عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ قَالَ : دَخَلَ قَوْمٌ عَلَى سَلْمَانَ وَهُوَ أَمِيرٌ بِالْمَدَائِنِ وَهُوَ يَعْمَلُ هَذَا الْخُوصَ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَعْمَلُ هَذَا وَأَنْتَ أَمِيرٌ ؟ وَهُوَ يُجْرِي عَلَيْكَ رِزْقً قَالَ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ آكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِي ، وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ تَعَلَّمْتُ هَذَا . إِنِّي كُنْتُ فِي أَهْلِي بِرَامَ هُرْمُزَ ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى مُعَلِّمِي الْكِتَابَ ، وَكَانَ فِي الطَّرِيقِ رَاهِبٌ فَكُنْتُ إِذَا مَرَرْتُ جَلَسْتُ عِنْدَهُ ، فَكَانَ يُخْبِرُنِي مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَنَحْوًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى اشْتَغَلْتُ عَنْ كِتَابَتِي وَلَزِمْتُهُ . فَأَخْبَرَ أَهْلِيَ الْمُعَلِّمُ ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا الرَّاهِبَ قَدْ أَفْسَدَ ابْنَكُمْ ، قَالَ : فَأَخْرِجُوهُ ، فَاسْتَخْفَيْتُ مِنْهُمْ قَالَ : فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا الْمَوْصِلَ ، فَوَجَدْنَا بِهَا أَرْبَعِينَ رَاهِبًا ، فَكَانَ بِهِمْ مِنَ التَّعْظِيمِ لِلرَّاهِبِ الَّذِي جِئْتُ مَعَهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ ، فَكُنْتُ مَعَهُمْ أَشْهُرًا . فَمَرِضْتُ فَقَالَ رَاهِبٌ مِنْهُمْ : إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَأُصَلِّي فِيهِ ، فَفَرِحْتُ بِذَلِكَ ، فَقُلْتُ : أَنَا مَعَكَ ، قَالَ : فَخَرَجْنَا ، قَالَ : فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَصْبَرَ عَلَى مَشْيٍ مِنْهُ ، كَانَ يَمْشِي فَإِذَا رَآنِي أَعْيَيْتُ قَالَ : ارْقُدْ ، وَقَامَ يُصَلِّي ، فَكَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَطْعَمْ يَوْمًا حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ . فَلَمَّا قَدِمْنَاهَا رَقَدَ ، وَقَالَ لِي : إِذَا رَأَيْتَ الظِّلَّ هَاهُنَا ، فَأَيْقِظْنِي ، فَلَمَّا بَلَغَ الظِّلُّ ذَلِكَ الْمَكَانَ ، أَرَدْتُ أَنْ أُوقِظَهُ ثُمَّ قُلْتُ : شَهْرٌ وَلَمْ يَرْقُدْ ، وَاللهِ لَأَدَعَنَّهُ قَلِيلًا ، فَتَرَكْتُهُ سَاعَةً فَاسْتَيْقَظَ فَرَأَى الظِّلَّ قَدْ جَازَ ذَلِكَ الْمَكَانَ ، فَقَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ أَنْ تُوقِظَنِي ؟ قُلْتُ : قَدْ كُنْتَ لَمْ تَنَمْ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَدَعَكَ أَنْ تَنَامَ قَلِيلًا ، قَالَ : إِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيَّ سَاعَةٌ إِلَّا وَأَنَا ذَاكِرٌ اللهَ تَعَالَى فِيهَا . قَالَ : ثُمَّ دَخَلْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَإِذَا سَائِلٌ مُقْعَدٌ يَسْأَلُ ، فَسَأَلَهُ ، فَلَا أَدْرِي مَا قَالَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ الْمُقْعَدُ : دَخَلْتَ وَلَمْ تُعْطِنِي شَيْئًا ، وَخَرَجْتَ وَلَمْ تُعْطِنِي شَيْئًا ، قَالَ : هَلْ تُحِبُّ أَنْ تَقُومَ ؟ قَالَ : فَدَعَا لَهُ فَقَامَ ، فَجَعَلْتُ أَتَعَجَّبُ وَاتَّبِعُهُ ، فَسَهَوْتُ . فَذَهَبَ الرَّاهِبُ ثُمَّ خَرَجْتُ أَتْبَعُهُ ، أَسْأَلُ عَنْهُ فَرَأَيْتُ رَكْبًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ ، فَقُلْتُ : أَرَأَيْتُمْ رَجُلَ كَذَا وَكَذَا ؟ فَقَالُوا : هَذَا عَبْدٌ آبِقٌ ، فَأَخَذُونِي فَأَرْدَفُونِي خَلْفَ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، حَتَّى قَدِمُوا بِيَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلُونِي فِي حَائِطٍ لَهُمْ ، فَكُنْتُ أَعْمَلُ هَذَا الْخُوصَ ، فَمِنْ ثَمَّ تَعَلَّمْتُهَا . قَالَ : وَكَانَ الرَّاهِبُ قَالَ : إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُعْطِ الْعَرَبَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَحَدًا ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْهُمْ نَبِيٌّ ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ ، فَصَدِّقْهُ ، وَآمِنْ بِهِ ، وَإِنَّ آيَتَهُ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ ، وَلَا يَأْكُلَ الصَّدَقَةَ ، وَإِنَّ فِي ظَهْرِهِ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ . قَالَ : فَمَكَثْتُ مَا مَكَثْتُ ، ثُمَّ قَالُوا : جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَخَرَجْتُ مَعِي بِتَمْرٍ ، فَجِئْتُ إِلَيْهِ بِهِ فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قُلْتُ : صَدَقَةٌ ، قَالَ :
لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، فَأَخَذْتُهُ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِتَمْرٍ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ فَقُلْتُ : هَدِيَّةٌ ، فَأَكَلَ ، وَأَكَلَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ . ثُمَّ قُمْتُ وَرَاءَهُ لِأَنْظُرَ الْخَاتَمَ ، فَفَطِنَ بِي فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُهُ ، قَالَ : فَإِمَّا كَاتَبَ عَلَى مِائَةِ نَخْلَةٍ ، وَإِمَّا اشْتَرَى نَفْسَهُ بِمِائَةِ نَخْلَةٍ ، قَالَ : فَغَرَسَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ، فَلَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ حَتَّى بَلَغَتْ ، أَوْ قَالَ : أَكَلَ مِنْهَا . كذا في طبعة المكتب الإسلامي ( بدون ألف ) وهي لغة ربيعة.