كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ يَحْيَى الْهَمْدَانِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنِ الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ :
وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِ : أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مِائَةُ شَاةٍ ، فَيَكُونَ هَاهُنَا ، وَهَاهُنَا ، فَلَا يَأْخُذُهُ مِنْ هَذِهِ وَهَذِهِ ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ : أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ أَرْبَعُونَ ، وَلِلْآخَرِ خَمْسُونَ ، فَيَخْلِطَاهُمَا جَمِيعًا ; لِأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهُمَا شَاةٌ ، وَأَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ أَرْبَعُونَ شَاةً ، فَيَكُونَ فِي الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعَنِ الثَّوْرِيِّ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا يُرَاعِيَانِ الِاخْتِلَاطَ ، وَلَكِنَّهُمَا كَانَا يُرَاعِيَانِ الْأَمْلَاكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْهُمَا . وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ أَنَّ مَا قَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مُخَالِفًا إِذَا كَانَ ثَلَاثَةُ خُلَطَاءٍ ، وَكَانَتْ لَهُمْ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً أُخِذَتْ مِنْهُمْ وَاحِدَةٌ ، وَصَدَّقُوا صَدَقَةَ الْوَاحِدِ قَدْ كَانَ فِيهِ مِنَ الْمُخَالِفِينَ لِذَلِكَ الْقَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ ، وَفِي ثُبُوتِ ذَلِكَ مَا دَفَعَ أَنْ يَكُونَ لِمَا احْتَجَّ بِهِ لِمَذْهَبِهِ مِنَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الْحُجَّةَ لَهُ فِيهِ ، وَكَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ الزَّكَاةَ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَ الصِّيَامَ ، وَالصَّلَاةَ ، وَالْحَجَّ ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ . وَقَالَ : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ . وَقَالَ : وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا . فَكَانَ مَا افْتَرَضَ فِي ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، فَثُبُوتُهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ بِمَا افْتَرَضَهُ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَفِي ذَلِكَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْخُلْطَةِ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ لِلْأَمْلَاكِ دُونَ مَا سِوَاهَا ، وَقَالَ تَعَالَى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ . وَكَانَ مَعْقُولًا أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ أَحَدٌ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ ، إِنَّمَا يَطْهُرُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ . فَإِنْ قَالَ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْصُولًا بِهَذَا الْكَلَامِ : وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنْ يَكُونَ الرَّجُلَانِ لَهُمَا عِشْرُونَ وَمِائَةُ شَاةٍ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَاهَا ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثُهَا ، فَيَحْضُرُ الْمُصَدِّقُ ، فَيُطَالِبُهُمَا بِصَدَقَتِهِمَا ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ انْتِظَارُ قِسْمَتِهَا إِيَّاهَا بَيْنَهُمَا ، فَيَأْخُذُ مِنْهُمَا شَاتَيْنِ ، فَيُعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِ الثَّمَانِينَ : شَاةً وَثُلُثَ شَاةٍ ، وَالَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ شَاةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ : ثُلُثَيْ شَاةٍ ، وَالَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ شَاةٌ وَاحِدَةٌ ، وَالْبَاقِي مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِ الثَّمَانِينَ ثَمَانٌ وَسَبْعُونَ شَاةً ، وَثُلُثَا شَاةٍ ، وَالْبَاقِي مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ شَاةً ، وَثُلُثُ شَاةٍ ، وَيَكُونُ مَا أُخِذَ مِنَ الْحِصَّتَيْنِ جَازَ عَلَى مَالِكِيهَا ، فَيَرْجِعُ صَاحِبُ الثَّمَانِينَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ فِي غَنَمِهِ بِالثُّلُثِ شَاةٍ الَّذِي أُخِذَ مِنْ غَنَمِهِ ، عَنِ الزَّكَاةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى تَرْجِعَ حِصَّةُ صَاحِبِ الثَّمَانِينَ إِلَى تِسْعٍ وَسَبْعِينَ ، وَحِصَّةُ صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ إِلَى تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ . فَأَمَّا مَالِكٌ ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ :