حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
أَيُّمَا رَجُلٍ ابْتَاعَ مَتَاعًا ، فَأَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ ، وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئًا ، فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، فَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . قَالُوا : فَقَدْ بَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَرَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْبَاعَةَ لَا غَيْرَهُمْ . فَكَانَ مِنَ الْحُجَّةِ لِلْآخَرِينَ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُنْقَطِعٌ ، لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ . فَإِنْ قَالُوا : إِنَّمَا قَبِلْنَاهُ ، وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا ، لِأَنَّهُ بَيَّنَ مَا أَشْكَلَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّصِلِ . قِيلَ لَهُمْ : قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ - لَمَّا اضْطَرَبَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذَا ، فَرَوَاهُ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ كَمَا ذَكَرْنَا آخِرًا ، وَرَوَاهُ عَنْهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى مَا وَصَفْنَا أَوَّلًا - إِنْ رَجَعُوا إِلَى حَدِيثِ غَيْرِهِ ، وَهُوَ بَشِيرُ بْنُ نَهِيكٍ ، فَيَجْعَلُونَهُ هُوَ أَصْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُسْقِطُونَ مَا خَالَفَهُ . وَإِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ ، عَادَتِ الْحُجَّةُ الْأُولَى عَلَيْكُمْ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ ، كَانَ لِخَصْمِكُمْ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ : هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، فَفَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ حُكْمِ التَّفْلِيسِ وَالْمَوْتِ ، هُوَ غَيْرُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، فَيَكُونُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عِنْدَهُ مُسْتَعْمَلًا مِنْ حَيْثُ تَأَوَّلَهُ ، وَيَكُونُ هَذَا الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثًا مُنْقَطِعًا شَاذًّا ، لَا يَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ ، فَيَجِبُ تَرْكُ اسْتِعْمَالِهِ . فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ فِي الْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ . وَأَمَّا وَجْهُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ ، فَإِنَّا رَأَيْنَا الرَّجُلَ إِذَا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ شَيْئًا ، كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَنْقُدَهُ الثَّمَنَ . وَإِنْ مَاتَ الْمُشْتَرِي ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَالْبَائِعُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . فَكَانَ الْبَائِعُ ، مَتَى كَانَ مُحَبِّسًا لِمَا بَاعَ ، حَتَّى مَاتَ الْمُشْتَرِي ، كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي . وَمَتَى دَفَعَهُ إِلَى الْمُشْتَرِي وَقَبَضَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ مَاتَ ، فَهُوَ وَسَائِرُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ ، سَوَاءٌ . فَكَانَ الَّذِي يُوجِبُ لَهُ الِانْفِرَادَ بِثَمَنِهِ ، دُونَ الْغُرَمَاءِ - هُوَ بَقَاؤُهُ فِي يَدِهِ . فَلَمَّا كَانَ مَا وَصَفْنَا كَذَلِكَ ، كَانَ كَذَلِكَ إِفْلَاسُ الْمُشْتَرِي إِذَا كَانَ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْبَائِعِ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ سَائِرِ غُرَمَاءِ الْمُشْتَرِي . وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ الْمُشْتَرِي ، فَهُوَ وَسَائِرُ الْغُرَمَاءِ فِيهِ سَوَاءٌ ، فَهَذِهِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ . وَحُجَّةٌ أُخْرَى : أَنَّا رَأَيْنَاهُ إِذَا لَمْ يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي ، وَقَدْ بَقِيَ لِلْبَائِعِ كُلُّ الثَّمَنِ ، أَوْ نَقَدَهُ بَعْضَ الثَّمَنِ ، وَبَقِيَتْ لَهُ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْهُ - أَنَّهُ أَوْلَى بِالْعَبْدِ ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَا بَقِيَ لَهُ مِنَ الثَّمَنِ . فَكَانَ بِبَقَائِهِ فِي يَدِهِ أَوْلَى بِهِ إِذَا كَانَ لَهُ كُلُّ الثَّمَنِ أَوْ بَعْضُ الثَّمَنِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَجَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمًا وَاحِدًا . فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِذَا قَبَضَ الْعَبْدَ وَنَقَدَ الْبَائِعَ مِنْ ثَمَنِهِ طَائِفَةً ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي ، أَنَّ الْبَائِعَ لَا يَكُونُ بِتِلْكَ الطَّائِفَةِ الْبَاقِيَةِ لَهُ أَحَقَّ بِالْعَبْدِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ ، بَلْ هُوَ وَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ . وَكَذَلِكَ إِذَا بَقِيَ لَهُ ثَمَنُهُ كُلُّهُ حَتَّى أَفْلَسَ ، فَلَا يَكُونُ بِذَلِكَ أَحَقَّ بِالْعَبْدِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ ، وَيَكُونُ هُوَ وَهُمْ فِيهِ سَوَاءً . فَيَسْتَوِي حُكْمُهُ إِذَا بَقِيَ لَهُ كُلُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، أَوْ بَعْضُ الثَّمَنِ حَتَّى أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي ، كَمَا اسْتَوَى بَقَاؤُهُمَا جَمِيعًا لَهُ عَلَيْهِ ، حَتَّى كَانَ الْمَوْتُ الَّذِي أَجْمَعُوا فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . فَثَبَتَ بِالنَّظَرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ ، رَحِمَهُمُ اللهُ .