( أَخْبَرَنَا ) أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ ، ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ، أَنْبَأَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، أَنْبَأَ الشَّافِعِيُّ ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ ، ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ :
دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ ، قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ بَصَرُهُ ، وَهُوَ يَبْكِي ، فَقُلْتُ : مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ ؟ فَقَالَ لِي : هَلْ تَعْرِفُ أَيْلَةَ ؟ فَقُلْتُ : وَمَا أَيْلَةُ ؟ قَالَ : قَرْيَةٌ كَانَ بِهَا نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ ، فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْحِيتَانَ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَكَانَتْ حِيتَانُهُمْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا بِيضٌ سِمَانٌ كَأَمْثَالِ الْمَخَاضِ بِأَفْنِيَائِهِمْ وَأَبْنِيَاتِهِمْ ، فَإِذَا كَانَ غَيْرُ يَوْمِ السَّبْتِ ، لَمْ يَجِدُوهَا ، وَلَمْ يُدْرِكُوهَا إِلَّا فِي مَشَقَّةٍ وَمُؤْنَةٍ شَدِيدَةٍ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ، أَوْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ : لَعَلَّنَا لَوْ أَخَذْنَاهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، وَأَكَلْنَاهَا فِي غَيْرِ يَوْمِ السَّبْتِ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْهُمْ ، فَأَخَذُوا فَشَوَوْا ، فَوَجَدَ جِيرَانُهُمْ رِيحَ الشِّوَاءِ ، فَقَالُوا : وَاللهِ ، مَا نَرَى أَصَابَ بَنِي فُلَانٍ شَيْءٌ ، فَأَخَذَهَا آخَرُونَ ، حَتَّى فَشَا ذَلِكَ فِيهِمْ وَكَثُرَ ، فَافْتَرَقُوا فِرَقًا ثَلَاثَةً ، فِرْقَةٌ أَكَلَتْ ، وَفِرْقَةٌ نَهَتْ ، وَفِرْقَةٌ قَالَتْ : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ؟ ) فَقَالَتِ الْفِرْقَةُ الَّتِي نَهَتْ : إِنَّا نُحَذِّرُكُمْ غَضَبَ اللهِ وَعِتَابَهُ ، أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِخَسْفٍ ، أَوْ قَذْفٍ ، أَوْ بِبَعْضِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ ، وَاللهِ ، لَا نُبَايِتُكُمْ فِي مَكَانٍ وَأَنْتُمْ فِيهِ . قَالَ : فَخَرَجُوا مِنَ السُّورِ ، فَغَدَوْا عَلَيْهِ مِنَ الْغَدِ ، فَضَرَبُوا بَابَ السُّورِ ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَحَدٌ ، فَأَتَوْا بِسُلَّمٍ فَأَسْنَدُوهُ إِلَى السُّورِ ، ثُمَّ رَقَى مِنْهُمْ رَاقٍ عَلَى السُّورِ ، فَقَالَ : يَا عِبَادَ اللهِ ، قِرَدَةٌ وَاللهِ ، لَهَا أَذْنَابٌ تَعَادَى ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ نَزَلَ مِنَ السُّورِ ، فَفَتَحَ السُّورَ ، فَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ ، فَعَرَفَتِ الْقُرُودُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْإِنْسِ ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْإِنْسُ أَنْسَابَهَا مِنَ الْقُرُودِ . قَالَ : فَيَأْتِي الْقِرْدُ إِلَى نَسِيبِهِ وَقَرِيبِهِ مِنَ الْإِنْسِ ، فَيَحْتَكُّ بِهِ وَيَلْصَقُ بِهِ ، وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ : أَنْتَ فُلَانٌ ؟ فَيُشِيرُ بِرَأْسِهِ : أَيْ نَعَمْ ، وَيَبْكِي . وَتَأْتِي الْقِرْدَةُ إِلَى نَسِيبِهَا وَقَرِيبِهَا مِنَ الْإِنْسِ ، فَيَقُولُ لَهَا الْإِنْسَانُ : أَنْتِ فُلَانَةُ ؟ فَتُشِيرُ بِرَأْسِهَا : أَيْ نَعَمْ ، وَتَبْكِي . فَيَقُولُ لَهُمُ الْإِنْسُ : إِنَّا حَذَّرْنَاكُمْ غَضَبَ اللهِ وَعِقَابَهُ ، أَنْ يُصِيبَكُمْ بِخَسْفٍ ، أَوْ مَسْخٍ ، أَوْ بِبَعْضِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعَذَابِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : فَأَسْمَعُ اللهَ - تَعَالَى - يَقُولُ : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ، فَلَا أَدْرِي مَا فَعَلَتِ الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا مُنْكَرًا ، فَلَمْ نَنْهَ عَنْهُ . قَالَ عِكْرِمَةُ : فَقُلْتُ : أَلَا تَرَى جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ ، أَنَّهُمْ قَدْ أَنْكَرُوا ، وَكَرِهُوا حِينَ قَالُوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ؟ فَأَعْجَبَهُ قَوْلِي ذَلِكَ ، وَأَمَرَ لِي بِبُرْدَيْنِ غَلِيظَيْنِ ، فَكَسَانِيهِمَا .