وَكَمَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ : إِنَّ لِي دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ إِلَى أَجَلٍ ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ عَنْهُ وَيُعَجِّلَ الدَّيْنَ لِي ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ : لَا تَفْعَلْ . فَقَالَ قَائِلٌ : أَفَتَجْعَلُونَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ حُجَّةً لِمَنْ أَجَازَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ فِيهِ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ ؟ فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ عِنْدَنَا لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى إِطْلَاقِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى كَرَاهَتِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الرِّبَا ، ثُمَّ حَرَّمَ الرِّبَا بَعْدَ ذَلِكَ فَحُرِّمَتْ أَسْبَابُهُ ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِي الْفِقْهِ جَلِيلَةُ الْمِقْدَارِ مِنْهُ ، يَجِبُ أَنْ تُتَأَمَّلَ حَتَّى يُوقَفَ عَلَى الْوَجْهِ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللهُ ، وَهِيَ حَطِيطَةُ الْبَعْضِ مِنَ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ ، لِيَكُونَ سَبَبًا لِتَعْجِيلِ بَقِيَّتِهِ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مَنْ كَرِهَهُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا ، وَأَطْلَقَهُ مَنْ سِوَاهُ مِمَّنْ وَصَفْنَا . وَكَانَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ جَرَى فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَنْ هُوَ لَهُ وَبَيْنَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ وَالتَّعْجِيلِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَشْرُوطٌ فِي صَاحِبِهِ ، كَانَ وَاضِحًا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَأَنَّهُ كَالرِّبَا الَّذِي جَاءَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ وَبِوَعِيدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَدْفَعُونَ إِلَى مَنْ لَهُمْ عَلَيْهِمُ الدَّيْنُ الْعَاجِلُ مَا يَدْفَعُونَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَتَّى يُؤَخِّرُوا عَنْهُمْ ذَلِكَ الدَّيْنَ الْعَاجِلَ إِلَى أَجَلٍ يَذْكُرُونَهُ فِي ذَلِكَ التَّأْخِيرِ ، فَيَكُونُونَ بِذَلِكَ مُشْتَرِينَ أَجَلًا بِمَالٍ ، فَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ ، وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ الْوَعِيدَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ ، فَكَانَ مِثْلَ ذَلِكَ وَضْعُ بَعْضِ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ لِتَعْجِيلِ بَقِيَّتِهِ فِي أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ ابْتِيَاعُ التَّعْجِيلِ بِمَا يُتَعَجَّلُ مِنْهُ بِإِسْقَاطِ بَقِيَّةِ الدَّيْنِ الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ ، فَهَذَا وَاضِحٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَمِمَّنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ .