568 - باب بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القضاة من منهم في النار ، ومن منهم في الجنة ؟ قال أبو جعفر : قد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا في بيان مشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله لأبي ذر : لا تقضين بين اثنين . أسانيد هذه الآثار ، فغنينا بذلك عن إعادتها في هذا الباب ، فأما متونها ، فهي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ، فأما الذي في الجنة ، فرجل عرف الحق ، فقضى به ، فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فلم يقض به ، وجار في الحكم ، فهو في النار ، ورجل لم يعرف الحق ، فقضى للناس على جهل ، فهو في النار . فتأملنا هذا الحديث ، فوجدنا فيه أن القاضي الذي في الجنة هو القاضي بالحق ، فقال قائل : القاضي بالحق هو الذي قد وقف على الحكم عند الله فيما قضى به ، وفي ذلك ما ينفي استعمال الاجتهاد الذي قد يكون معه إصابة ذلك ، وقد يكون معه التقصير عنه . فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه : أن الأمر في ذلك بخلاف ما ذكر ؛ لأن الله عز وجل لم يكلفنا ما لا نطيق ، وقد أنبأنا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في حديثي عمرو بن العاص وأبي هريرة اللذين ذكرناهما في ذلك الباب ما للقاضي من الأجر إذا أصاب الحق باجتهاده ، وما له من الأجر إذا أخطأه بعد اجتهاده ، فكان في ذلك ما قد دل على انه يجتهد فيما لم يجده في كتاب الله منصوصا ، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مأثورا ، ولا في إجماع الأمة عليه موقوفا ، ولما كان له أن يقضي باجتهاده الذي قد يكون معه فيه إصابة الحق عند الله عز وجل ، وقد يكون معه التقصير عن ذلك ، وكان ما يقضي به بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بالقضاء به حقا ، عقلنا بذلك أن الحق الذي القاضي به في الجنة هو ذلك الحق حتى تصح هذه الآثار ولا تتضاد ، وقد وجدنا مثل ذلك قد كان من نبيين من أنبياء الله صلى الله عليهما وسلم ، وهما داود وسليمان ، فحكما في الحرث ، فاختلفا ، فقال الله فيهما : ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما . وكان في ذلك ما قد دل أنهما قد حكما باجتهاد آرائهما من غير أن ينزل الله عليهما ما يحكمان به ، فدل ذلك أن كذلك الحكام سواهما . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سليمان سأل ربه أن يؤتيه حكما يصادف حكمه ، فأعطاه إياه ، وقد علمنا أنه كان قبل سؤاله إياه ذلك إليه الحكم بحق النبوة ، فدل ذلك أنه قد كان يجوز أن يحكم حكما يخالف حكمه ، ولولا أن ذلك كان كذلك ، لما كان لسؤاله الله ذلك معنى ؛ إذ كان قد آتاه إياه قبل ذلك . 4121 - حدثنا بذلك الربيع المرادي ، قال : حدثنا بشر ب