كَمَا حَدَّثَنَا بَكَّارُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ لَيْلًا ، فَكَرِهَتْ أَنْ تُحَنِّكَهُ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَنِّكُهُ ، فَغَدَوْتُ ، وَمَعِي تَمَرَاتُ عَجْوَةٍ ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَهْنَأُ أَبَاعِرَ لَهُ يَمْسَحُهَا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ ، فَكَرِهَتْ أَنْ تُحَنِّكَهُ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ تُحَنِّكُهُ ، فَقَالَ : أَمَعَكَ شَيْءٌ ؟ قُلْتُ : تَمَرَاتُ عَجْوَةٍ ، فَأَخَذَ مِنْ بَعْضِ ذَلِكَ التَّمْرِ فَمَضَغَهُ ، فَجَمَعَهُ بِرِيقِهِ ، فَأَوْجَرَهُ ، فَتَلَمَّظَ الصَّبِيُّ ، فَقَالَ :
حِبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرُ . قَالَ : سَمِّهِ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ : هُوَ عَبْدُ اللهِ . فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ بِأَنَّهُ مِنَ الْأَنْصَارِ لِأَنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى دُخُولِ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ مَعَهُمْ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَانَ دَعَا بِهِ لَهُمْ . فَقَالَ هَذَا الْقَائِلُ : فَقَدْ وَجَدْنَا الْمُهَاجِرِينَ لَا يُقَالُ لِأَبْنَائِهِمْ : مُهَاجِرُونَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُهَاجِرُوا ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ لِآبَائِهِمْ ، فَكَذَلِكَ أَبْنَاءُ الْأَنْصَارِ لَا يُقَالُ لَهُمْ : أَنْصَارٌ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ نُصْرَةٌ ، وَإِنَّمَا كَانَ لِآبَائِهِمْ دُونَهُمْ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ : أَنَّ أَبْنَاءَ الْمُهَاجِرِينَ كَمَا ذَكَرَ ; لِأَنَّ إِسْلَامَ آبَائِهِمْ كَانَ فِي دَارِهِمْ ، ثُمَّ هَاجَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى الدَّارِ الَّتِي هَاجَرُوا إِلَيْهَا لِوُقُوعِ هَذَا الِاسْمِ نَصًّا ، وَالْأَنْصَارُ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَانُوا أَتَوُا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى مَكَّةَ ، فَبَايَعُوهُ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ، وَذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِمْ لَهُ النُّصْرَةَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَلِمَنْ بَعُدَ مَوْتُهُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا مَعَهُمْ تِلْكَ الْبَيْعَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ لَهُ عَلَى مَا بَايَعُوهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبَيْعَةُ قَدْ دَخَلَ فِيهَا أَبْنَاؤُهُمْ لِدُخُولِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ فِيهَا ، وَلِدُخُولِ مَنْ سِوَاهُمْ مَنْ أَهْلِ دَارِهِمْ فِيهَا كَمَا يَدْخُلُ أَبْنَاءُ أَهْلِ الْحَرْبِ فِيمَا يُصَالِحُ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ عَلَى مَا يُصَالِحُهُمْ عَلَيْهِ مِمَّا تَجْرِي عَلَيْهِ أُمُورُهُمْ فِي الْمُسْتَأْنَفِ ، وَكَمَا يَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ دَارِهِمُ الَّذِينَ وَقَعَ ذَلِكَ الصُّلْحُ عَلَيْهِمْ مَعَهُمْ . وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا كَانَ صُلْحُ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عَلَى مَا كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَضْعِيفِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ ، يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ حَضَرَ صُلْحَهُ مِنْهُمْ ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَمْثَالِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ الصُّلْحَ مِنْهُمْ لِمِثْلِهِمْ ، وَدَخَلَ فِيهِ أَيْضًا مَنْ يُولَدُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، مِمَّنْ يَكُونُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ ، مِمَّا لَوْ لَمْ يُصَالَحُوا عَلَيْهِ لَأُخِذُوا بِغَيْرِهِ مِنَ الْجِزْيَةِ الَّتِي يُؤْخَذُ بِهَا مَنْ سِوَاهُمْ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَنْصَارُ الْمُصَالِحُونَ عَلَى النُّصْرَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ عَلَيْهِمْ دَارَهُمْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ حَضَرَهُ مِنْهُمْ ، وَمَنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ مِنْهُمْ ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ يُولَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَكَانُوا بِذَلِكَ كَآبَائِهِمْ ، وَكَمَنْ سِوَى آبَائِهِمْ مِمَّنْ كَانَ عَقَدَ ذَلِكَ الصُّلْحَ الَّذِي اسْتَحَقَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّصْرَةَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَاسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ اسْمَ النُّصْرَةِ كَمَا اسْتَحَقَّهُ مَنْ سِوَاهُمْ مِمَّنْ دَخَلَ الصُّلْحَ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ .