مَا قَدْ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيِّ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
يَا أَبَا جُرَيٍّ ، لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا ، وَلَوْ أَنْ تَصُبَّ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ الْمُسْتَسْقِي ، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِ مُنْبَسِطٌ ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ ، فَإِنَّهُ مِنَ الْمَخِيلَةِ ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْخُيَلَاءَ ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، الرَّجُلُ يَسُبُّنِي بِمَا فِيَّ ، أَسُبُّهُ بِمَا فِيهِ ؟ قَالَ : لَا ، فَإِنَّ أَجْرَ ذَلِكَ لَكَ ، وَإِثْمَهُ وَوَبَالَهُ عَلَيْهِ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالصَّفْحِ ، وَتَرْكِ السِّبَابِ لِمَنْ سَبَّ ، وَالشِّعْرُ مِنْ أَكْبَرِ السَّبِّ ، فَمِنْ أَيْنَ جَازَ لَكُمْ أَنْ تَرْوُوا عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُخَالِفُ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَوْنِهِ : أَنَّ الَّذِي تَوَهَّمَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لَيْسَ هُوَ كَمَا تَوَهَّمَهُ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ فُلَانًا هَجَانِي وَهُوَ يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ بِشَاعِرٍ فَأَهْجُوَهُ ، إِنَّمَا وَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ - عَلَى نَفْيِ الشِّعْرِ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَلُّ مِنْ رُتَبِ الشُّعَرَاءِ وَهِيَ أَعْلَى رُتَبِ النُّبُوَّةِ وَتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ مَنْزِلَتَهُ فِي الرِّفْعَةِ ، وَكَانَ مَنْ هَجَاهُ مَنْزِلَتُهُ الْمَنْزِلَةُ الْوَضِيعَةُ ، إِذْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السِّبَابِ ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُهَاجُونَ إِذَا هَجَوْا أَكْفَاءَهُمْ ، فَأَمَّا مَنْ سِوَى أَكْفَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُهَاجُونَهُمْ ، فَكَانُوا يَرْفَعُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْ ذَلِكَ ، وَمِنْ ذَلِكَ هِجَاءُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ لَمَّا هَجَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .