حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : ثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ حَدَّثَهُ ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، قَالَ :
لَا تُوتِرُوا بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ تَشَبَّهُوا بِالْمَغْرِبِ ، وَلَكِنْ أَوْتِرُوا بِخَمْسٍ أَوْ بِسَبْعٍ أَوْ بِتِسْعٍ أَوْ بِإِحْدَى عَشْرَةَ . فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ إِفْرَادَ الْوِتْرِ حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ شَفْعٌ عَلَى مَا قَدْ رَوَيْنَا قَبْلَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَطَوُّعًا قَبْلَ الْوِتْرِ ، وَفِي ذَلِكَ نَفْيُ الْوَاحِدَةِ أَنْ تَكُونَ وِتْرًا . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ فِي التَّخْيِيرِ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِبَاحَةُ الْوِتْرِ بِالْوَاحِدَةِ . فَقَدْ ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْنَاهَا ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْوِتْرَ أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَةٍ ، وَلَمْ يُرْوَ فِي الرَّكْعَةِ شَيْءٌ ، وَتَأْوِيلُهُ يَحْتَمِلُ مَا قَدْ شَرَحْنَاهُ وَبَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ . ثُمَّ أَرَدْنَا أَنْ نَلْتَمِسَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ فَوَجَدْنَا الْوِتْرَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا أَوْ سُنَّةً ، فَإِنْ كَانَ فَرْضًا فَإِنَّا لَمْ نَرَ شَيْئًا مِنَ الْفَرَائِضِ إِلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ، فَمِنْهُ مَا هُوَ رَكْعَتَانِ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَرْبَعٌ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ ثَلَاثٌ ، وَكُلٌّ قَدْ أَجْمَعَ أَنَّ الْوِتْرَ لَا تَكُونُ اثْنَتَيْنِ وَلَا أَرْبَعًا . فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ ثَلَاثٌ . هَذَا إِذَا كَانَ فَرْضًا ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ سُنَّةً ، فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنَ السُّنَنِ إِلَّا وَلَهُ مِثْلٌ فِي الْفَرْضِ . مِنْ ذَلِكَ الصَّلَاةُ ؛ مِنْهَا تَطَوُّعٌ ، وَمِنْهَا فَرْضٌ . وَمِنْ ذَلِكَ : الصَّدَقَاتُ ، لَهَا أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ ، وَهُوَ الزَّكَاةُ . وَمِنْ ذَلِكَ : الصِّيَامُ ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ ، وَهُوَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَمَا أَوْجَبَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكَفَّارَاتِ . وَمِنْ ذَلِكَ : الْحَجُّ ، يُتَطَوَّعُ بِهِ ، وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ ، وَهُوَ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ . وَمِنْ ذَلِكَ الْعُمْرَةُ ، يُتَطَوَّعُ بِهَا ، وَوُجُوبُهَا فِيهِ اخْتِلَافٌ سَنُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى . وَمِنْ ذَلِكَ الْعَتَاقُ ، لَهُ أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ ، وَهُوَ مَا فَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكِتَابِ مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَالظِّهَارِ . فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا يُتَطَوَّعُ بِهَا ، وَلَهَا أُصُولٌ فِي الْفَرْضِ ، فَلَمْ نَرَ شَيْئًا يُتَطَوَّعُ بِهِ إِلَّا وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْفَرْضِ . وَقَدْ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ هِيَ فَرْضٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَطَوَّعَ بِهَا . مِنْهَا الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَهِيَ فَرْضٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَطَوَّعَ بِهَا ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَيِّتٍ مَرَّتَيْنِ يَتَطَوَّعُ بِالْآخِرَةِ مِنْهُمَا . فَكَانَ الْفَرْضُ قَدْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَطَوَّعَ بِمِثْلِهِ . وَلَمْ نَرَ شَيْئًا يُتَطَوَّعُ بِهِ إِلَّا وَلَهُ مِثْلٌ فِي الْفَرْضِ ، مِنْهُ أُخِذَ ، وَكَانَ الْوِتْرُ يُتَطَوَّعُ بِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ إِلَّا وَلَهُ مِثْلٌ فِي الْفَرْضِ ، وَالْفَرْضُ لَمْ نَجِدْ فِيهِ وِتْرًا إِلَّا ثَلَاثًا . فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ . هَذَا هُوَ النَّظَرُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى . وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا .