كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغْدَادِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، يَعْنِي : الْوَاسِطِيَّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، يَعْنِي : الْقَارِيَّ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ ، قَالَ : فَقَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ :
أَتَدْرُونَ مَا التُّرْعَةُ ؟ هِيَ الْبَابُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مِنْبَرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ عَلَى خِلَافِ الرَّوْضَةِ ، وَهُوَ التُّرْعَةُ عَلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَيَكُونُ قَبْرُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْجَنَّةِ إِمَّا فِي رَوْضَةٍ سِوَى تِلْكَ الرَّوْضَةِ مِمَّا هُوَ أَجَلُّ مِنْهَا وَأَنْعَمُ وَأَرْفَعُ مِقْدَارًا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْبَرُهُ بَلَّغَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِجُلُوسِهِ وَبِقِيَامِهِ عَلَيْهِ مَا بَلَّغَهُ ، كَانَ قَبْرُهُ الَّذِي قَدْ تَضَمَّنَ بَدَنَهُ ، فَصَارَ لَهُ مَثْوًى بِذَلِكَ أَوْلَى ، وَبِالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ أَحْرَى ، وَالْجَنَّةُ فَفِيهَا رَوْضَاتٌ لَا رَوْضَةٌ وَاحِدَةٌ ، كَمَا قَالَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي كِتَابِهِ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ، فَيَجُوزُ إِنْ كَانَ قَبْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَوْضَةٍ مِنْ هَذِهِ الرَّوْضَاتِ أَنْ تَكُونَ رَوْضَةً فَوْقَ الرَّوْضَةِ الَّتِي بَيْنَ قَبْرِهِ وَمِنْبَرِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ الرَّوْضَةِ مِمَّا هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الرَّوْضَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَا يَجْمَعُ الرَّوْضَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا شَرَّفَهُ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِهِ ، وَأَعْلَى بِهِ مَنْزِلَتَهُ ، وَأَثَابَهُ بِهِ عَنْ سَائِرِ النَّاسِ سِوَاهُ وَاخْتَصَّهُ بِهِ دُونَ بَقِيَّتِهِمْ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعْنًى يَجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ، عَلَى مَا فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْآثَارِ ، وَعَلَى مَا فِي سِوَاهُ مِنْهَا : مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ، فَكَانَ تَصْحِيحُهُمَا يَجِبُ بِهِ أَنْ يَكُونَ بَيْتُهُ هُوَ قَبْرَهُ ، وَيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ ؛ لِأَنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - قَدْ أَخْفَى عَلَى كُلِّ نَفْسٍ سِوَاهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَرْضَ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا ؛ بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ فِي كِتَابِهِ : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ، فَأَعْلَمَهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ يَمُوتُ ، وَالْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ قَبْرُهُ ، حَتَّى عَلِمَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ ، وَحَتَّى أَعْلَمَهُ مَنْ أَعْلَمَهُ مِنْ أُمَّتِهِ ، فَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ لَا مَنْزِلَةَ فَوْقَهَا زَادَهُ اللهُ شَرَفًا وَخَيْرًا ، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .