حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ : { مَرَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مَجْلِسٍ لِلْأَنْصَارِ فَقَالَ :
إِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَجْلِسُوا ، فَرُدُّوا السَّلَامَ ، وَاهْدُوا السَّبِيلَ ، وَأَعِينُوا الْمَظْلُومَ } . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذِهِ الْآثَارِ ، فَوَجَدْنَا فِيهَا نَهْيَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْجُلُوسِ بِالصُّعُدَاتِ ، ثُمَّ أَبَاحَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَبَاحَهُ مِنَ الْجُلُوسِ فِيهَا عَلَى الشَّرَائِطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَى مَنْ أَبَاحَهُ ذَلِكَ مِنْهَا . فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ كَانَ عَلَى الْجُلُوسِ فِيهَا ، إِنَّمَا كَانَ عَلَى الْجُلُوسِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ الشَّرَائِطُ الَّتِي اشْتَرَطَهَا عِنْدَ إِبَاحَتِهِ الْجُلُوسَ فِيهَا عَلَى مَنْ آثَرَ أَنْ يَجْلِسَ فِيهَا ، وَعَلَى أَنَّ إِبَاحَتَهُ الْجُلُوسَ فِيهَا مُضَمَّنٌ بِالشَّرَائِطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا فِي إِبَاحَتِهِ الْجُلُوسَ فِيهَا عَلَى مَنْ أَبَاحَهُ ذَلِكَ مِنْهَا . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى تَبَايُنِ نَهْيِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَبَايُنِ إِبَاحَتِهِ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَعْنًى لَيْسَ فِي الْآخَرِ مِنْهُمَا . وَفِي هَذِهِ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ النَّاسِ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ طُرُقِهِمُ الْعَامَّةِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ مَعْقُولًا أَنَّ الْجُلُوسَ فِيهَا إِنْ كَانَ مِمَّا يُضَيِّقُ عَلَى الْمَارِّينَ بِهَا جُلُوسَ الْجَالِسِينَ بِهَا إِيَّاهَا ، غَيْرُ دَاخِلٍ فِيمَا أَبَاحَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى مَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ : { أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ مُنَادِيًا فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ لَمَّا ضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَاتِ ، فَنَادَى أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا ، وَقَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ } . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا ، وَالْوَاجِبُ عَلَى ذَوِي اللُّبِّ أَنْ يَعْقِلُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا يُخَاطِبُ بِهِ أُمَّتَهُ ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ لِيُوقِفَهُمْ عَلَى حُدُودِ دِينِهِمْ ، وَعَلَى الْآدَابِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُونَهَا فِيهِ ، وَعَلَى الْأَحْكَامِ الَّتِي يَحْكُمُونَ بِهَا فِيهِ ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا تَضَادَّ فِيهَا ، وَأَنَّ كُلَّ مَعْنًى مِنْهَا يُخَاطِبُهُمْ بِهِ يُخَالِفُ أَلْفَاظُهُ فِيهِ الْأَلْفَاظَ الَّتِي قَدْ كَانَ خَاطَبَهُمْ فِيمَا قَبْلَهُ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، وَأَنْ يَطْلُبُوا مَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَيْنِكَ الْمَعْنَيَيْنِ إِذَا وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ تَضَادًّا أَوْ خِلَافًا ، فَإِنَّهُمْ يَجِدُونَهُ بِخِلَافِ مَا ظَنُّوهُ فِيهِ ، وَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ ، فَإِنَّمَا هُوَ لِتَقْصِيرِ عِلْمِهِ عَنْهُ ، لَا لِأَنَّ فِيهِ مَا ظَنَّهُ مِنْ تَضَادٍّ أَوْ خِلَافٍ ؛ لِأَنَّ مَا تَوَلَّاهُ اللهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .