حَدَّثَنَا أَبُو أُمَيَّةَ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ ، قَالَ :
ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، ثُمَّ ذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ . فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ قَسَمَ خَيْبَرَ بِكَمَالِهَا ، وَلَكِنَّهُ قَسَمَ طَائِفَةً مِنْهَا ، عَلَى مَا احْتَجَّ بِهِ عُمَرُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَتَرَكَ طَائِفَةً مِنْهَا فَلَمْ يَقْسِمْهَا ، عَلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآثَارِ الْأُخَرِ . وَالَّذِي كَانَ قُسِمَ مِنْهَا هُوَ الشِّقُّ وَالْبِطَاهُ ، وَتُرِكَ سَائِرُهَا ، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ قَسَمَ ، وَلَهُ أَنْ يَقْسِمَ ، وَتَرَكَ وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ . فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ هَكَذَا حُكْمُ الْأَرَضِينَ الْمُفْتَتَحَةِ لِلْإِمَامِ ، فَيَقْسِمُهَا إِنْ رَأَى ذَلِكَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ ، كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَسَمَ مِنْ خَيْبَرَ . وَلَهُ تَرْكُهَا إِنْ رَأَى فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ أَيْضًا ، كَمَا تَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَرَكَ مِنْ خَيْبَرَ ، يَفْعَلُ ذَلِكَ مَا رَأَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى التَّحَرِّي مِنْهُ ، لِصَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي أَرْضِ السَّوَادِ مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا ، فَتَرَكَهَا لِلْمُسْلِمِينَ أَرْضَ خَرَاجٍ ، لِيَنْتَفِعَ بِهَا مَنْ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْهُمْ ، كَمَا يَنْتَفِعُ بِهَا مَنْ كَانَ فِي عَصْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، لَمْ يَفْعَلْ فِي السَّوَادِ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ مَا قُلْتُمْ ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا رَضُوا بِذَلِكَ . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا رَضُوا بِذَلِكَ ، أَنَّهُ جَعَلَ الْجِزْيَةَ عَلَى رِقَابِهِمْ ، فَلَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ . إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَعَلَهَا عَلَيْهِمْ ضَرِيبَةً لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ لَهُمْ . أَوْ يَكُونَ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، كَمَا يَجْعَلُ الْجِزْيَةَ عَلَى الْأَحْرَارِ ، لِيَحْقِنَ بِذَلِكَ دِمَاءَهُمْ . فَرَأَيْنَا قَدْ أُهْمِلَ نِسَاؤُهُمْ وَمَشَائِخُهُمْ ، وَأَهْلُ الزَّمَانَةِ مِنْهُمْ ، وَصِبْيَانُهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الِاكْتِسَابِ ، أَكْثَرَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْبَالِغِينَ . فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ، فَدَلَّ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا أَوْجَبَ لَيْسَ لِعِلَّةِ الْمِلْكِ ، وَلَكِنَّهُ لِعِلَّةِ الذِّمَّةِ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ جَمِيعُ مَا افْتُتِحَ تِلْكَ الْأَرْضِ أَخْذُهُمْ ذَلِكَ مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى إِجَارَتِهِمْ لَمَّا كَانَ عُمَرُ فَعَلَ ذَلِكَ . ثُمَّ رَأَيْنَاهُ وَضَعَ عَلَى الْأَرْضِ شَيْئًا مُخْتَلِفًا ، فَوَضَعَ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ شَيْئًا مَعْلُومًا ، وَوَضَعَ عَلَى جَرِيبِ الْحِنْطَةِ شَيْئًا مَعْلُومًا ، وَأَهْمَلَ النَّخْلَ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا . فَلَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَلَكَ بِهِ الْقَوْمُ الَّذِينَ قَدْ ثَبَتَ حُرْمَتُهُمْ بِثِمَارِ أَرْضِيهِمْ ، وَالْأَرْضُ مِلْكٌ لِلْمُسْلِمِينَ . أَوْ يَكُونَ جَعَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، كَمَا جَعَلَ الْخَرَاجَ عَلَى رِقَابِهِمْ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَرَاجُ يَجِبُ إِلَّا فِيمَا مَلَكَهُ لِغَيْرِ أَخْذِ الْخَرَاجِ . فَإِنْ حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى التَّمْلِيكِ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِيَّاهُمْ ثَمَرَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ ، بِمَا جَعَلَ عَلَيْهِمْ مِمَّا ذَكَرْنَا ، جَعَلَ فِعْلَهُ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ فِيمَا قَدْ نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ بَيْعِ السِّنِينَ ، وَمِنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ، فَاسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ . وَلَكِنَّ الْأَمْرَ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ تَمْلِيكَهُ لَهُمُ الْأَرْضَ الَّتِي أَوْجَبَ هَذَا عَلَيْهِمْ فِيمَا قَدْ تَقَدَّمَ ، عَلَى أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُمْ لِذَلِكَ مِلْكَ خَرَاجِيٍّ . فَهَذَا حُكْمُهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ ، وَقَبِلَ النَّاسُ جَمِيعًا مِنْهُ ذَلِكَ ، وَأَخَذُوا مِنْهُ مَا أَعْطَاهُمْ مِمَّا أَخَذَ مِنْهُمْ . فَكَانَ قَبُولُهُمْ لِذَلِكَ إِجَازَةً مِنْهُمْ لِفِعْلِهِ . قَالُوا : فَلِهَذَا جَعَلْنَا أَهْلَ السَّوَادِ مَالِكِينَ لِأَرْضِهِمْ ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَحْرَارًا بِالْعِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَكُلُّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ بِإِجَازَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ غَنِمُوا تِلْكَ الْأَرْضَ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا جَازَ ، وَلَكَانُوا عَلَى مِلْكِهِمْ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ نَقُولُ : كُلُّ أَرْضٍ مُفْتَتَحَةٍ عَنْوَةً ، فَحُكْمُهَا أَنْ تُقْسَمَ كَمَا تُقْسَمُ الْأَمْوَالُ ، خُمُسُهَا لِلهِ ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلَّذِينَ افْتَتَحُوهَا ، لَيْسَ لِلْإِمَامِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ ، إِلَّا أَنْ تَطِيبَ أَنْفُسُ الْقَوْمِ بِتَرْكِهَا ، كَمَا طَابَتْ أَنْفُسُ الَّذِينَ افْتَتَحُوا السَّوَادَ لِعُمَرَ بِمَا ذَكَرْنَا . فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِلْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ : أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّ أَرْضَ السَّوَادِ لَوْ كَانَتْ كَمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى ، لَكَانَ قَدْ وَجَبَ فِيهَا خُمُسُ اللهِ بَيْنَ أَهْلِهِ الَّذِينَ جَعَلَهُ اللهُ لَهُمْ ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ الْخُمُسَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ . وَقَدْ كَانَ أَهْلُ السَّوَادِ الَّذِينَ أَقَرَّهُمْ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ صَارُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ ، وَقَدْ كَانَ السَّوَادُ بِأَسْرِهِ فِي أَيْدِيهِمْ . فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ ، كَانَ مِنْ جِهَةٍ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي ذَكَرُوا ، وَهُوَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ خُمُسٌ . وَكَذَلِكَ مَا فَعَلَ فِي رِقَابِهِمْ ، فَمَنَّ عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَقَرَّهُمْ فِي أَرْضِيهِمْ ، وَنَفَى الرِّقَّ مِنْهُمْ ، وَأَوْجَبَ الْخَرَاجَ عَلَيْهِمْ فِي رِقَابِهِمْ وَأَرَضِيهِمْ ، فَمَلَكُوا بِذَلِكَ أَرَضِيهِمْ ، وَانْتَفَى الرِّقُّ عَنْ رِقَابِهِمْ . فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا بِمَا افْتُتِحَ عَنْوَةً ، فَنَفَى عَنْ أَهْلِهَا رِقَّ الْمُسْلِمِينَ ، وَعَنْ أَرَضِيهِمْ مِلْكَ الْمُسْلِمِينَ ، وَيُوجِبُ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا ، وَيَضَعُ عَلَيْهِمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَضْعُهُ مِنَ الْخَرَاجِ ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ ، بِحَضْرَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَاحْتَجَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ : مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ . ثُمَّ قَالَ : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ ، فَأَدْخَلَهُمْ مَعَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ . يُرِيدُ بِذَلِكَ الْأَنْصَارَ ، فَأَدْخَلَهُمْ مَعَهُمْ . ثُمَّ قَالَ : وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ، فَأَدْخَلَ فِيهَا جَمِيعَ مَنْ يَجِيءُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ، وَيَضَعَهُ حَيْثُ رَأَى وَضْعَهُ ، فِيمَا سَمَّى اللهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ . فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَسُفْيَانُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ . فَإِنِ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ مُحْتَجٌّ ، بِمَا ، : ، : ، : ،