بل فيه أنه كان يقرن بين هذه السور المعينات إذا قرأ من المفصل انتهى ، قلت : آخر كلامه ينقض أوله لأن لفظة كان تدل على الاستمرار ، وهو يدل على المواظبة ، وقال الكرماني : وفيه دليل على أن صلاته صلى الله عليه وسلم من الليل كانت عشر ركعات ، وكان يوتر بواحدة ، قلت : لا نسلم أن ظاهر الحديث يدل على هذا ، ولئن سلمنا ما قاله ، ولكن من أين يدل على أن وتره كان ركعة واحدة بل كان ثلاث ركعات لأنه كان يصلي ثمان ركعات ركعتين ركعتين ثم يصلي ثلاث ركعات أخرى بتسليمة واحدة في آخرهن ، فهذه هي وتره صلى الله تعالى عليه وسلم وسيجيء تحقيق هذا في أبواب الوتر إن شاء الله تعالى .