حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَعَامَةَ الْعَدَوِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُنَيْدَةَ الْبَرَاءُ بْنُ نَوْفَلٍ ، عَنْ وَالَانَ الْعَدَوِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ... فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا مِنْ حَدِيثِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ شَفَاعَةَ الشُّهَدَاءِ قَالَ : ثُمَّ يَقُولُ اللهُ : أَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، انْظُرُوا فِي النَّارِ هَلْ فِيهَا مِنْ أَحَدٍ عَمِلَ خَيْرًا قَطُّ ، فَيَجِدُونَ فِي النَّارِ رَجُلًا فَيُقَالُ لَهُ : هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ ، فَيَقُولُ : لَا ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أَمَرْتُ وَلَدِي : إِذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي بِالنَّارِ ثُمَّ اطْحَنُونِي حَتَّى إِذَا كُنْتُ مِثْلَ الْكُحْلِ فَاذْهَبُوا بِي إِلَى الْبَحْرِ فَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ ، فَوَاللهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا فَيُعَاقِبَنِي ، إِذْ عَاقَبْتُ نَفْسِي فِي الدُّنْيَا عَلَيْهِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لَهُ : لِمَ فَعَلْتَ هَذَا ؟ قَالَ : مِنْ مَخَافَتِكَ ، فَيَقُولُ : انْظُرْ مَلِكًا بِأَعْظَمِ مُلْكٍ ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَهُ وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ . فَتَأَمَّلْنَا مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَصِيَّةِ هَذَا الْمُوصِي بَنِيهِ بِإِحْرَاقِهِمْ إِيَّاهُ بِالنَّارِ وَبِطَحْنِهِمْ إِيَّاهُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْكُحْلِ ، وَبِتَذْرِيهِمْ إِيَّاهُ فِي الْبَحْرِ فِي الرِّيحِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ : فَوَاللهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا . فَوَجَدْنَا ذَلِكَ مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ ذَلِكَ الْقَرْنِ الَّذِي كَانَ ذَلِكَ الْمُوصِي مِنْهُ ، الْقُرْبَةُ بِمِثْلِ هَذَا إِلَى رَبِّهِمْ جَلَّ وَعَزَّ خَوْفَ عَذَابِهِ إِيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ ، وَرَجَاءَ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ فِيهَا بِتَعْجِيلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ، كَمَا يَفْعَلُ مِنْ أُمَّتِنَا مَنْ يُوصِي مِنْهُمْ بِوَضْعِ خَدِّهِ إِلَى الْأَرْضِ فِي لَحْدِهِ رَجَاءَ رَحْمَةِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ إِيَّاهُ بِذَلِكَ . فَقَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ جَازَ لَكَ أَنْ تَحْمِلَ تَأْوِيلَ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ وَصِيَّةِ ذَلِكَ الْمُوصِي مَا يَنْفِي عَنْهُ الْإِيمَانَ بِاللهِ جَلَّ وَعَزَّ ؛ لِأَنَّ فِيهِ : فَوَاللهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا ، وَمَنْ نَفَى عَنِ اللهِ تَعَالَى الْقُدْرَةَ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ كَانَ بِذَلِكَ كَافِرًا . وَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمُوصِي مِنْ قَوْلِهِ لِبَنِيهِ : فَوَاللهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، لَيْسَ عَلَى نَفْيِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ كَافِرًا ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُ ، وَلَا أَنْ يُدْخِلَهُ جَنَّتَهُ ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَلَكِنَّ قَوْلَهُ : فَوَاللهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا ، هُوَ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - عَلَى التَّضْيِيقِ أَيْ : لَا يُضَيِّقُ اللهُ عَلَيَّ أَبَدًا فَيُعَذِّبَنِي بِتَضْيِيقِهِ عَلَيَّ لِمَا قَدْ قَدَّمْتُ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَذَابِي نَفْسِي الَّذِي أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ فِيهَا ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَوْلُ اللهِ تَعَالَى : فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ إِلَى قَوْلِهِ : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أَيْ : فَضَيَّقَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ، وَقَوْلُهُ فِي نَبِيِّهِ ذِي النُّونِ ، وَهُوَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فِي مَعْنَى أَنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ فَكَانَ الْبَسْطُ هُوَ التَّوْسِعَةَ ، وَكَانَ قَوْلُهُ : ( وَيَقْدِرُ ) هُوَ التَّضْيِيقَ ، فَكَانَ مِثْلَ ذَلِكَ قَوْلُ ذَلِكَ الْمُوصِي : فَوَاللهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيَّ رَبُّ الْعَالَمِينَ أَبَدًا أَيْ : لَا يُضَيِّقُ عَلَيَّ أَبَدًا لِمَا قَدْ فَعَلْتُهُ بِنَفْسِي رَجَاءَ رَحْمَتِهِ وَطَلَبَ غُفْرَانِهِ ، ثِقَةً مِنْهُ بِهِ ، وَمَعْرِفَةً مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ وَعَفْوِهِ وَصَفْحِهِ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ . وَهَذَا حَدِيثٌ ، فَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ بِخِلَافِ هَذَا اللَّفْظِ ، مِمَّا مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ الَّذِي رُوِيَ بِهِ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَا .