حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ وَرْدَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، قَالَ :
قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبِيَةٌ ، فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ لِي أَبِي مَخْرَمَةُ : انْطَلِقْ بِنَا لَعَلَّهُ أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهَا شَيْئًا ، فَجَاءَ إِلَى الْبَابِ ، فَقَالَ : هَاهُنَا هُوَ ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَهُ ، فَخَرَجَ مَعَهُ بِقَبَاءٍ ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يُرِي أَبِي مَحَاسِنَ الْقَبَاءِ ، وَيَقُولُ : خَبَأْتُ هَذَا لَكَ ، خَبَأْتُ هَذَا لَكَ . فَقُلْتُ : لِأَيِّ شَيْءٍ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا بِمَخْرَمَةَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ كَانَ يَتَّقِي لِسَانَهُ . قَالَ : وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ يَدْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَيَقُولُونَ : مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ ذَلِكَ الْقَبَاءَ ، وَهُوَ مِمَّا أَفَاءَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ وَلَهُ فِي ذَلِكَ شُرَكَاءُ ؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْفَيْءَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . فَتَأَمَّلْنَا مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَمَا أَنْكَرُوهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَنَفَوْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدْنَاهُ فَاسِدًا ؛ لِأَنَّ الْأَفْيَاءَ الَّتِي أَفَاءَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِنْفَانِ : أَحَدُهُمَا الصِّنْفُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْآيَةِ الَّتِي تَلَوْتُهَا ، وَالصِّنْفُ الْآخَرُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي السُّورَةِ الَّتِي هِيَ فِيهَا وَهِيَ قَوْلُهُ : وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْفَيْءِ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ النَّاسِ جَمِيعًا ، فَكَانَتْ مِلْكًا لَا فَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ ، وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ النَّاسِ جَمِيعًا . فَلَمْ يَسْتَأْثِرْهَا لِنَفْسِهِ ، وَرَدَّهَا فِي إِعْزَازِ الْإِسْلَامِ ، وَإِصْلَاحِ قُلُوبِ مَنْ يَخَافُ فَسَادَ قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْتَحِلُ مَا يَنْتَحِلُونَ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ قُوَّةِ الْإِيمَانِ مَا مَعَهُمْ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زِيَادَةً فِي فَضْلِهِ ، وَجَلَالَةً لِمَنْزِلَتِهِ ، وَإِعْظَامًا لِحُقُوقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ، وَطَلَبًا مِنْهُ الْأُلْفَةَ بَيْنَ أُمَّتِهِ ، وَدَفْعِ الْمَكْرُوهِ فِيمَا يُخَافُ مِنْ بَعْضِهَا عَلَى بَقِيَّتِهَا . فَكَانَتْ قِسْمَتُهُ تِلْكَ الْأَقْبِيَةَ بَيْنَ مَنْ قَسَّمَهَا عَلَيْهِ مِنْهُمْ لِذَلِكَ ، وَكَانَ لِبَاسُهُ الْقَبَاءَ الْمَذْكُورَ لُبْسُهُ إِيَّاهُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ بِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ خَبَّأَهُ لِمَخْرَمَةَ ، فَلَمْ يَمْلِكْهُ مَخْرَمَةُ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا مَلَكَهُ بِقَبْضِهِ إِيَّاهُ مِنْهُ وَتَسْلِيمِهِ إِيَّاهُ إِلَيْهِ ، وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .