وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرَةَ حَدَّثَنَا ، قَالَ : ثَنَا رَوْحٌ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : أَنَا ابْنُ شِهَابٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعُرْوَةِ : مَا كَانَ يَحْمِلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى أَنْ تُصَلِّيَ فِي السَّفَرِ أَرْبَعًا ؟ فَقَالَ : تَأَوَّلَتْ مَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ بِـ مِنًى . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا تَأَوَّلَ فِي إِتْمَامِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الصَّلَاةَ بِـ مِنًى فَكَانَ مَا صَحَّ مِنْ ذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْلِ نِيَّتِهِ لِلْإِقَامَةِ . فَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تُتِمُّ الصَّلَاةَ ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ لَا يَحْضُرُهَا صَلَاةٌ إِلَّا نَوَتْ إِقَامَةً فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ، يَجِبُ عَلَيْهَا بِهَا إِتْمَامُ الصَّلَاةِ ، فَتُتِمُّ الصَّلَاةَ لِذَلِكَ . فَيَكُونُ إِتْمَامُهَا وَهِيَ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِينَ ، لَا فِي حُكْمِ الْمُسَافِرِينَ . وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا ، لِمَعْنًى غَيْرِ هَذَا ، وَهُوَ أَنِّي سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ :
قَالَ أَبُو عُمَرَ كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَتْ تَقُولُ : كُلُّ مَوْضِعٍ أَنْزِلُهُ فَهُوَ مَنْزِلُ بَعْضِ بَنِيَّ ، فَتَعُدُّ ذَلِكَ مَنْزِلًا لَهَا ، وَتُتِمُّ الصَّلَاةَ مِنْ أَجْلِهِ . وَهَذَا - عِنْدِي - فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ عَائِشَةَ . فَقَدْ كَانَ يَنْزِلُ فِي مَنَازِلِهِمْ ، فَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنْ حُكْمِ السَّفَرِ الَّذِي يُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ إِلَى حُكْمِ الْإِقَامَةِ الَّتِي تُكْمَلُ فِيهَا الصَّلَاةُ . وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ : كَانَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَكُونُ لِمَنْ حَمَلَ الزَّادَ وَالْمَزَادَ ، عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، وَكَانَتْ تُسَافِرُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِفَايَةٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَتَرَكَتْ لِهَذَا الْمَعْنَى قَصْرَ الصَّلَاةِ . فَلَمَّا تَكَافَأَتْ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ فِي فِعْلِ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، لَزِمَنَا أَنْ نَنْظُرَ حُكْمَ قَصْرِ الصَّلَاةِ ، مَا يُوجِبُهُ . فَكَانَ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَا الرَّجُلَ إِذَا كَانَ مُقِيمًا فِي أَهْلِهِ ، فَحُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي إِقَامَتِهِ طَاعَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ ، لَا يَتَغَيَّرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُهُ ، فَكَانَ حُكْمُهُ تَمَامَ الصَّلَاةِ يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْإِقَامَةِ خَاصَّةً ، لَا بِطَاعَةٍ ، وَلَا بِمَعْصِيَةٍ ، ثُمَّ إِذَا سَافَرَ خَرَجَ بِذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْإِقَامَةِ . فَقَدْ جَرَى فِي هَذَا مِنَ الِاخْتِلَافِ ، مَا قَدْ ذَكَرْنَا . فَقَالَ قَوْمٌ : لَا يَجِبُ لَهُ حُكْمُ التَّقْصِيرِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السَّفَرُ سَفَرَ طَاعَةٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : يَجِبُ لَهُ حُكْمُ التَّقْصِيرِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا . فَلَمَّا كَانَ حُكْمُ الْإِتْمَامِ يَجِبُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ بِالْإِقَامَةِ خَاصَّةً ، لَا بِطَاعَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا ، كَانَ كَذَلِكَ يَجِيءُ فِي النَّظَرِ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ التَّقْصِيرِ يَجِبُ لَهُ فِي السَّفَرِ بِالسَّفَرِ خَاصَّةً ، لَا بِطَاعَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، قِيَاسًا وَنَظَرًا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَشَرَحْنَا . وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ التَّقْصِيرَ إِنَّمَا يَجِبُ لَهُ بِحُكْمِ السَّفَرِ خَاصَّةً لَا بِغَيْرِهِ ، ثَبَتَ أَنَّهُ يَقْصُرُ مَا كَانَ مُسَافِرًا فِي الْأَمْصَارِ وَفِي غَيْرِهَا لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لَهَا تُقْصَرُ فِي السَّفَرِ الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِدُخُولِهِ الْأَمْصَارَ . وَجَمِيعُ مَا بَيَّنَّا فِي هَذَا الْبَابِ وَصَحَّحْنَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى .