عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَكَانَ أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا
أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ ج٩ / ص٢٤١قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَهُوَ خَالُ حَفْصَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ، فَقَدِمَ الْجَارُودُ سَيِّدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى عُمَرَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ قُدَامَةَ شَرِبَ فَسَكِرَ ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللهِ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَرْفَعَهُ إِلَيْكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : " مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَدَعَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ : بِمَ أَشْهَدُ ؟ قَالَ : لَمْ أَرَهُ يَشْرَبُ وَلَكِنِّي رَأَيْتُهُ سَكْرَانَ . فَقَالَ عُمَرُ : " لَقَدْ تَنَطَّعْتَ فِي الشَّهَادَةِ " قَالَ : ثُمَّ كَتَبَ إِلَى قُدَامَةَ أَنْ يَقْدَمَ إِلَيْهِ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَقَالَ الْجَارُودُ لِعُمَرَ : أَقِمْ عَلَى هَذَا كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ عُمَرُ : " أَخَصْمٌ أَنْتَ أَمْ شَهِيدٌ ؟ " قَالَ : بَلْ شَهِيدٌ " قَالَ : " فَقَدْ أَدَّيْتَ شَهَادَتَكَ " قَالَ : فَقَدْ صَمَتَ الْجَارُودُ حَتَّى غَدَا عَلَى عُمَرَ فَقَالَ : أَقِمْ عَلَى هَذَا حَدَّ اللهِ ، فَقَالَ عُمَرُ : " مَا أَرَاكَ إِلَّا خَصْمًا ، وَمَا شَهِدَ مَعَكَ إِلَّا رَجُلٌ " فَقَالَ الْجَارُودُ : إِنِّي أَنْشُدُكَ اللهَ ، فَقَالَ عُمَرُ : " لَتُمْسِكَنَّ لِسَانَكَ أَوْ لَأَسُوءَنَّكَ " فَقَالَ الْجَارُودُ : أَمَا وَاللهِ مَا ذَاكَ بِالْحَقِّ أَنْ شَرِبَ ابْنُ عَمِّكَ وَتَسُوءُنِي ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : إِنْ كُنْتَ تَشُكُّ فِي شَهَادَتِنَا فَأَرْسِلْ إِلَى ابْنَةِ الْوَلِيدِ ج٩ / ص٢٤٢فَسَلْهَا ، وَهِيَ امْرَأَةُ قُدَامَةَ فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى هِنْدٍ ابْنَةِ الْوَلِيدِ يَنْشُدُهَا فَأَقَامَتِ الشَّهَادَةَ عَلَى زَوْجِهَا فَقَالَ عُمَرُ لِقُدَامَةَ : " إِنِّي حَادُّكَ " فَقَالَ : لَوْ شَرِبْتُ كَمَا يَقُولُونَ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُونِي ، فَقَالَ عُمَرُ : " لِمَ ؟ " قَالَ قُدَامَةُ : قَالَ اللهُ تَعَالَى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا الْآيَةَ . فَقَالَ عُمَرُ : أَخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ إِنَّكَ إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكَ قَالَ : ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ : " مَاذَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ ؟ " قَالُوا : لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ مَا كَانَ مَرِيضًا ، فَسَكَتَ عَنْ ذَلِكَ أَيَّامًا وَأَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ عَلَى جَلْدِهِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " مَاذَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ ؟ " قَالُوا : لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ مَا كَانَ ضَعِيفًا . فَقَالَ عُمَرُ : " لَأَنْ يَلْقَى اللهَ تَحْتَ السِّيَاطِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ وَهُوَ فِي عُنُقِي ، ائْتُونِي بِسَوْطٍ تَامٍّ " فَأَمَرَ بِقُدَامَةَ فَجُلِدَ ، فَغَاضَبَ عُمَرَ قُدَامَةُ وَهَجَرَهُ ، فَحَجَّ وَقُدَامَةُ مَعَهُ مُغَاضِبًا لَهُ ، فَلَمَّا قَفَلَا مِنْ حَجِّهِمَا وَنَزَلَ عُمَرُ بِالسُّقْيَا نَامَ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ قَالَ : " عَجِّلُوا عَلَيَّ بِقُدَامَةَ فَائْتُونِي بِهِ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَى آتٍ أَتَانِي " فَقَالَ : سَالِمْ قُدَامَةَ فَإِنَّهُ أَخُوكَ ، فَعَجِّلُوا ج٩ / ص٢٤٣إِلَيَّ بِهِ . فَلَمَّا أَتَوْهُ أَبَى أَنْ يَأْتِيَ ، فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ إِنْ أَبَى أَنْ يَجُرُّوهُ إِلَيْهِ ، فَكَلَّمَهُ عُمَرُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ صُلْحِهِمَا