فَذَكَرُوا مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ ، قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ ، قَالَ : ثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَارَ أَهْلُ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَمَّا مَا ذَكَرُوا مِنْ قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ فَقَدْ قِيلَ : تَأْوِيلُهُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ . وَقِيلَ : إِنَّهُ دِينُ اللهِ . وَقَدْ رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ ، وَهُمَا الْمَرْضُوضَانِ خَصَاهُمَا ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ ذَلِكَ قَدِ انْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَسْلٌ ، فَلَوْ كَانَ إِخْصَاؤُهُمَا مَكْرُوهًا ، إِذًا لَمَا ضَحَّى بِهِمَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيَنْتَهِيَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ ، فَلَا يَفْعَلُونَهُ ، لِأَنَّهُمْ مَتَى مَا عَلِمُوا أَنَّ مَا أُخْصِيَ تُجْتَنَبُ أَوْ تُجَافَى ، أَحْجَمُوا عَنْ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَفْعَلُوهُ . أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فِيمَا رَوَيْنَاهُ عَنْهُ فِي بَابِ رُكُوبِ الْبِغَالِ أَنَّهُ أُتِيَ بِعَبْدٍ خَصِيٍّ يَشْتَرِيهِ ، فَقَالَ :
مَا كُنْتُ لِأُعِينَ عَلَى الْإِخْصَاءِ . فَجَعَلَ ابْتِيَاعَهُ إِيَّاهُ ، عَوْنًا عَلَى إِخْصَائِهِ ، لِأَنَّهُ لَوْلَا مَنْ يَبْتَاعُهُ ، لِأَنَّهُ خَصِيٌّ ، لَمْ يَخْصِهِ مَنْ أَخْصَاهُ ، فَكَذَلِكَ إِخْصَاءُ الْغَنَمِ ، لَوْ كَانَ مَكْرُوهًا ، لَمَا ضَحَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَدْ أُخْصِيَ مِنْهَا . وَلَا يُشْبِهُ إِخْصَاءُ الْبَهَائِمِ إِخْصَاءَ بَنِي آدَمَ ، لِأَنَّ إِخْصَاءَ الْبَهَائِمِ ، إِنَّمَا يُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرْنَا ، مِنْ سَمَانَتِهَا ، وَقَطْعِ عَضِّهَا ، فَذَلِكَ مُبَاحٌ . وَبَنُو آدَمَ ، فَإِنَّمَا يُرَادُ بِإِخْصَائِهِمُ الْمَعَاصِي ، فَذَلِكَ غَيْرُ مُبَاحٍ . وَلَوْ كَانَ مَا رَوَيْنَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ صَحِيحًا ، لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ الْإِخْصَاءُ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ ، مِنْ ذُكُورِ الْبَهَائِمِ ، حَتَّى يُخْصَى ، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ ، لِأَنَّ فِيهِ انْقِطَاعَ النَّسْلِ . أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ : مِنْهَا نَشَأَتِ الْخَلْقُ ، أَيْ : فَإِذَا لَمْ يَنْشَأْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْخَلْقِ ، فَذَلِكَ مَكْرُوهٌ . فَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْإِخْصَاءِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ مِنْهُ نَشْءُ الْخَلْقِ ، فَهُوَ بِخِلَافِ ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ فِي إِبَاحَةِ إِخْصَاءِ الْبَهَائِمِ ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ .