11 - بَاب الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ ، وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا ، وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، وَتَلَا الشَّعْبِيُّ : لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ وَقَالَ عَلِيٌّ : بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ ، فَإِذَا حَمْزَةُ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ : هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ؟ فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ ، وَقَالَ عُثْمَانُ : لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ ، وَقَالَ عَطَاءٌ : إِذَا بَدَأ بِالطَّلَاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ ، وَقَالَ نَافِعٌ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ : إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا : يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : إِنْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ ، وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانهِمْ . وَقَالَ قَتَادَةُ : إِذَا قَالَ إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ ، وَقَالَ الْحَسَنُ : إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتُهُ ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهُوَ مَا نَوَى . وَقَالَ عَلِيٌّ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ : عَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ . وَقَالَ عَلِيٌّ : وَكُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ . 5269 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ . قَالَ قَتَادَةُ : إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . قَوْلُهُ ( بَابُ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا ، وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ ، وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ) اشْتَمَلَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ عَلَى أَحْكَامٍ يَجْمَعُهَا أَنَّ الْحُكْمَ إِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ الْعَامِدِ الذَّاكِرِ ، وَشَمَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ بِالْحَدِيثِ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاقِلِ الْمُخْتَارِ لَا نِيَّةَ لَهُ فِيمَا يَقُولُ أَوْ يَفْعَلُ ، وَكَذَلِكَ الْغَالِطُ وَالنَّاسِي وَالَّذِي يُكْرَهُ عَلَى الشَّيْءِ . وَحَدِيثُ الْأَعْمَالِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَوَّلَ الْكِتَابِ ، وَوَصَلَهُ بِأَلْفَاظٍ أُخْرَى فِي أَمَاكِنَ أُخْرَى ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ . وَقَوْلُهُ الْإِغْلَاقُ هُوَ - بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ - الْإِكْرَاهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يَتَغَلَّقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَيَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ تَصَرُّفُهُ ، وَقِيلَ هُوَ الْعَمَلُ فِي الْغَضَبِ ، وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ ، وَإِلَى الثَّانِي أَشَارَ أَبُو دَاوُدَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي غِلَاقٍ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَالْغِلَاقُ أَظُنُّهُ الْغَضَبَ ، وَتَرْجَمَ عَلَى الْحَدِيثِ الطَّلَاقُ عَلَى غَيْظٍ وَوَقَعَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فِي أَوَّلِهِ . وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ رُوِيَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِغْلَاقُ بِالْأَلِفِ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ فَإِنْ كَانَتِ الرِّوَايَةُ بِغَيْرِ أَلِفٍ هِيَ الرَّاجِحَةُ فَهُوَ غَيْرُ الْإِغْلَاقِ . قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ : قَوْلُهُمْ إِيَّاكَ وَالْغَلْقَ أَيِ الضَّجِرَ وَالْغَضَبَ ، وَرَدَّ الْفَارِسِيُّ فِي مَجْمَعِ الْغَرَائِبِ عَلَى مَنْ قَالَ الْإِغْلَاقُ الْغَضَبُ وَغَلَّطَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ : إِنَّ طَلَاقَ النَّاسِ غَالِبًا إِنَّمَا هُـوَ فِي حَالِ الْغَضَبِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَرَابِطِ : الْإِغْلَاقُ حَرَجُ النَّفْسِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ لَهُ فَارَقَ عَقْلَهُ ، وَلَوْ جَازَ عَدَمُ وُقُوعِ طَلَاقِ الْغَضْبَانِ لَكَانَ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِيمَا جَنَاهُ : كُنْتُ غَضْبَانًا اهـ . وَأَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْغَضَبِ لَا يَقَعُ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ وَلَمْ يُوجَدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِيهِمْ إِلَّا مَا أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْمَطَالِعِ الْإِغْلَاقُ الْإِكْرَاهُ وَهُوَ مِنْ أَغْلَقْتُ الْبَابَ ، وَقِيلَ الْغَضَبُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَهْلُ الْعِرَاقِ ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَعُرِفَ بِعِلَّةِ الِاخْتِلَافِ الْمُطْلَقِ إِطْلَاقُ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ ، وَإِذَا أَطْلَقَهُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ فَمُرَادُهُ مُقَابِلُ الْمَرَاوِزَةِ مِنْهُمْ . ثُمَّ قَالَ : وَقِيلَ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الْبِدْعِيِّ مُطْلَقًا ، وَالْمُرَادُ النَّفْيُ عَنْ فِعْلِهِ لَا النَّفْيُ لِحُكْمِهِ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ بَلْ يُطَلِّقُ لِلسُّنَّةِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ . وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَالْكُرْهُ هُوَ فِي النُّسَخِ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ، وَفِي عَطْفِهِ عَلَى الْإِغْلَاقِ نَظَرٌ ، إِلَّا إِنْ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْإِغْلَاقَ الْغَضَبُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْكَافِ مِيمٌ لِأَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ السَّكْرَانَ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بَابَ حُكْمِ الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَحُكْمِ الْمُكْرَهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ إِلَخْ . وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ ، فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَقَعُ ، قَالَ : لِأَنَّهُ شَيْءٌ افْتَدَى بِهِ نَفْسَهُ ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الرَّأْيِ ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ تَفْصِيلٌ آخَرُ : إِنْ وَرَّى الْمُكْرَهُ لَمْ يَقَعْ وَإِلَّا وَقَعَ ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : إِنْ أَكْرَهَهُ اللُّصُوصُ وَقَعَ وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ فَلَا ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ اللُّصُوصَ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَقْتُلُوا مَنْ يُخَالِفُهُمْ غَالِبًا بِخِلَافِ السُّلْطَانِ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يَقَعُ فِيهِ ، وَاحْتَجَّ عَطَاءٌ بِآيَةِ النَّحْلِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ قَالَ عَطَاءٌ : الشِّرْكُ أَعْظَمُ مِنَ الطَّلَاقِ ، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ ، وَقَرَّرَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا وَضَعَ الْكُفْرَ عَمَّنْ تَلَفَّظَ بِهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ وَأَسْقَطَ عَنْهُ أَحْكَامَ الْكُفْرِ فَكَذَلِكَ يَسْقُطُ عَنِ الْمُكْرَهِ مَا دُونَ الْكُفْرِ لِأَنَّ الْأَعْظَمَ إِذَا سَقَطَ سَقَطَ مَا هُـوَ دُونَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَإِلَى هَذِهِ النُّكْتَةِ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِعَطْفِ الشِّرْكِ عَلَى الطَّلَاقِ فِي التَّرْجَمَةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالسَّكْرَانُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَثَرِ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ يَأْتِي السَّكْرَانُ فِي كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ بِمَا لَا يَأْتِي بِهِ وَهُوَ صَاحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ فإِنَّ فِيهَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ مَا يَقُولُ لَا يَكُونُ سَكْرَانَ ، وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَسَيَأْتِي فِي أَثَرِ عَلِيٍّ مَعَ عُمَرَ . وَقَوْلُهُ وَأَمَرَهُمَا فَمَعْنَاهُ هَلْ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ أَوْ يَخْتَلِفُ ؟ وَقَوْلُهُ وَالْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ أَيْ إِذَا وَقَعَ مِنَ الْمُكَلَّفِ مَا يَقْتَضِي الشِّرْكَ غَلَطًا أَوْ نِسْيَانًا هَـلْ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ فَلْيَكُنِ الطَّلَاقُ كَذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ وَغَيْرِهِ أَيْ وَغَيْرِ الشِّرْكِ مِمَّا هُـوَ دُونَهُ ، وَذَكَرَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّهُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَالشَّكِّ بَدَلَ الشِّرْكِ ، قَالَ : وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ لَكِنْ قَالَ : وَهُوَ أَلْيَقُ ، وَكَأَنَّ مُنَاسَبَةَ لَفْظِ الشِّرْكِ خَفِيَتْ عَلَيْهِمَا ، وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا بِلَفْظِ الشَّكِّ ، فَإِنْ ثَبَتَتْ فَتَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلَى النِّسْيَانِ لَا عَلَى الطَّلَاقِ . ثُمَّ رَأَيْتُ سَلَفَ شَيْخِنَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ بَطَّالٍ وَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَهُوَ خَطَأٌ وَالصَّوَابُ وَالشَّكُّ مَكَانَ الشِّرْكِ اهـ ، فَفَهِمَ شَيْخُنَا مِنْ قَوْلِهِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ أَنَّ فِي بَعْضِهَا بلَفْظ الشَّكِّ فَجَزَمَ بِذَلِكَ . وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي طَلَاقِ النَّاسِي فَكَانَ الْحَسَنُ يَرَاهُ كَالْعَمْدِ إِلَّا إِنِ اشْتَرَطَ فَقَالَ إِلَّا أَنْ أَنْسَى ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَاهُ شَيْئًا وَيَحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الْآتِي كَمَا سَأُقَرِّرُهُ بَعْدُ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَكَذَلِكَ اخْتُلِفَ فِي طَلَاقِ الْمُخْطِئِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ شَيْئًا فَسَبَقَهُ لِسَانُهُ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ . وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ الْغَلَطُ وَالنِّسْيَانُ إِلَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الثَّلَاثَةِ فِي التَّجَاوُزِ ، فَمَنْ حَمَلَ التَّجَاوُزَ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ خَاصَّةً دُونَ الْوُقُوعِ فِي الْإِكْرَاهِ لَزِمَ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النِّسْيَانِ ، وَالْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي طَلَاقِ الْمُشْرِكِ فَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَرَبِيعَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَنُسِبَ إِلَى مَالِكٍ ، وَدَاوُدَ . وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَقَعُ كَمَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ وَعِتْقُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ . قَوْلُهُ ( وَتَلَا الشَّعْبِيُّ : لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ الصَّغِيرِ مِنْ رِوَايَةِ سَلِيمٍ مَوْلَى الشَّعْبِيِّ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ . قَوْلُهُ ( وَمَا لَا يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ الْمُوَسْوِسِ ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَالْوَاوُ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ ) هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ بِلَفْظِ هَلْ بِكَ جُنُونٌ وَأَوْرَدَهُ فِي الْحُدُودِ ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَوَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ذِكْرُ السُّكْرِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ عَلِيٌّ : بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ ) الْحَدِيثَ هُوَ طَرَفٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ بَدْرِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي . وَ بَقَرَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ أَيْ شَقَّ ، وَالْخَوَاصِرُ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ جَمْعُ خَاصِرَةٍ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ إِنَّهُ ثَمِلٌ بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا لَامٌ أَيْ سَكْرَانُ ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ مَنْ لَمْ يُؤَاخِذِ السَّكْرَانَ بِمَا يَقَعُ مِنْهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ ، وَاعْتَرَضَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ الْخَمْرَ حِينَئِذٍ كَانَتْ مُبَاحَةً ، قَالَ : فَبِذَلِكَ سَقَطَ عَنْهُ حُكْمُ مَا نَطَقَ بِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، قَالَ : وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ اهـ . وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ، أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ الِاحْتِجَاجَ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ مُؤَاخَذَةِ السَّكْرَانِ بِمَا يُصْدَرُ مِنْهُ ، وَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشُّرْبُ مُبَاحًا أَوْ لَا ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَدَعْوَاهُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ كَانَ بِسَبَبِ قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، فَإِنَّ قِصَّةَ الشَّارِفَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ اتِّفَاقًا لِأَنَّ حَمْزَةَ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ عِنْدَ تَزْوِيجِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ جَمَاعَةً اصْطَبَحُوا الْخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ وَاسْتُشْهِدُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ ، فَكَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بَعْدَ أُحُدٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ عُثْمَانُ : لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ شَبَابَةَ ، وَرُوِّينَاهُ فِي الْجُزْءِ الرَّابِعِ مِنْ تَارِيخِ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : طَلَّقْتُ امْرَأَتِي وَأَنَا سَكْرَانُ ، فَكَانَ رَأْيُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَعَ رَأْيِنَا أَنْ يَجْلِدَهُ وَيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ ، حَتَّى حَدَّثَهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ عَلَى الْمَجْنُونِ وَلَا عَلَى السَّكْرَانِ طَلَاقٌ ، قَالَ عُمَرُ : تَأْمُرُونَنِي وَهَذَا يُحَدِّثُنِي عَنْ عُثْمَانَ ؟ فَجَلَدَهُ ، وَرَدَّ إِلَيْهِ امْرَأَتَهُ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أَثَرَ عُثْمَانَ ثُمَّ ابْنِ عَبَّاسٍ اسْتِظْهَارًا لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي قِصَّةِ حَمْزَةَ ، وَذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ السَّكْرَانِ أَيْضًا أَبُو الشَّعْثَاءَ ، وَعَطَاءٌ ، وَطَاوُسٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَالْقَاسِمُ ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمْ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ ، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ ، وَاللَّيْثُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالْمُزَنِيُّ ، وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ لَا يَقَعُ قَالَ : وَالسَّكْرَانُ مَعْتُوهٌ بِسُكْرِهِ . وَقَالَ بِوُقُوعِهِ طَائِفَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَمَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : الْمُصَحَّحُ مِنْهُمَا وُقُوعُهُ ، وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَكِنَّ التَّرْجِيحَ بِالْعَكْسِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُرَابِطِ : إِذَا تَيَقَّنَّا ذَهَابَ عَقْلِ السَّكْرَانِ . لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ ، وَإِلَّا لَزِمَهُ . وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ حَدَّ السُّكْرِ الَّذِي تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَنْ لَا يَعْلَمَ مَا يَقُولُ ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يَأْبَاهُ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ طَلَاقِهِ ، وَإِنَّمَا اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِوُقُوعِهِ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ عَاصٍ بِفَعْلِهِ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ الْخِطَابُ بِذَلِكَ ، وَلَا الْإِثْمُ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ فِي السُّكْرِ أَوْ فِيهِ ، وَأَجَابَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّهُ لَا تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ فَاقِدِ الْعَقْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَهَابُ عَقْلِهِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ أَوْ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِسَبَبٍ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ كَمَنْ كَسَرَ رِجْلَ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْقِيَامَ انْتَقَلَ إِلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقُعُودُ فَافْتَرَقَا . وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الِاحْتِجَاجِ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ بِأَنَّ النَّائِمَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ فَافْتَرَقَا . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْأَصْلُ فِي السَّكْرَانِ الْعَقْلُ ، وَالسُّكْرُ شَيْءٌ طَرَأَ عَلَى عَقْلِهِ ، فَمَهْمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ كَلَامٍ مَفْهُومٍ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَهَابُ عَقْلِهِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : طَلَاقُ السَّكْرَانِ وَالْمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزٍ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ جَمِيعًا عَنْ هُشَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ الْخُزَاعِيِّ ، عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمُزَنِيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْسَ لِسَكْرَانَ وَلَا لِمُضْطَهَدٍ طَلَاقٌ الْمُضْطَهَدُ : بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَاءٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ هُوَ الْمَغْلُوبُ الْمَقْهُورُ ، وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِجَائِزٍ أَيْ بِوَاقِعٍ ، إِذْ لَا عَقْلَ لِلسَّكْرَانِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَلَا اخْتِيَارَ لِلْمُسْتَكْرَهِ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : لَا يَجُوزُ طَلَاقُ الْمُوَسْوِسِ ) أَيْ لَا يَقَعُ ، لِأَنَّ الْوَسْوَسَةَ حَدِيثُ النَّفْسِ ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِمَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ ( وَقَالَ عَطَاءٌ : إِذَا بَدَأَ بِالطَّلَاقِ فَلَهُ شَرْطُهُ ) تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي الطَّلَاقِ وَتَقَدَّمَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ ، وَبَيَّنْتُ مَنْ وَصَلَهُ عَنْهُمْ وَمَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ نَافِعٌ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ إِنْ خَرَجَتْ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ) أَمَّا قَوْلُهُ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ هُنَا قَالَ النُّحَاةُ : قَطْعُ هَمْزَةِ الْبَتَّةَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الْقِيَاسِ اهـ ، وَفِي دَعْوَى أَنَّهَا يُقَالُ بِالْقَطْعِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ أَلِفَ الْبَتَّةَ أَلِفُ وَصْلٍ قَطْعًا ، وَالَّذِي قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ الْبَتَّةَ الْقَطْعُ وَهُوَ تَفْسِيرُهَا بِمُرَادِفِهَا لَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهَا تُقَالُ بِالْقَطْعِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ بُتَّتْ فَبِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَمُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذَا هُـنَا - وَإِنْ كَانَتِ الْمَسَائِلُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَتَّةِ تَقَدَّمَتْ - مُوَافَقَةُ ابْنِ عُمَرَ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنْ لَا فَرْقَ فِي الشَّرْطِ بَيْنَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ أَثَرِ عَطَاءٍ وَكَذَا مَا بَعْدَ هَذَا . وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَتَّةِ ثَلَاثٌ ثَلَاثٌ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ثَلَاثًا : يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلْكَ الْيَمِينِ ، فَإِنْ سَمَّى أَجَلًا أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبَهُ حِينَ حَلَفَ جُعِلَ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ ) أَيْ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ مُخْتَصَرًا وَلَفْظُهُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَحْلِفَانِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقَةِ عَلَى أَمْرٍ يَخْتَلِفَانِ فِيهِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ : يَدِينَانِ وَيَحْمِلَانِ مِنْ ذَلِكَ مَا تَحَمَّلَا . وَعَنْ مَعْمَرٍ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ مِثْلُهُ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : إِنْ قَالَ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ نِيَّتُهُ ) أَيْ إِنْ قَصَدَ طَلَاقًا طَلُقَتْ وَإِلَّا فَلَا ، قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ قَالَ : نِيَّتُهُ . وَعَنْ وَكِيعٍ عَنْ شُعْبَةَ سَأَلْتُ الْحَكَمَ ، وَحَمَّادًا قَالَا : إِنْ نَوَى طَلَاقًا فَوَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا . قَوْلُهُ ( وَطَلَاقُ كُلِّ قَوْمٍ بِلِسَانِهِمْ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي إِدْرِيسَ ، وَجَرِيرٌ فَالْأَوَّلُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَالثَّانِي عَنِ الْمُغِيرَةِ كِلَاهُمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : طَلَاقُ الْعَجَمِيِّ بِلِسَانِهِ جَائِزٌ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ بِالْفَارِسِيَّةِ يَلْزَمُهُ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ قَتَادَةُ : إِذَا قَالَ إِذَا حَمَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ، فَإِنِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرْوَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ لَكِنْ قَالَ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ مَرَّةً ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى تَطْهُرَ وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ نَحْوَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَشْعَثَ ، عَنِ الْحَسَنِ يَغْشَاهَا إِذَا طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ ثُمَّ يُمْسِكُ عَنْهَا إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْشَاهَا حَتَّى تَحْمِلَ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ : فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ إِنْ وَطِئَهَا مَرَّةً بَعْدَ التَّعْلِيقِ طَلُقَتْ سَوَاءٌ اسْتَبَانَ بِهَا حَمْلَهَا أَمْ لَا ، وَإِنْ وَطِئَهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي قَالَ لَهَا ذَلِكَ بَعْدَ الْوَطْءِ طَلُقَتْ مَكَانَهَا . وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ لَا يَقَعُ إِلَّا إِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ ، قَالَ : فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ فَلْيَكُنْ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ الْحَسَنُ : إِذَا قَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ نِيَّتُهُ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ هُوَ مَا نَوَى وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْرُجِي اسْتَبْرِئِي ، اذْهَبِي ، لَا حَاجَةَ لِي فِيكِ : هِيَ تَطْلِيقَةٌ إِنْ نَوَى الطَّلَاقَ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ ، وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ ) أَيْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ كَالنُّشُوزِ ، بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ مَطْلُوبٌ دَائِمًا ، وَالْوَطَرُ بِفَتْحَتَيْنِ الْحَاجَةُ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : وَلَا يُبْنَى مِنْهَا فِعْلٌ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : إِنْ قَالَ مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي نِيَّتَهُ ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهُوَ مَا نَوَى ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَسْتِ لِي بِامْرَأَةٍ قَالَ : هُوَ مَا نَوَى وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ إِذَا وَاجَهَهَا بِهِ وَأَرَادَ الطَّلَاقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ إِنْ كَرَّرَ ذَلِكَ مِرَارًا مَا أَرَاهُ أَرَادَ إِلَّا الطَّلَاقَ وَعَنْ قَتَادَةَ إِنْ أَرَادَ طَلَاقًا طَلُقَتْ وَتَوَقَّفَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ، وَقَالَ اللَّيْثُ هِيَ كِذْبَةٌ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٌ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ عَلِيٌّ : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ ) وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ أُتِيَ بِمَجْنُونَةٍ قَدْ زَنَتْ وَهِيَ حُبْلَى ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجُمَهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : أَمَّا بَلَغَكَ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ وُضِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَذَكَرَهُ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ نُمَيْرٍ ، وَوَكِيعٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَرَوَاهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَصَرَّحَ فِيهِ بِالرَّفْعِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِمَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، جَعَلَهُ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنْ عَلِيٍّ وَرُجِّحَ الْمَوْقُوفُ عَلَى الْمَرْفُوعِ ، وَأَخَذَ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الْجُمْهُورُ ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي إِيقَاعِ طَلَاقِ الصَّبِيِّ ، فَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، وَالْحَسَنِ يَلْزَمُهُ إِذَا عَقَلَ وَمَيَّزَ ، وَحَدُّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يُطِيقَ الصِّيَامَ وَيُحْصِيَ الصَّلَاةَ ، وَعِنْدَ عَطَاءٍ إِذَا بَلَغَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةٍ ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةُ إِذَا نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ . قَوْلُهُ ( وَقَالَ عَلِيٌّ : وَكُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ ) وَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا بِسَمَاعِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ مِنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ وَزَادَ فِي آخِرِهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا . وَالْمُرَادُ بِالْمَعْتُوهِ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هـَاءٌ - النَّاقِصُ الْعَقْلِ ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الطِّفْلُ وَالْمَجْنُونُ وَالسَّكْرَانُ ; وَالْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُ ، وَفِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ أَنَّ الْمُحَبِّرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَكَانَ مَعْتُوهًا فَأَمَرَهَا ابْنُ عُمَرَ بِالْعِدَّةِ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ مَعْتُوهٌ ، فَقَالَ : إِنِّي لَمْ أَسْمَعِ اللَّهَ اسْتَثْنَى لِلْمَعْتُوهِ طَلَاقًا وَلَا غَيْرَهُ . وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ . قَوْلُهُ ( حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ ) هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَهِشَامُ هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ . قَوْلُهُ ( عَنْ زُرَارَةَ ) تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي أَوَائِلِ الْعِتْقِ ، وَذَكَرْتُ فِيهِ بَعْضَ فَوَائِدِهِ ، وَيَأْتِي بَقِيَّتُهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَقَوْلُهُ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَذَكَرَ الْمُطَرِّزِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ بِالضَّمِّ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا ، وَقَدْ أَسْنَدَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ لَيْسَ عِنْدَ قَتَادَةَ حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي أَنَّ الْمُوَسْوَسَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَالْمَعْتُوهُ وَالْمَجْنُونُ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِلْجُمْهُورِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَلاقٌ وَنَوَى فِي نَفْسِهِ ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ إِلَّا وَاحِدَةً - خِلَافًا لِلشَّافِعَيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ - قَالَ : لِأَنَّ الْخَبَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِنِيَّةٍ لَا لَفْظَ مَعَهَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَفَظَ بِالطَّلَاقِ وَنَوَى الْفُرْقَةَ التَّامَّةَ فَهِيَ نِيَّةٌ صَحِبَهَا لَفْظٌ ; وَاحْتُجَّ بِهِ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا فُلَانَةُ وَنَوَى بِذَلِكَ طَلَاقَهَا أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ ، خِلَافًا لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالنِّيَّةِ دُونَ اللَّفْظِ وَلَمْ يَأْتِ بِصِيغَةٍ لَا صَرِيحَةٍ وَلَا كِنَايَةٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَبَ الطَّلَاقَ طَلُقَتِ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ وَعَمَلَ بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَشَرْطُ مَالِكٍ فِيهِ الْإِشْهَادُ عَلَى ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِذَا طَلَّقَ في نَفْسه طَلُقَتْ - وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، وَالزُّهْرِيِّ - وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا أَشْهَبُ عَنْهُ وَقَوَّاهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، بِأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ كَفَرَ وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ أَثِمَ وَكَذَلِكَ مَنْ رَاءَى بِعَمَلِهِ وَأُعْجِبَ ، وَكَذَا مَنْ قَذَفَ مُسْلِمًا بِقَلْبِهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ دُونَ اللِّسَانِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ مِنْ فَضَائِلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَالْمُصِرُّ عَلَى الْكُفْرِ لَيْسَ مِنْهُمْ ، وَبِأَنَّ الْمُصِرَّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ الْآثِمَ مَنْ تَقَدَّمَ لَهُ عَمَلُ الْمَعْصِيَةِ لَا مَنْ لَمْ يَعْمَلْ مَعْصِيَةً قَطُّ ، وَأَمَّا الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَعْمَالِ . وَاحْتَجَّ الْخَطَّابِيُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الظِّهَارِ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا قَالَ : وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ ، وَكَذَا لَوْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْقَذْفِ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا ، وَلَوْ كَانَ حَدِيثُ النَّفْسِ يُؤَثِّرُ لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْحَدِيثِ مَنْدُوبٌ فَلَوْ وَقَعَ لَمْ تَبْطُلْ ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ عُمَرَ إِنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الطَّلَاقِ فِي الْإِغْلَاقِ وَالْكُرْهِ وَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمَا وَالْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِهِ · ص 300 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 250 باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره أي : هذا باب في بيان حكم الإغلاق أي الإكراه ؛ لأن المكره يغلق عليه في أمره ، ويقال كأنه يغلق عليه الباب ويضيق عليه حتى يطلق ، وقيل : لا يطلق التطليقات في دفعة واحدة حتى لا يبقى منه شيء ، لكن يطلق طلاق السنة . وفي المحكم وغيره : احتد فلان فنشب في حدته وغلق . وفي الجامع : غلق إذا غضب غضبا شديدا . ولما ذكر الفارسي في كتابه مجمع الغرائب قول من قال الإغلاق الغضب قال : هذا غلط ؛ لأن أكثر طلاق الناس في الغضب ، إنما هو الإكراه . وأخرج أبو داود حديث عائشة لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ، قال أبو داود : الغلاق أظنه الغضب . وترجم على الحديث الطلاق على غيظ ، ووقع عنده بغير ألف في أوله . وحكى البيهقي أنه روِي بالوجهين ؛ فوقع عند ابن ماجه في هذا الحديث الإغلاق بالألف وترجم عليه طلاق المكره ، وقال ابن المرابط : الإغلاق حرج النفس ، وليس يقع على أن مرتكبه فارق عقله حتى صار مجنونا فيدعى أنه كان في غير عقله ، ولو جاز هذا لكان لكل واحد من خلق الله عز وجل ممن يجوز عليه الحرج أن يدعِي في كل ما جناه أنه كان في حال إغلاق فتسقط عنه الحدود وتصير الحدود خاصة لا عامة لغير الحرج . وقال ابن بطال : فإذا ضيق على المكره وشدد عليه لم يقع حكم طلاقه ، فكأنه لم يطلق . وفي مصنف ابن أبي شيبة أن الشعبي كان يرى طلاق المكره جائزا ، وكذا قاله إبراهيم وأبو قلابة وابن المسيب وشريح ، وقال ابن حزم : وصح أيضا عن الزهري وقتادة وسعيد بن جبير . وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه ، وروى الفرج بن فضالة عن عمرو بن شراحيل أن امرأة أكرهت زوجها على طلاقها فطلقها ، فرفع ذلك إلى عمر فأمضى طلاقها . وعن ابن عمر نحوه ، وكذا عن عمر بن عبد العزيز ، وأما من لم يره شيئا فعلي بن أبي طالب وابن عمر وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وعطاء والحسن بن أبي الحسن وعبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب والضحاك ، قال ابن حزم : وصح أيضا عن طاوس وجابر بن زيد . قال : وهو قول مالك والأوزاعي والحسن بن حُيَيٍّ والشافعي وأبي سليمان وأصحابهم ، وعن إبراهيم تفصيل آخر وهو أنه إن ورَّى المكره لم يقع وإلا وقع ، وقال الشعبي : إن أكرهه اللصوص وقع ، وإن أكرهه السلطان فلا - أخرجه ابن أبي شيبة . قوله ( والكره ) بضم الكاف وسكون الراء في النسخ كلها ، وهو بالجر ، ظاهره أنه عطف على قوله في الإغلاق ، لكن هذا لا يستقيم إلا إذا فسر الإغلاق بالغضب كما فسره أبو داود وترجم عليه بقوله الطلاق على غيظ ، ولكن في روايته الغلاق بدون الألف في أوله ، وقد فسروه أيضا مع وجود الألف في أوله بالغضب ولكن إن قدر قبل الكاف ميم لأنه عطف عليه لفظ السكران فيستقيم الكلام ويكون المعنى : باب حكم الطلاق في الإغلاق وحكم المكره والسكران - إلى آخره . فهذه الترجمة تشتمل على أحكام لم يذكرها اكتفاء بالحديث الذي ذكره . أما حكم الطلاق في الغضب فإنه يقع ، وفي رواية عن الحنابلة أنه لا يقع ، قيل : وأراد البخاري بذلك الرد على مذهب من يرى أن الطلاق في الغضب لا يقع . وأما حكم الإكراه فقد مر . وأما طلاق السكران هل يقع أم لا ؟ فإن الناس اختلفوا فيه ؛ فممن قال إنه لا يقع عثمان بن عفان وجابر بن زيد وعطاء وطاوس وعكرمة والقاسم وعمر بن عبد العزيز - ذكره ابن أبي شيبة ، وزاد ابن المنذر : عن ابن عباس وربيعة والليث وإسحاق والمزني واختاره الطحاوي . وذهب مجاهد إلى أن طلاقه يقع ، وكذا قاله محمد والحسن وسعيد بن المسيب وإبراهيم بن يزيد النخعي وميمون بن مهران وحميد بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والزهري والشعبي وسالم بن عبد الله والأوزاعي والثوري ، وهو قول مالك وأبي حنيفة ، واختلف فيه قول الشافعي فأجازه مرة ومنعه أخرى ، وألزمه مالك الطلاق والقود من الجراح ومن القتل ولم يلزمه النكاح والبيع . وقال الكوفيون : أقوال السكران وعقوده كلها ثابتة كفعل الصاحي إلا الردة ، فإذا ارتد لا تبين امرأته استحسانا . قال أبو يوسف : يكون مرتدا في حال سكره - وهو قول الشافعي - إلا أَنا لا نقتله في حال سكره ولا نستتيبه . وأما المجنون فالإجماع واقع على أن طلاق المجنون والمعتوه واقع ، وقال مالك : وكذلك المجنون الذي يفيق أحيانا يطلق في حال جنونه ، والمبرسم قد رفع عنه القلم لغلبة العلم بأنه فاسد المقاصد . وأما حكم طلاق الغالط أو الناسي فإنه واقع ، وهو قول عطاء والشافعي في قول وإسحاق ومالك والثوري وابن أبي ليلى والأوزاعي والكوفيين ، وعن الحسن أن الناسي كالعامد إلا أنه اشترط فقال : إلا إن أنسي . وأما المخطئ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع طلاقه ، وعند الحنفية إذا أراد رجل أن يقول لامرأته شيئا فسبق لسانه فقال أنت طالق يلزمه الطلاق . قوله ( وأمرهما ) ؛ أي أمر السكران والمجنون ، أي في بيان أمرهما من أقوالهما وأفعالهما هل حكمهما واحد أو مختلف على ما يجيء . قوله ( والغلط والنسيان ) ؛ أي وفي بيان الغلط والنسيان الحاصلين في الطلاق ، أراد أنه لو وقع من المكلف ما يقتضي الطلاق غلطا أو نسيانا . قوله ( والشرك ) ؛ أي وفي بيان الشرك لو وقع من المكلف ما يقتضي الشرك غلطا أو نسيانا هل يحكم عليه به ؟ وقال صاحب التوضيح : وقع في كثير من النسخ والنسيان في الطلاق والشرك بكسر الشين المعجمة وسكون الراء ، فهو خطأ ؛ والصواب في الشك مكان الشرك . قلت : سبقه بهذا ابن بطال حيث قال : وقع في كثير من النسخ والنسيان في الطلاق والشرك وهو خطأ ؛ والصواب والشك مكان الشرك . وأما طلاق المشرك فجاء عن الحسن وقتادة وربيعة أنه لا يقع ، ونسب إلى مالك وداود ، وذهب الجمهور إلى أنه يقع كما يصح نكاحه وعتقه وغير ذلك من أحكامه . قوله ( وغيره ) ، قال بعضهم : أي وغير الشرك مما هو دونه . قلت : ليس معناه كذا ، وإنما المعنى وغير المذكور من الأشياء المذكورة نحو الخطأ وسبق اللسان والهزل ، وقد ذكرنا الآن حكم الخطأ وسبق اللسان . وأما حكم الهازل في طلاقه ونكاحه ورجعته فإنه يؤخذ به ولا يلتفت إلى قوله كنت هازلا ، ولا يدين أيضا فيما بينه وبين الله تعالى ، وذلك لما روى الترمذي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد : النكاح ، والطلاق ، والرجعة . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . واعلم أنه ذكر هذه الأشياء ولم يذكر ما الجواب فيها اكتفاء بقوله : لقول النبي صلى الله عليه وسلم : الأعمال بالنية ، ولكل امرئ ما نوى . أشار بهذا الحديث الصحيح الذي سبق ذكره في أول الكتاب على اختلاف الألفاظ فيه إلى أن الاعتبار في الأشياء المذكورة النية ؛ لأن الحكم في الأصل إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر ، والمكره غير مختار ، والسكران غير عاقل في سكره ، وكذلك المجنون في حال جنونه ، والغالط والناسي غير ذاكرين ، وقد ذكرنا الأحكام فيها مستقصاة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 251 وتلا الشعبي : لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا . أي قرأ عامر بن شراحيل الشعبي هذه الآية لما سئل عن طلاق الناسي والمخطئ ، واحتج بها على عدم وقوع طلاق الناسي والمخطئ ، وجه الاستدلال بها ظاهر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 252 وما لا يجوز من إقرار الموسوس . هو عطف على قوله الطلاق في الإغلاق ، والتقدير : وفي بيان ما لا يجوز من إقرار الموسوس على صيغة الفاعل ، من وسوس توسوس نفسه إليه ، والوسوسة حديث النفس ، ولا مؤاخذة بما يقع في النفس .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 252 وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي أقر على نفسه : أبك جنون ؟ أشار بهذا إلى الاستدلال به في عدم وقوع طلاق المجنون ، وهو قطعة من حديث أخرجه في المتحاربين عن أبي هريرة قال : أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد ، فناداه فقال : يا رسول الله ، إني زنيت ! فأعرض عنه ، حتى ردده عليه أربع مرات ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : أبك جنون ؟ فقال : لا - الحديث ، وسيأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله تعالى . قوله ( للذي أقر ) ؛ أي الرجل الذي أقر على نفسه بالزنا ، وإنما قال له أبك جنون ؟ لأنه لو كان ثبت عنه أنه مجنون كان أسقط الحد عنه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 252 وقال علي : بقر حمزة خواصر شارفي ، فطفق النبي - صلى الله عليه وسلم - يلوم حمزة ، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ، ثم قال حمزة : هل أنتم إلا عبيد لأبي ! فعرف النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قد ثمل ، فخرج وخرجنا معه . أشار بهذا إلى الاستدلال بأن السكران لا يؤاخذ بما صدر منه في حال سكره من طلاق وغيره ، وعلي هو ابن أبي طالب رضي الله عنه ، وهذا قطعة من حديث قد مضت في غزوة بدر في باب مجرد عقيب باب شهود الملائكة بدرا مطولا . قوله ( بَقَرَ ) بفتح الباء الموحدة وتخفيف القاف ؛ أي شق . قوله ( خواصر ) جمع خاصرة . قوله ( شارفي ) تثنية شارف ، أضيف إلى ياء المتكلم والفاء مفتوحة والياء مشددة ، والشارف بالشين المعجمة وكسر الراء وهي المسنة من النوق . قوله ( فطفق النبي صلى الله عليه وسلم ) ؛ أي شرع النبي صلى الله عليه وسلم ( يلوم حمزة ) بن عبد المطلب على فعله هذا . قوله ( فإذا ) كلمة مفاجأة ، و حمزة مبتدأ ، و قد ثمل خبره - بفتح الثاء المثلثة وكسر الميم ؛ أي قد أخذه الشراب ، والرجل ثمل بكسر الميم أيضا ، ولكنه في الحديث ماض في الموضعين ، وفي قولنا الرجل ثمل صفة مشبهة ، فافهم . ويروى فإذا حمزة ثمل على صيغة الصفة المشبهة ، فافهم . قوله ( محمرة عيناه ) خبر بعد خبر ، ويجوز أن يكون حالا فحينئذ تنصب محمرة . قوله ( فخرج ) ؛ أي النبي - صلى الله عليه وسلم - من عند حمزة ( وخرجنا معه ) ، واعترض المهلب بأن الخمر حينئذ كانت مباحة ، قال : فبذلك سقط عنه حكم ما نطق به في تلك الحال . قال : وبسبب هذه القصة كان تحريم الخمر ، ورد عليه بأن الاحتجاج بهذه القصة إنما هو بعدم مؤاخذة السكران بما يصدر منه ، ولا يفترق الحال بين أن يكون الشرب فيه مباحا أو لا . قوله وبسبب هذه القصة كان تحريم الخمر غير صحيح ؛ لأن قصة الشارفين كانت قبل أحد اتفاقا ، لأن حمزة رضي الله تعالى عنه استشهد بأحد ، وكان ذلك بين بدر وأحد عند تزويج علي بفاطمة رضي الله تعالى عنهما ، وقد ثبت في الصحيح أن جماعة اصطحبوا الخمر يوم أحد واستشهدوا في ذلك اليوم ، فكان تحريم الخمر بعد أحد لهذا الحديث الصحيح .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 252 وقال عثمان : ليس لمجنون ولا لسكران طلاق . أي قال عثمان بن عفان أمير المؤمنين : ليس لمجنون ولا لسكران طلاق - يعني لا يقع طلاقهما . ورواه ابن أبي شيبة عن وكيع بسند صحيح : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبان بن عثمان عنه بلفظ : كان لا يجيز طلاق السكران والمجنون . وكان عمر بن عبد العزيز يجيز ذلك حتى حدثه أبان بهذا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 252 وقال ابن عباس : طلاق السكران والمستكره ليس بجائز . هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة بسند صحيح عن هشيم عن عبد الله بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد المديني عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ : ليس لسكران ولا لمضطهد طلاق - يعني المغلوب المقهور ، والمضطهد بضاد معجمة ساكنة ثم طاء مهملة مفتوحة ثم هاء ثم دال مهملة . قوله ( ليس بجائز ) ليس بواقع .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 253 وقال عقبة بن عامر : لا يجوز طلاق الموسوس . عقبة - بضم العين وسكون القاف - ابن عامر بن عبس الجهني - من جهينة - ابن زيد بن سود بن أسلم بن عمرو بن الْحَاف بن قضاعة ، وقال أبو عمر : سكن عقبة بن عامر مصر وكان واليا عليها ، وابتنى بها دارا ، وتوفي في آخر خلافة معاوية . قلت : ولي مصر من قبل معاوية سنة أربع وأربعين ثم عزله بمسلمة بن مخلد ، وكان له دار بدمشق بناحية قنطرة سنان من باب توما ، وذكر خليفة بن خياط : قتل أبو عامر عقبة بن عامر الجهني يوم النهروان شهيدا ، وذلك في سنة ثمان وثلاثين . قال أبو عمر : هذا غلط منه . وقال الواقدي : شهد صفين مع معاوية ، وتحول إلى مصر ، وتوفي آخر خلافة معاوية ، ودفن بالمقطم . وقال الكرماني : عقبة بن عامر الجهني الصحابي الشريف المقري الفرضي الفصيح ، هو كان البريد إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بفتح دمشق ، ووصل إلى المدينة في سبعة أيام ورجع منها إلى الشام في يومين ونصف بدعائه عند قبر النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - بذلك . وإنما قال لا يجوز طلاق الموسوس لأن الوسوسة حديث النفس ، ولا مؤاخذة بما يقع في النفس .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 253 وقال عطاء : إذا بدأ بالطلاق فله شرطه . عطاء هو ابن أبي رباح . قوله ( إذا بدأ بالطلاق ) ؛ يعني إذا أراد أن يطلق وبدأ ( فله شرطه ) ، أي فله أن يشترط ويعلق طلاقها على شرط ؛ يعني لا يلزم أن يكون الشرط مقدما على الطلاق ، بل يصح أن يقال أنت طالق إن دخلت الدار كما في العكس ، ونقل عن البعض أنه لا ينتفع بشرطه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 253 وقال نافع : طلق رجل امرأته ألبتة إن خرجت ! فقال ابن عمر : إن خرجت فقد بتت منه ، وإن لم تخرج فليس بشيء . أي قال نافع مولى ابن عمر له ما حكم رجل طلق امرأته ألبتة - يعني بائنا - إن خرجت من الدار ، فأجاب ابن عمر إن خرجت وقع طلاقه بائنا وإن لم تخرج لا يقع شيء ؛ لأنه تعليق بالشرط فلا يتنجز إلا عند وجود الشرط . قوله ( ألبتة ) نصب على المصدرية ، من بته يبته ، ويبته بضم الباء الموحدة وكسرها ، والبت القطع ، ويقال لا أفعله بتة ولا أفعله ألبتة لكل أمر لا رجعة فيه ، ويقال طلقها ثلاثا بتة أي قاطعة ، وقال الكرماني : قالت النحاة قطع همزة ألبتة بمعزل عن القياس . وقال بعضهم : وفي دعوى أنها تقال بالقطع نظر ؛ فإن ألف ألبتة ألف وصل قطعا ، والذي قاله أهل اللغة ألبتة القطع وهو تفسيرها بمرادفها لأن المراد أنها تقال بالقطع . قلت : النحاة لم يقولوا ألبتة القطع فحسب ، وإنما قالوا قطع همزة ألبتة بتصريح نسبة القطع إلى الهمزة . قوله ( فقد بتت ) على صيغة المجهول ؛ أي انقطعت عن الزوج بحيث لا رجعة له فيها ، ويروى فقد بانت . قوله ( وإن لم تخرج ) ؛ أي وإن لم يحصل الشرط فلا شيء عليه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 253 وقال الزهري فيمن قال إن لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثا : يسأل عما قال وعقد عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين ؛ فإن سمى أجلا أراده وعقد عليه قلبه حين حلف جعل ذلك في دينه وأمانته . أي قال محمد بن مسلم الزهري صورة المسألة ظاهرة لأنها تعليق يتنجز عند وجود الشرط ، غير أن الزهري زاد فيها قوله يسأل عما قال . . . إلى آخره . قوله ( جعل ذلك في دينه ) ؛ يعني يدين بينه وبين الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 253 وقال إبراهيم : إن قال لا حاجة لي فيك نيته . أي قال إبراهيم النخعي إن قال رجل لامرأته لا حاجة لي فيك نيته ؛ أي تعتبر فيه نيته ، فإن قصد طلاقا طلقت ، وإلا فلا . وأخرجه ابن أبي شيبة عن حفص - هو ابن غياث - عن إسماعيل عن إبراهيم في رجل قال لامرأته لا حاجة لي فيك ! قال : نيته .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 253 وطلاق كل قوم بلسانهم . أي قال إبراهيم طلاق كل قوم من عربي وعجمي جائز بلسانهم . وروى ابن أبي شيبة عن ابن إدريس وجرير ؛ فالأول عن مطرف ، والثاني عن مغيرة - كلاهما عن إبراهيم قال : طلاق العجمي بلسانه جائز . وقال صاحب المحيط : الطلاق بالفارسية المتعارفة أربعة ؛ أحدها لو قال لها هشتم ترا أو بهشتم ترا اززني ، روى ابن رستم في نوادره عن أبي حنيفة : لا يكون طلاقا إلا بالنية ؛ لأن معناه يؤول إلى معنى التخلية ، ولفظ التخلية لا يصح إلا بالنية . واللفظ الثاني لو قال بله كردم ، واللفظ الثالث لو قال باي كشاده كردم - يقع رجعيا بلا نية ، واللفظ الرابع لو قال دست باز داشتم - قيل يكون رجعيا وقيل بائنا ، ولو قال جهار راه برتو كشاده است لا يقع وإن نوى ، ولو قال بالتركي بو شادم سني بر طلاق تقع واحدة رجعية ، ولو قال ايكي طلاق يقع ثنتان ، ولو قال اوج طلاق يقع ثلاثا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 254 وقال قتادة : إذا قال إذا حملت فأنت طالق ثلاثا يغشاها عند كل طهر مرة ، فإن استبان حملها فقد بانت منه . أي قال قتادة بن دعامة إذا قال رجل لامرأته إذا حملت فأنت طالق ثلاثا يغشاها ؛ أي يجامعها في كل طهر مرة لا مرتين لاحتمال أنه بالجماع الأول صارت حاملا فطلقت به . وقال ابن سيرين : يغشاها حتى تحمل - وبه قال الجمهور . وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة - نحوه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 254 وقال الحسن : إذا قال الحقي بأهلك نيته . أي قال الحسن البصري إذا قال لامرأته الحقي بأهلك تعتبر نيته ؛ أراد أنه كناية يعتبر فيه قصده ، إن نوى الطلاق وقع ، وإلا فلا . وروى عبد الرزاق بلفظ هو ما نوى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 254 وقال ابن عباس : الطلاق عن وطر ، والعتاق ما أريد به وجه الله تعالى . أي قال ابن عباس الطلاق عن حاجة ؛ أراد به أنه لا يطلق امرأته إلا عند الحاجة مثل النشوز ، وكلمة عن تتعلق بمحذوف ؛ أي الطلاق لا ينبغي وقوعه إلا عند الحاجة ، والوطر بفتحتين ، قال أهل اللغة : لا يبنى منه فعل . قوله ( والعتاق ما أريد به وجه الله ) ؛ يعني العتاق لله ، فهو مطلوب دائما .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 254 وقال الزهري : إن قال ما أنت بامرأتي نيته ، وإن نوى طلاقا فهو ما نوى . أي قال محمد بن مسلم الزهري إن قال رجل لامرأته ما أنت بامرأتي تعتبر نيته ، فإن نوى طلاقا فهو ما نوى ، وبه قال مالك وأبو حنيفة والأوزاعي ، وقال أبو يوسف ومحمد : ليس بطلاق . وقال الليث : هي كذبة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 254 وقال علي : ألم تعلم أن القلم رفع عن ثلاثة ؛ عن المجنون حتى يفيق ، وعن الصبي حتى يدرك ، وعن النائم حتى يستيقظ ؟ أي قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ألم تعلم يخاطب به عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وذلك أن عمر أتى بمجنونة قد زنت وهي حبلى فأراد أن يرجمها ، فقال علي له : ألم تعلم - إلى آخره ، وذكر بصيغة جزم لأنه حديث ثابت ، وقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : رفع القلم - الحديث ، وهذا التعليق رواه ابن حبان في صحيحه مرفوعا من حديث ابن وهب عن جرير عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس عن علي رضي الله تعالى عنهم ، ورواه أبو داود والنسائي من رواية أبي ظبيان عن ابن عباس قال : مر على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بمجنونة . وفيه : فقال علي : أوَما تذكر أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال رفع القلم عن ثلاثة ؛ عن المجنون المغلوب على عقله ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ؟ قال : صدقت . ورواه ابن ماجه من رواية ابن جريج عن القاسم بن يزيد عن علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : رفع القلم عن الصغير وعن المجنون وعن النائم . قوله ( حتى يدرك ) ؛ أي حتى يبلغ ، وفي الفتاوى الصغرى لأبي يعقوب بن يوسف الجصاصي : إن الجنون المطبق عن أبي يوسف أكثر السنة . وفي رواية عنه : أكثر من يوم وليلة . وفي رواية : سبعة أشهر - والصحيح ثلاثة أيام . واختلفوا في طلاق الصبي ؛ فعن ابن المسيب والحسن يلزم إذا عقل وميز ، وحده عند أحمد أن يطيق الصيام ويحصي الصلاة ، وعند عطاء إذا بلغ اثنتي عشرة سنة ، وعن مالك - رواية - إذا ناهز الاحتلام .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 255 وقال علي : وكل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه . أي قال علي بن أبي طالب ، وذكره أيضا بصيغة الجزم لأنه ثابت ، ووصله البغوي في الجعديات عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن عابس بن ربيعة أن عليا قال : كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه . والمعتوه بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم التاء المثناة من فوق وسكون الواو بعدها ، وهو الناقص العقل ، فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران . وقد روى الترمذي : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا مروان بن أبي معاوية الفزاري ، عن عطاء بن عجلان ، عن عكرمة بن خالد ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه المغلوب على عقله - وقال : هذا حديث لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث عطاء بن عجلان وهو ضعيف ذاهب الحديث ، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ؛ أن طلاق المعتوه المغلوب على عقله لا يجوز إلا أن يكون معتوها يفيق الأحيان فيطلق في حال إفاقته . وقال شيخنا زين الدين : هذا حديث أبي هريرة ، انفرد بإخراجه الترمذي ، وعطاء بن عجلان ليس له عند الترمذي إلا هذا الحديث الواحد ، وليس له في بقية الكتب الستة شيء ، وهو حنفي بصري يكنى أبا محمد ويعرف بالعطار ، اتفقوا على ضعفه ؛ قال ابن معين والفلاس : كذاب . وقال أبو حاتم والبخاري : منكر الحديث - زاد أبو حاتم : جدا ، وهو متروك الحديث . قوله ( وكل طلاق ) ، ويروى وكل الطلاق بالألف واللام . قوله ( جائز ) ؛ أي واقع .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 255 16 - حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم . مطابقته للترجمة يمكن أن يكون بينه وبين حديث عقبة بن عامر المذكور في أخبار باب الترجمة المذكورة ، وهو قوله لا يجوز طلاق الموسوس ، وقد علم أن الوسوسة من أحاديث النفس ، فإذا تجاوز الله عن عبده ما حدثت به نفسه يدخل فيه طلاق الموسوس أنه لا يقع . وهشام هو الدستوائي ، وزرارة - بضم الزاي وخفة الراء الأولى - ابن أوفى - على وزن أفعل ، من الوفاء - العامري قاضي البصرة . والحديث مضى في العتق في باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ؛ فإنه أخرجه هناك عن الحميدي عن سفيان عن مسعر عن قتادة - إلى آخره ، وقد ذكرنا هناك أن الحديث أخرجه الجماعة ومضى الكلام فيه هناك . قوله ( ما حدثت به أنفسها ) بالفتح على المفعولية ، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالضم يريدون بغير اختيارها ، قلت : قوله بالضم ليس بجيد ، بل الصواب بالرفع ، ولا تعلق له بأهل اللغة ، بل الكل سائغ في اللغة : حدثت نفسي بكذا ، وحدثتني نفسي بكذا . قوله ( ما لم تعمل ) ؛ أي في العمليات ، أو تتكلم في القوليات . وقال الكرماني : قالوا من عزم على ترك واجب أو فعل محرم ولو بعد عشرين سنة مثلا عصى في الحال . وأجاب بأن المراد بحديث النفس ما لم يبلغ إلى حد الجزم ولم يستقر ، أما إذا عقد قلبه به واستقر عليه فهو مؤاخذ بذلك الجزم ، نعم لو بقي ذلك الخاطر ولم يتركه يستقر لا يؤاخذ به بل يكتب له به حسنة . وفيه إشارة إلى أن هذا من خصائص هذه الأمة وأن الأمم المتقدمة كانوا يؤاخذون بذلك ، وقد اختلف أيضا هل كان ذلك يؤاخذ به في أول الإسلام ثم نسخ وخفف ذلك عنهم أو هو تخصيص وليس بنسخ ؟ وذلك قوله تعالى : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فقد قال غير واحد من الصحابة - منهم أبو هريرة وابن عباس وابن عساكر - أنها منسوخة بقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا واعلم أن المراد بالكلام كلام اللسان ؛ لأنه الكلام حقيقة ، وقول ابن العربي المراد به الكلام النفسي وأن القول الحقيقي هو الموجود بالقلب الموافق للعلم - مردود عليه ، وإنما قاله تعصبا لما حكَى عن مذهبه من وقوع الطلاق بالعزم وإن لم يتلفظ ، وليس لأحد خلاف أنه إذا نوى الطلاق بقلبه ولم يتلفظ به أنه لا شيء عليه إلا ما حكاه الخطابي عن الزهري ومالك أنه يقع بالعزم ، وحكاه ابن العربي عن رواية أشهب عن مالك في الطلاق والعتق والنذر أنه يكفي فيه عزمه وجزمه في قلبه بكلامه النفسي ، وهذا في غاية البعد ، ونقضه الخطابي على قائله بالظهار وغيره ؛ فإنهم أجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يتلفظ به ، ولو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفا ، ولو حدث نفسه في الصلاة لم يكن عليه إعادة ، وقد حرم الله الكلام في الصلاة ، فلو كان حديث النفس في معنى الكلام لكانت صلاته تبطل ، وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه : إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة . وممن قال إن طلاق النفس لا يؤثر : عطاء بن أبي رباح ، وابن سيرين ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، وجابر بن زيد ، وقتادة ، والثوري ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . واستدل به جماعة أنه إذا كتب بالطلاق وقع ؛ لأن الكتابة عمل ، وهو قول محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ، وشرط فيه مالك الإشهاد على الكتابة ، وجعله الشافعي غاية إن نوى به الطلاق وقع وإلا فلا ، وفي المحيط : إذا كتب طلاق امرأته في كتاب أو لوح أو على حائط أو أرض وكان مستبنيا ونوى به الطلاق يقع ، وإن لم يكن مستبنيا أو كتب في الهواء والماء لا يقع وإن نوى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك · ص 256 وقال قتادة : إذا طلق في نفسه فليس بشيء . وقع هذا في بعض النسخ قبل الحديث المذكور ، وهنا أنسب كما لا يخفى على الفطن . ووصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والحسن - قالا : من طلق سرا في نفسه فليس طلاقه ذلك بشيء .